قال الأكاديمي ومدير مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية بجامعة إسطنبول صباح الدين زعيم في تركيا، الدكتور سامي العريان، إن "توجّه إدارة ترامب نحو تصنيف بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين كمنظمات إرهابية ستكون له تداعيات خطيرة داخل الولايات المتحدة وخارجها".
ولفت، في حديثه الخاص والمطوّل، إلى أن "هذا التوجّه لا يُقرأ فقط في سياق ضغوط إقليمية أو حسابات سياسية آنية، بل في إطار تحوّل أيديولوجي عميق داخل الإدارة الأمريكية يعيد إحياء مناخ (الحرب على الإرهاب)، ويمهّد لمرحلة من التضييق الواسع على الحريات السياسية والأكاديمية والمؤسسات الإسلامية في داخل وخارج أمريكا".
وأوضح العريان، أن "هذا التوجّه ليس جديدا تماما، لكنه اليوم يأخذ زخما غير مسبوق؛ إذ يجتمع فيه توجّه أيديولوجي معاد للإسلام السياسي يهيمن على مجلس الأمن القومي الأمريكي مع ضغوط مكثفة من دول الثورات المضادة، مثل الإمارات ومصر والسعودية، ويتقاطع ذلك مع دور فاعل للوبي الصهيوني الساعي إلى صرف الأنظار عن جرائم الإبادة في غزة وإعادة توجيه البوصلة الأمريكية نحو استهداف الحركات الإسلامية بدلا من مساءلة الاحتلال".
كما أشار العريان إلى أن "هذه الخطوة تحمل بُعدا داخليا لا يقل خطورة؛ فهي جزء من محاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي الأمريكي من خلال الحدّ من النفوذ المتنامي للمسلمين الأمريكيين في الجامعات والمؤسسات السياسية ومنظمات المجتمع المدني، لا سيما بعد أن أفرزت حرب الإبادة في غزة حالة وعي غير مسبوقة داخل الأوساط الأكاديمية والطلابية تجاه دور اللوبي الصهيوني في رسم السياسات الأمريكية".
ورأى أن "تصنيف حركة الإخوان كمنظمة إرهابية هو قرار سياسي بامتياز، يهدف إلى إعادة رسم الخريطة السياسية في المنطقة بما يخدم محور الثورات المضادة واللوبي الصهيوني، ويعزز تحالف الولايات المتحدة مع أنظمة استبدادية على حساب قيم الحرية وحق الشعوب في المشاركة السياسية والتداول السلمي للسلطة".
وأكد أن "القرار ستكون له انعكاسات عميقة على الجمعيات ذات الخلفية الإسلامية بشكل عام أو الإخوانية والقريبة منها بشكل خاص، وعلى الحريات الأكاديمية والبحثية في الجامعات الأمريكية؛ إذ سيُستخدم المناخ الجديد لزيادة التضييق الأمني والإداري، وفرض قيود على التمويل والنشاط العام، وخلق حالة من الإرهاب الأكاديمي تدفع الأكاديميين والطلاب إلى الرقابة الذاتية والخوف من تناول قضايا فلسطين أو نقد السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، وهذه الأجواء ستعمّق أزمة الثقة التاريخية بين الجاليات المسلمة والأجهزة الأمنية، وتوسّع الفجوة بين المسلمين والدولة، وتحدّ من مشاركتهم المدنية والسياسية".
والاثنين، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرسوما تنفيذيا يوجّه إدارته لبدء إجراءات تصنيف فروع جماعة "الإخوان المسلمون" في بعض الدول على "قوائم الإرهاب"، منها مصر ولبنان والأردن.
وأفاد بيان للبيت الأبيض أن ترامب أوعز لوزيري الخارجية ماركو روبيو، والخزانة سكوت بيسنت، ببدء إجراءات تصنيف فروع "الإخوان المسلمون" في عدد من الدول على أنها "تنظيمات إرهابية أجنبية" و"كيانات إرهابية عالمية مُدرجة على القوائم الخاصة"، وفرض العقوبات اللازمة عليها.
