لم يكد ينطلق أحد المواقع الالكترونية "الساخرة"، حتى أغلق، بل وحظر رسميا نشر أية مادة إعلامية فيه.
فقد تعرض موقع "آرام" والقائمون عليه لحملة غير مسبوقة من إعلاميين ونشطاء محليين، دفعت بوزارة الإعلام إلى حظره، بعد نشره لمواد اعتبرت خارجة عن الأدب والأعراف الإعلامية، بل وتتنافى مع الحالة العامة السائدة مجتمعيا.
ونشر الموقع خلال ساعاته المعدودة التي عاشها في الفضاء الالكتروني الواسع عدة مواد مكتوبة ومصورة، إدعى أنها "ساخرة من الواقع وناقدة للحياة السياسية والاجتماعية", إلا أن المراقبين رأوا فيها موادا خارجة عن المقبول، وتحاول أن تروج لمفاهيم ومصطلحات غير مقبولة إجتماعيا، فضغطوا تجاه إغلاق الموقع ونجحوا في ذلك.
وتعرض معظم المواد المنشورة تقريبا لهجوم عنيف، خاصة أن الموقع استخدم عناوين "فاقعة"، أعادات إلى الأذهان مجلات وصحف كانت متداولة قبل عدة سنوات كانت تسير على النهج ذاته، وأفل نجمها سريعا.
عريضة للوزارة والنقابة
ووجه نحو 150 صحفيا عاملا في فلسطين رسالة لوكيل وزارة الإعلام ونقيب الصحفيين، طالبوا فيها بـ"فتح تحقيق فوري للوقوف على ما تم نشره وتداوله من مواد عبر موقع وكالة "آرام" بحق النسيج الفلسطيني عن طريق نشر تقارير أساءت لعدة شرائح للمجتمع وبعيدة عن أصول وقواعد المهنة" على حد تعبيرهم.
كما دعوا في العريضة -التي حصل مراسل "فلسطين الآن" على نسخة منها- الجهات المختصة "لمساءلة القائمين على الموقع قانونيا ًعن الأخبار المنشورة من إساءة للجامعات الفلسطينية والتجار، إلى جانب نشر مواد عنصرية بحق أهلنا في الداخل الفلسطيني ومدينة القدس وغيرها من المواد، ولأخذ اجراءات عقابية صارمة رادعة لأي وكالة أو صحافي تخول له نفسه نشر أي مواد خارجة عن إطار المهنية وتقاليد المجتمع".
فقد حمل الصحفيون والناشطون على تقرير تناول واقع الفتيات في الجامعات الفلسطينية، جاء تحت عنوان "ارتفاع نسبة ممارسة السحاق بين الطالبات وخاصة بالسكنات في بعض الجامعات الفلسطينية""، وأخر استخدم كلمات عامية تحمل دلالات جنسية مثل "والله طلعت فحل بالسياسة وعلى الفراش كمان يا بيبي… سارة راضية عن نتنياهو عاطفيا وجنسيا".
ومن العناوين الصارخة أيضا كان "في فلسطين.. حتى غشاء البكارة صيني ورخيص!!!".. "تجار فلسطينيون يمارسون -الدعارة الحلال- في الأردن", "غالبية النساء اللواتي يقبلن على خيانة أزواجهن، ليس لديهن إشباع جنسي وعاطفي من أزواجهن"..
استقالة واعتذار
هذا الموقع دفع بالصحفية الناشئة وفاء عاروري إلى الاعتذار عن عملها مع الوكالة، حيث نشرت على صفحتها رسالة جاء فيها: "بناء على ما صدر عن وكالة آرام الإخبارية من مواضيع "مسيئة" سواء كان بقصد أو دون قصد، التي أدت إلى إحداث بلبلة بين الناس عموما والزملاء الصحفيين خصوصا.. اعلن استقالتي من الوكالة مع الاعتذار لكافة الزملاء في المهنة، مؤكدة "على أنه ليس لي علاقة إطلاقا بكافة المواد المسيئة التي تم طرحها".