كيف ترى توجّه إدارة ترامب نحو تصنيف بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين، خصوصا في الأردن ومصر ولبنان، كمنظمات إرهابية؟ ولماذا الآن؟
هذا التوجه ليس جديدا؛ فقد ظهر منذ الولاية الأولى لترامب، حين حاولت الإدارة أكثر من مرة خلال عامي 2018 و2019 إدراج جماعة الإخوان المسلمين على قوائم الإرهاب، لكن تلك المحاولات اصطدمت آنذاك برفض وزارة الدفاع الأمريكية، التي رأت أن الخطوة ستُحدث إشكاليات مع دول ترتبط معها واشنطن بتعاون عسكري وثيق، ولذلك توقفت المبادرة في حينها.
أما اليوم، فالمشهد مختلف؛ إذ يسيطر على مجلس الأمن القومي - خصوصا وزيري الخارجية والدفاع وعدد كبير من كوادره - توجّه أيديولوجي معادٍ للإسلام السياسي، يتقاطع مع ضغوط قوية تمارسها دول إقليمية مثل الإمارات ومصر. وقد تضاعفت هذه الضغوط بعد حرب غزة، حيث صعّد اللوبي الصهيوني تحركه لإعادة توجيه البوصلة الأمريكية نحو استهداف الإسلام السياسي مجددا، في محاولة لصرف الأنظار عن جرائم الإبادة التي ارتكبها الاحتلال، وإقصاء تداعياتها عن الساحة الدولية.
ويأتي هذا الدفع المتسارع بالتصنيف الآن في إطار محاولة تشكيل رواية داخلية موجّهة للمجتمع الأمريكي، مفادها أن الخطر الحقيقي على الأمن القومي ينبع من الحركات الإسلامية، ويتزامن ذلك مع صعود خطاب اليمين المتطرف الذي يعيد إحياء مفهوم "الحرب على الإرهاب" بوصفها حربا كونية، بينما يرى كثيرون أنها لم تكن سوى أداة تخدم المصالح الإسرائيلية.
وهكذا ظهر هذا الحراك الجديد بهذا الزخم، مدفوعا بخليط من القناعات الأيديولوجية، والضغوط الإقليمية، وحملات اللوبي الصهيوني، ومحاولة إعادة صياغة الرأي العام الأمريكي تجاه المنطقة.
إلى أي حد يمكن اعتبار القرار محاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي الأمريكي الداخلي عبر الحدّ من النفوذ المتزايد للمسلمين الأمريكيين في الجامعات والمؤسسات السياسية ومنظمات المجتمع المدني؟
لا شك أن هذا القرار يُشكّل امتدادا لرد فعل واضح من جانب ما يُعرف باللوبي الصهيوني والمحافظين الجدد، الذين يحظون بحضور مؤثر داخل الإدارة الأمريكية الحالية، ويأتي هذا التوجّه في إطار محاولة تبنّتها إدارة ترامب لإعادة صياغة المشهد السياسي الداخلي، في مواجهة الأصوات المتصاعدة التي تنتقد النفوذ الصهيوني وتكشف دوره في توجيه السياسات الأمريكية، وقد أسهم ذلك في إعادة إحياء خطاب "الحرب الكونية على الإرهاب" رغم أنها - وفق كثيرين - لم تكن حربا حقيقية على الإطلاق، بل مسارا استنزف الثروات والقوة الأمريكية على مدى نحو ربع قرن.
أما النفوذ المتزايد للمسلمين الأمريكيين، فقد برز نتيجة انخراط الجالية الإسلامية في الحياة العامة والعمل السياسي، سواء كرد فعل على تلك الحرب التي جعلتهم في دائرة الاستهداف، أو بفعل حرب الإبادة الجارية في غزة خلال العامين الماضيين، والتي أثّرت بعمق في الجيل الجديد من المسلمين وفي الأوساط الأكاديمية الأمريكية على حدّ سواء. وقد ولّد هذا الواقع حالة وعي متصاعدة داخل الجامعات والمؤسسات المدنية، دفعت شرائح واسعة لإعادة تقييم الدور الأمريكي في الشرق الأوسط، ومقارنة هذا الدور بحجم الخسائر الاقتصادية والسياسية التي تكبّدتها الولايات المتحدة هناك.
كل ذلك ساهم في بروز "ردّة فعل" داخل دوائر النفوذ التقليدية، تعمل اليوم على الحدّ من تصاعد حضور المسلمين الأمريكيين في المؤسسات السياسية والأكاديمية، وعلى إعادة ضبط توازن القوى داخل المشهد الداخلي بما يخدم الرؤية المحافظة واللوبي الصهيوني.
هل يأتي هذا التوجّه في إطار محاولة لشيطنة التيارات الإسلامية المعتدلة، أم أنه جزء من استراتيجية أوسع تستهدف تقييد أي نشاط سياسي ذي خلفية إسلامية داخل الولايات المتحدة؟
من الناحية القانونية، لا يُفترض أن يشمل هذا التوجّه أي حركات أو مؤسسات تعمل داخل الولايات المتحدة؛ فالإطار القانوني الفيدرالي الذي يمنح الرئيس ووزير الخارجية صلاحية تصنيف المنظمات الإرهابية يشترط أن تكون تلك الكيانات أجنبية، أي خارج الحدود الأمريكية. ومن ثمّ، فإن ما فعله حاكم ولاية تكساس بتصنيف مؤسسة أمريكية محلية كمنظمة إرهابية هو خطوة غير مسبوقة، وربما غير قانونية أصلا، لأن القانون المُستخدم في هذه الحالة لا ينطبق إلا على منظمات خارجية، وليس على مؤسسات محلية يمكن التعامل معها بإجراءات قانونية أخرى مختلفة.
لكن، ورغم القيود القانونية، فإن التوجّه يحمل بطبيعته أبعادا أوسع من مجرد تحرك تقني لتصنيف جماعة خارجية؛ فهو موجه ضد حركة فكرية أيديولوجية عالمية لها أنصار داخل الولايات المتحدة، مما يعني أن تأثيراته السياسية والاجتماعية قد تتجاوز حدود النص القانوني. ومع ذلك، يبقى من الصعب - من الناحية العملية - ربط شخصيات أو مؤسسات أمريكية ربطا قانونيا مباشرا بجماعة الإخوان المسلمين بحيث تُعامل كجزء عضوي منها، لأن مثل هذا الربط يتطلب أدلة مادية على الانتماء أو الدعم، وهذا ما لا يتوفر في معظم الحالات.
ورغم هذا التعقيد، فإن المناخ العام سيشهد بلا شك زيادة في مستوى الملاحقة والضغوط؛ سواء عبر دعاوى قانونية تستهدف بعض المؤسسات، أو عبر التضييق الأمني والإداري الذي قد تتعرض له منظمات وناشطون داخل الولايات المتحدة، لكن تحويل هذا المناخ إلى إجراءات قانونية كبيرة - مثل الإيقاف أو تجميد الأموال - سيظل احتمالا صعبا ومعقدا، وإن لم يكن مستحيلا من الناحية النظرية.
وبذلك، فإن التوجّه يبدو أقرب إلى استراتيجية سياسية أوسع تهدف إلى تقييد أي نشاط سياسي ذي خلفية إسلامية، وخلق بيئة ردعية وخانقة، أكثر منه محاولة قانونية محضة لتصنيف كيانات إرهابية.
ما حجم تأثير ضغوط محور "الثورات المضادة" العربي واللوبيات الصهيونية في واشنطن على قرار المضي في تصنيف فروع الإخوان كمنظمات إرهابية؟
لا شكّ أن ضغوط محور "الثورات المضادة" لعبت دورا محوريا في الدفع نحو هذا القرار، وبخاصة من دول الخليج التي تبنّت منذ سنوات موقفا معاديا للإخوان المسلمين، مثل الإمارات والسعودية ومصر، ولاحقا الأردن. غير أن الجانب الأكثر تأثيرا جاء من الجهات التي تمتلك نفوذا عميقا داخل واشنطن، وتؤثر مباشرة في صناعة القرار الأمريكي، وفي مقدمتها اللوبي الصهيوني، إلى جانب اللوبي الإماراتي الذي يمارس ضغطا مكثفا على أعضاء الكونغرس بمجلسيه.