وأشارت عاروري إلى أنها تقدمت لهذه الوظيفة كغيرها من المتقدمين "وتشجعت لفكرة الموقع "ناقد وساخر" وإعلام حر مهني بديل، وهو ما يتناسب مع قناعتي بضرورة خلق نوع جديد من الإعلام الفلسطيني، بعيدا عن كل الانتماءات الحزبية والفصائلية، لعل وعسى قادنا إلى التغيير والمضي بمجتمعنا لمرحلة أفضل، ولكن ما تم طرحه بكل تأكيد يتنافى مع قناعاتي الشخصية من ناحية ويبتعد كل البعد عن السياسة الإعلامية المهنية من ناحية أخرى..
"ما هي السخرية"؟؟
هذا الأمر لم يرق كثيرا لبعض الإعلاميين، حيث علق الإذاعي المعروف إيهاب الجريري على ما نشرته الوكالة وردود الأفعال التي تبعت ذلك بقوله "إنه لا يحق لأحد منع أي كان من نشر أي شيء مهما كان، طالما لا يوجد قذف وتشهير وكذب، ولكن الموقع المذكور مارس بشكل أو بآخر القذف والتشهير والكذب".
ولفت إلى أن الموقع لم يدرك حقيقة ما هي "السخرية" المطلوبة التي تعني تقديم الفكرة أو النقد أو الخبر بطريقة فكاهية فيها مفارقات للحالة أو تشبيها لها أو مقارنة بغيرها أو حلما بأفضل منها، سياسيا، اقتصاديا، اجتماعياً. وفي العادة، فإن السخرية أو الكوميديا في أحيان أخرى تحمل في طياتها رسالة قيمة، وفكرة وموقف.
وتابع "إن كل المحاولات الفاشلة، التي خاضها كثر، وهو حق لهم بالمناسبة، استندت إلى موقف مسبق من الإعلانم الفلسطيني، باعتبار الإعلام الفلسطيني غير مهني وغير مستقل وربما غير وطني، لنتفاجأ بأن ما تمخضت عنه محاولاتهم أدنى حتى من أن يطلق عليه بأنه إعلام".
وطالب الجريري بالبحث في الجذور، مؤكدا أن "التشويه الذي يتعرض له الإعلام المحلي يبدأ من التعليم، ببعض مدرسي الإعلام ممن يعتقدون بأنهم أفضل من الإعلام المحلي، وهؤلاء يغذون طلبة الإعلام بأن الإعلام المحلي غير مهني وغير مستقل، في حين أن عددا كبير من وسائل الإعلام المحلية تتحلى بمهنية واستقلالية أكثر من العديد من الجامعات التي تدرس الإعلام".
هناك ما هو أخطر
أما عضو نقابة الصحفيين عمر نزال فذهب أبعد من ما تنشره الوكالة إلى الحديث "عما تشكله بعض المواقع ووسائل الإعلام من خطر على ثقافة شعبنا، إذ أنها تروج للتطبيع والعلاقة مع الاحتلال مباشرة أو بطرق ملتوية، وثانية تنشر اخبار واعلانات للاحتلال ومؤسساته، وثالثة تروج لثقافة الفساد والافساد، ورابعة تنبري لتلميع الفاسدين وإظهارهم أبطال وقادة".
وتابع "أقدر حرص وحرقة الزملاء المنبرين لمجابهة الموقع وما احتواه، ولكن تعالوا نوسع دائرة مجابهتنا لتشمل المواقع والوسائل الأكثر خطرا على ثقافتنا، ودعونا نبدأ من خانة انه يحق للصحفي إبداء الرأي والانتقاد وإعلاء صوته كيفما كان، ولكن لا يجوز له المطالبة باغلاق أي وسيلة إعلام، فهو بهذا يعارض ما يسعى إليه من حرية الرأي والتعبير، حتى وإن كان هذا الرأي يخالفه تماماً، وما تراه انت خارجا عن السياق يراه غيرك مقبولا، وما تراه أنت وربما تمارسه من عمل صحفي يراه غيرك ضاراً وهداماً".
وأضاف "مثلما لا تقبل أن يطالب أحد بقمع حريتك أو التضييق على عملك، فعليك أن لا تكون قامعا لحرية غيرك. اعرف أن ما أكتبه قد لا يعجب كثيرين، ولكن فكروا فيه بترو قبل أن تعلقوا..".