كما تبرز شخصيات صهيونية ذات تأثير مالي وسياسي كبير، تموّل حملات انتخابية وتُشكّل ركنا أساسيا في دفع هذا التوجّه؛ إذ ترى هذه الجهات أن "الإسلام السياسي" - وفي مقدمته جماعة الإخوان المسلمين - يُمثل التهديد الاستراتيجي الأكبر للولايات المتحدة وللكيان الإسرائيلي في المنطقة، وأن مواجهته ينبغي أن تكون أولوية في السياسة الأمريكية.
وتأتي هذه الضغوط في سياق متصل منذ تراجع موجة الربيع العربي عام 2013، وما تبعه من انتكاسات في دول مثل تونس، وصولا إلى التطورات الأخيرة في الأردن، وقد أدى هذا كله إلى تكثيف الضغوط على الإدارة الجمهورية الحالية، التي استجابت لها بسرعة ووضوح، على عكس ما حدث مع إدارة أوباما أو إدارة بايدن، اللتين لم تتجاوبا مع هذه المطالب رغم تكرارها.
وبذلك، يمكن القول إن القرار هو ثمرة تقاطع مباشر بين محور الثورات المضادة العربي واللوبيات الصهيونية في واشنطن، ضمن مسار سياسي بدأ منذ سنوات ولم يتوقف، وبلغ اليوم ذروته مع إدارة ترامب.
كيف سيؤثر هذا القرار على المؤسسات والجمعيات الإسلامية ذات الخلفية الفكرية أو التاريخية القريبة من الإخوان، وإن لم تكن مرتبطة تنظيميا بهم؟
سيعتمد حجم التأثير بدرجة كبيرة على طريقة تعاطي المؤسسات الأمنية الأمريكية مع هذه الخطوة؛ فمن المتوقع أن تشهد بعض المؤسسات والجمعيات الإسلامية مضايقات وتحقيقات وربما حملات ضغط تهدف إلى التخويف ومحاصرة أنشطتها، من خلال استغلال أي ارتباط فكري أو تاريخي لشخصيات داخلها بالحركة الإخوانية. ومع ذلك، فإن تحويل هذه الضغوط إلى محاكمات أو إجراءات قضائية مباشرة سيظل صعبا للغاية، لأن النظام القانوني الأمريكي لا يسمح بالاستناد إلى الأفكار أو العلاقات السابقة، بل يشترط وجود فعل مباشر يمكن إثباته قانونيا.
وبمعنى آخر، فإن مجرد وجود علاقة فكرية أو تاريخية بين أفراد أو مؤسسات داخل الولايات المتحدة وبين جماعة الإخوان- في حال تم تصنيفها كتنظيم إرهابي - لن يكون كافيا لبدء ملاحقات قانونية، ما لم يُقرن ذلك بدعم مادي أو سلوك مباشر يؤثر في نشاط التنظيم المصنَّف. وحتى الآن لم يصدر أي تصنيف رسمي، وإن كانت هناك مساع للدفع به خلال الأسابيع المقبلة تجاه فروع الجماعة في مصر ولبنان والأردن.
وفي حال صدر هذا التصنيف رسميا، فسيُنظر فقط إلى الأنشطة المستقبلية، ولن تُعتمد العلاقات السابقة كأدلة إدانة؛ فالدستور الأمريكي يمنح الأفراد حق اعتناق ما يشاؤون من أفكار، والتواصل مع مَن يشاؤون، ولا يُعد الارتباط الفكري أو التاريخي جريمة. أما الدعم المادي أو تنظيم نشاط يخدم منظمة مصنَّفة، فهو وحده الذي يدخل في دائرة المخالفات القانونية.
لكن رغم هذه القيود القانونية، سيبقى الهدف العملي من القرار هو خلق مناخ ردعي يحدّ من قدرة هذه المؤسسات على الحركة والعمل العام، ويدفعها إلى الانكماش وتجنّب الفضاء السياسي، حتى إن لم يكن بالإمكان ملاحقتها قضائيا بصورة مباشرة.
هل يمكن أن يُشكّل القرار سابقة قانونية خطيرة تسمح مستقبلا بتجريم الأفكار والمعتقدات بدلا من الأفعال؟
من حيث المبدأ الدستوري، لا. فالنظام القانوني الأمريكي يقوم على قاعدة ثابتة مفادها أن الأفكار والمعتقدات لا تُجرّم، وأن العقاب لا يُبنى إلا على أفعال مادية قابلة للإثبات. غير أن الواقع العملي بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 كشف انحرافا خطيرا عن هذا المبدأ؛ إذ أصبحت الأفكار جزءا من منظومة الأدلة التي تعتمد عليها وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي في تجريم مئات الأشخاص، وإن كانت تُستخدم كعنصر تعزيزي لا كدليل مستقل بذاته.
والمقلق أن كثيرا من القضايا التي أُدين فيها أشخاص لم تعتمد على أفعال حقيقية، بل على أعمال مُصطنعة قامت الأجهزة الأمنية نفسها بفبركتها؛ فقد كانت السلطات تُنشئ جريمة كاملة من البداية: تُخطط وتُصمّم السيناريو، وتوفر الأدوات، وتخلق "أركان الجريمة"، ثم تستدرج أشخاصا بعينهم للمشاركة فيها، دون أن يدركوا أنهم ضحية عملية مُحكَمة صممتها أجهزة الأمن.
وبمجرد انزلاق هؤلاء الأفراد إلى الفعل المُفتعل، تُستخدم خلفياتهم الفكرية أو الدينية لتأكيد أن لديهم ميلا مسبقا نحو السلوك الإجرامي، رغم أن أصل الفكرة والدافع والعملية برمتها جاءت من الأجهزة الأمنية نفسها.
وهكذا، يصبح السلوك التمثيلي دليلا جنائيا أمام المحاكم، بينما تُستخدم المعتقدات كعامل داعم لإثبات "النية"، ويُقال للمحلفين إن المتهمين لم يكونوا يعلمون أنها عملية مُحاكاة، بل اعتقدوا أنهم بصدد تنفيذ جريمة ضد الولايات المتحدة، ما يبرر الإدانة رغم عدم وجود جريمة حقيقية من الأساس.
وبذلك، يمكن القول إن الخطر الحقيقي لا يكمن في النص القانوني نفسه، بل في الممارسة الأمنية التي تسمح عمليا بتوسيع دائرة التجريم، وإقحام الأفكار والمعتقدات في العملية القضائية، عبر خلق أفعال تمثيلية لتبرير الإدانة، وهذا ما يجعل التخوّف من صناعة "سابقة خطيرة" خشية مشروعة، وإن كان القانون من الناحية النظرية لا يزال يشترط وجود الفعل قبل العقاب.
إلى أي مدى يمكن أن يؤثر القرار على الحريات الأكاديمية والبحثية، خاصة في الجامعات التي تشهد نشاطا متزايدا من طلبة مسلمين أو عرب؟
سيترك هذا التوجه أثرا بالغا على الحريات الأكاديمية والبحثية في الولايات المتحدة، لكونه يأتي ضمن سياق توسّع الإجراءات التي تستهدف العمل الطلابي المعارض للسياسات الأمريكية أو لكشف جرائم الاحتلال في غزة؛ فقد شهدت السنوات الأخيرة - خاصة مع إدارة ترامب - تصعيدا غير مسبوق ضد الأصوات الأكاديمية والنشاط الطلابي المناهض لإسرائيل، وهو ما خلق بيئة تتناقض جذريا مع تقاليد المؤسسات الأكاديمية الأمريكية القائمة على الحرية والبحث المستقل.
وتتجلى الخطورة في محاولات الضغط على عدد من الأكاديميين، حتى أولئك الذين وصلوا إلى مرحلة التثبيت الأكاديمي، عبر حملات ممنهجة تهدف إلى عزلهم أو تقييد حضورهم العلمي. ويزداد الوضع هشاشة بالنسبة للطلاب والباحثين الأجانب، الذين لا يتمتعون بالحماية الدستورية نفسها، ما يجعل قرار إنهاء عقودهم أو حرمانهم من فرصهم الأكاديمية أكثر سهولة، ويحوّل وجودهم داخل الجامعات إلى حالة دائمة من القلق.
وينسحب الأمر كذلك على الأكاديميين الأمريكيين غير المثبّتين، الذين أصبحوا أكثر عرضة لفقدان وظائفهم أو عدم تجديد عقودهم، وقد شهدنا بالفعل حالات عديدة خلال العامين الماضيين - في ظل حرب الإبادة على غزة - حيث تعرّض طلاب وناشطون أكاديميون لتهديدات بسحب المنح أو تقييد النشاط الطلابي المرتبط بالقضية الفلسطينية.
كل ذلك يهيئ لظهور مناخ أقرب إلى الإرهاب الأكاديمي، يفرض الخوف والرقابة الذاتية، ويعيق الباحثين والطلبة عن الخوض في قضايا تتعلق بفلسطين أو بالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط؛ فالغرض غير المعلن لهذا التوجه هو خلق بيئة ردعية تمنع أي نشاط يمكن أن يضر بالصورة التي يسعى اللوبي الصهيوني إلى ترسيخها داخل المجتمع الأمريكي.
وعليه، فإن القرار - حتى قبل تطبيقه الكامل - يسهم في تقويض الحريات الأكاديمية، ويهدد بتحويل الجامعات إلى ساحات مراقبة وضغط، بدلا من كونها فضاءات للمعرفة والحوار الحر.
ما هي الانعكاسات المحتملة لهذا القرار على العلاقات بين الجاليات المسلمة والجهات الأمنية الأمريكية، خاصة في ظل بيئة مشحونة وصعود التيارات اليمينية؟
من المرجّح أن يعمّق هذا القرار حالة التوتر التاريخية بين الجاليات المسلمة والجهات الأمنية الأمريكية، وهي علاقة شهدت توترا شديدا منذ أحداث 11 أيلول/ سبتمبر؛ فمنذ ذلك الوقت، سعت الأجهزة الأمنية إلى اختراق الجاليات، وتفكيك شبكاتها، وبثّ الخوف داخلها، سواء عبر الترهيب المباشر أو عبر استقطاب بعض الشخصيات وإقناعها بأن عدم التعاون سيقود إلى عواقب خطيرة، وقد خلّف هذا واقعا من القلق داخل المؤسسات الدينية والتعليمية الإسلامية، التي باتت تخشى أن يُفضي أي استهداف أمني إلى تهديد وجودها أو إضعاف حقوقها وعلاقاتها الرسمية.
ومن المتوقع أن تتصاعد حدّة هذا المناخ في المرحلة القادمة، مع وصول التيارات اليمينية إلى مستويات نفوذ أعلى داخل المشهد السياسي والأمني. وستستغل الشخصيات والجماعات المناهضة للإسلام السياسي داخل الجالية، والمرتبطة أحيانا بعلاقات وثيقة أو مشبوهة مع الأجهزة الأمنية، هذا الوضع لتكثيف خطابها القائم على عزل الأصوات المعارضة للسياسات الأمريكية، سواء في ما يتعلق بالحقوق المدنية للمسلمين داخل البلاد أو بمواقف واشنطن تجاه الشرق الأوسط، ولا سيما القضية الفلسطينية والقضايا التحررية الأخرى.
كما أن هذا الوضع قد يؤدي إلى شيطنة أي صوت يتخذ موقفا داعما لحركات معارضة في دول تخضع لأنظمة ديكتاتورية أو شمولية تسعى جاهدة لتجريم الإسلام السياسي، أو حتى لتقديم الإسلام ذاته كتهديد وجودي. وفي ظل هذا المناخ المتوتر وصعود اليمين، سيجد الكثير من المسلمين أنفسهم في بيئة أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للضغط والمراقبة، وأقل قدرة على التعبير والمشاركة في المجال العام دون خوف.
وبهذا، فإن القرار مرشح لأن يوسّع الهوّة بين الجاليات المسلمة والمؤسسات الأمنية، وأن يرسخ حالة من الريبة وانعدام الثقة، ما من شأنه أن يُضعف مشاركة المسلمين المدنية والسياسية، ويعزز الشعور بأنهم مستهدفون كمجموعة وليس كأفراد منفصلين.
إلى أي مدى يمكن أن يؤدي هذا التصنيف إلى تعميق الانقسام داخل المجتمع الأمريكي نفسه، بين تيار يرى في ذلك ضرورة للأمن القومي، وتيار آخر يراه استهدافا للحريات الدينية والمدنية ومبادئ الدستور؟
من المؤكد أن هذا القرار سيُعمّق الانقسام داخل المجتمع الأمريكي؛ إذ ستراه فئات واسعة ضمن إطار "حماية الأمن القومي"، بينما ستعتبره فئات أخرى اعتداءً مباشرا على الحريات الدينية والمدنية، وتجاوزا لروح الدستور الأمريكي. ومع ذلك، قد لا ينعكس القرار مباشرة على اليمين المناهض للنفوذ الصهيوني، لأنه سيُقدّم في الخطاب الرسمي باعتباره يستهدف منظمات أجنبية، لا مؤسسات تعمل داخل الولايات المتحدة.
لكن التأثير الأخطر يكمن في المناخ العام، الذي سيتجه على الأرجح نحو عداء أكبر تجاه الإسلام والمسلمين. فاليمين الأمريكي - ومعه تيارات واسعة تعارض السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط - بات ينظر بعين الريبة إلى الدور المتنامي للوبي الصهيوني، ويرى أنه يُستخدم لدفع واشنطن نحو مزيد من الصراعات في المنطقة وتغذية الخطاب العدائي ضد الإسلام داخليا. ومن هذا المنظور، سيُقرأ القرار باعتباره أداة سياسية وليست خطوة أمنية، هدفها صرف الأنظار عن جرائم الاحتلال في غزة وتحجيم النقاش حول الدور الإسرائيلي في السياسة الخارجية الأمريكية.
وعليه، من المتوقع أن يولّد القرار حالة وعي نقدي متزايدة داخل اليمين الأمريكي وبين الناشطين المدنيين، الذين سيعتبرون أن ما يجري لا يمت بصلة إلى الأمن القومي، بل يخدم أجندات سياسية مرتبطة باللوبي الصهيوني، وهذا سيؤدي إلى تعميق الشرخ الداخلي بين مَن يبرّر تقييد الحريات باسم الأمن، ومَن يتمسكون بمبادئ الدستور والحقوق المدنية ويرون في السلوك الأمني محاولة لتوظيف الخوف لخدمة مصالح سياسية.
هناك شريحة كبيرة داخل الولايات المتحدة، من اليسار واليمين معا، ترى أن هذا النوع من التصنيف السياسي - الذي لا يرتبط باستهداف أمن المواطنين ولا يمسّ الأمن القومي الأمريكي - يُمثّل اعتداءً مباشرا على الحريات الدينية والمدنية، ويتعارض مع الحقوق الدستورية الممنوحة للمواطن الأمريكي.
وبالتالي، سيكون لهذا التوجّه تأثير سلبي كبير على البيئة الحقوقية والسياسية داخل البلاد.
كيف ستنعكس هذه الخطوة على سياسات الولايات المتحدة تجاه قضايا الشرق الأوسط، وخاصة ملفات الديمقراطية والحقوق السياسية في المنطقة؟
سيترتب على هذا القرار تأثيرات سلبية واسعة على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، خصوصا فيما يتعلق بعلاقات واشنطن مع القوى السياسية ذات الخلفية الإسلامية؛ فمن المتوقع أن تتعقد قدرة الولايات المتحدة - أو الجهات التي تمثلها في المنطقة - على إجراء أي حوارات أو لقاءات مع الأطراف المحسوبة على التيار الإسلامي السياسي، إلا بعد موافقات عالية المستوى، وهو ما سيُدخل هذه العلاقات في مسار شديد الحساسية ومُحاط بقيود أمنية وإدارية معقدة، وهذا يعيد تشكيل شبكة العلاقات الدبلوماسية الأمريكية في المنطقة بصورة غير مسبوقة.
وسينعكس ذلك مباشرة على ملفات الديمقراطية والحقوق المدنية والسياسية، لأن إدارة مثل إدارة ترامب لا تُولي هذه القضايا أي اهتمام فعلي، ولا تراها جزءا من أولوياتها، بل إن سياستها تميل - على العكس - إلى دعم الأنظمة والتيارات التي تنتهك الحقوق الدستورية والمدنية وحقوق الإنسان، ما دامت هذه الأنظمة تنسجم مع التوجهات الأمريكية في ملفات الأمن والتحالفات الإقليمية.
وعلى المستوى الأمني والاستخباراتي، ستتوسع دائرة الاستهداف للتيارات الإسلامية السياسية، مع ترجيح فرض قيود مشددة على التأشيرات، والاجتماعات، والاتصالات الرسمية، وحتى العلاقات الدبلوماسية أو الاستخباراتية مع القوى التي يُنظر إليها على أنها قريبة فكريا من التيار الإخواني، وهذا سيعيد تشكيل خريطة التواصل الأمريكي مع الفاعلين السياسيين في المنطقة، ويستبعد قوى لها حضور شعبي واسع، ما سيؤدي إلى مقاربة أمريكية أقل شمولية وأكثر انحيازا لطرف واحد.
وبذلك، فإن الخطوة لا تقتصر تأثيراتها على الجانب الأمني فحسب، بل تمتد إلى إضعاف الدور الأمريكي في دعم التحول الديمقراطي، وتعميق الانحياز إلى أنظمة الاستبداد في المنطقة، وتقليص قدرة واشنطن على التواصل مع طيف واسع من القوى السياسية التي تمثل شريحة معتبرة من المجتمعات العربية والإسلامية.
أيضا كيف سينعكس القرار على علاقات الولايات المتحدة مع الدول التي تحتوي تيارات سياسية ذات خلفيات إخوانية أو إسلامية معتدلة؟
سيُحدث هذا القرار تعقيدا كبيرا في علاقة الولايات المتحدة مع الدول التي تضم تيارات سياسية إسلامية معتدلة أو ذات امتداد فكري قريب من الإخوان المسلمين؛ فهذه الحركات- خصوصا في تونس والمغرب والأردن وتركيا - لا تتبنى نهج العنف، ولم تدعُ إلى استخدام السلاح داخل مجتمعاتها أو خارجها، ما يجعل إدراجها في قوائم الإرهاب خطوة يصعب تبريرها قانونيا أو واقعيا. ولذلك، فإن أي محاولة لتصنيفها ستكون سياسية الطابع أكثر منها إجراءً أمنيا، وهدفها عزل هذه التيارات داخليا وخارجيا، وليس مواجهتها باعتبارها تهديدا أمنيا حقيقيا.
أما الاستناد إلى مواقف هذه التيارات المؤيدة للمقاومة الفلسطينية أو لحركة حماس باعتبارها حركة مقاومة تستخدم السلاح ضد الاحتلال، فهو مبرر ضعيف؛ إذ إن الدعم السياسي للمقاومة موقف تشاركه العديد من الحركات حول العالم، سواء كانت إخوانية أو غير إخوانية. وبالتالي، لا يمكن لهذا الموقف أن يُشكّل أساسا قانونيا لتصنيف تلك التيارات كمنظمات إرهابية، لأن القانون يشترط قيام الحركة نفسها بعمل إرهابي أو عنفي، أو استخدامها السلاح ضد مجتمعاتها أو ضد مصالح الولايات المتحدة، وهو شرط لا ينطبق على التيارات الإسلامية المعتدلة في دول مثل الأردن أو تونس أو المغرب أو تركيا.
أما في لبنان، فالحالة مختلفة نسبيا بسبب وجود فصيل مسلح ضمن "الجماعة الإسلامية"، وهو فصيل مرتبط بالمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ورغم إمكانية محاولة استخدام هذا الواقع كتبرير نظري، إلا أنه لا يختلف كثيرا عن مواقف حركات مقاومة أخرى كحزب الله، وحماس، والحوثيين، التي تواجه إسرائيل مباشرة. وبالتالي، يبقى التوصيف محكوما بالسياق السياسي أكثر من كونه توصيفا أمنيا محضا.
وعليه، فإن تصنيف الحركات الإخوانية غير المسلحة في المنطقة لا يستند إلى معطيات ميدانية، بل هو قرار سياسي بامتياز، يُراد به إعادة تشكيل الخريطة السياسية في الشرق الأوسط بما يتوافق مع مصالح أطراف إقليمية ودولية، وليس بناءً على معايير الأمن القومي أو الوقائع على الأرض.
