عمدت السلطة الفلسطينية لاستغلال طلب مئات الموظفين إحالتهم إلى التقاعد المبكر، إلى التخلص من بعض معارضيها أو ممكن قادوا حراكات نقابية ضد الحكومة خلال السنوات الماضية، عبر "التقاعد القسري".
هذا الإجراء رأى فيه مختصون وقانونيون انتهاكًا تعسفيًا في استعمال السلطة، "ومحاولة لإسكات الصوت الحر الذي يجب أن يكون فاعلًا على الساحة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال، وقطع لأرزاق الناس الذين يقفون مدافعين عن الوطن والقيم الوطنية".
الحالة الأبرز كانت للمعلم صامد صنوبر 30 عاماً من بلدة يتما جنوب نابلس، الذي فوجئ بحصوله على كتاب إحالته إلى التقاعد المبكر، رغم عدم تقديمه طلب بهذا الخصوص.
"فلسطين الآن" حاورت صنوبر الذي أكد أنه لم يتقدم في أي ظرف أو وقت من الأوقات بطلب التقاعد المبكر من وزارة التربية والتعليم، مؤكدا أن القرار جاء على خلفية نشاطه كناطق باسم حراك المعلمين الموحد قبل عامين.
القرار لم يسلم للمعلم، بل وصل إلى مكتب مديرية تربية جنوب نابلس، التي رفضت التعليق عليه، وسلمت نسخة منه لصنوبر، الذي لم يمض على توظيفه في سلك التعليم سوى 6 سنوات.
ويعلق الرجل بسخرية قائلا "أنا الآن أصغر متقاعد في التاريخ"، وبلهجته البسيطة تابع "عملوا فيي هيك لأنك قلت لهم لا، يوم حراك المعلمين لما أضربنا عن العمل حتى نحصل على حقوقنا".
واعتبر صنوبر هذا القرار وسام على صدره ويفتخر به على مر الأزمان، " لأنه يأتي نتيجة موقف حر اتخذته ودفعت ثمنه وهو الدفاع عن زملائي المعلمين، وحقهم في العيش بكرامة".
أما المعلم أمين خليل الصوص، فأكد هو الأخر أنه لم يتقدم بطلب التقاعد للوزارة، "لأنني لا زلت في أوج عطائي، كما أنه لا يشملني التقاعد لأنني عملت لمدة 16 عامًا فقط"، مرجحا أن يكون دوره في حراك المعلمين 2016 هو السبب.
وأشار الصوص، إلى أنّه الوحيد في منطقة جنوب الضفة الذي أحيل إلى التقاعد الإجباري، ولفت إلى أنّه عند انتهاء إضراب المعلمين عام 2016، كان بناءً على قرار من الرئيس محمود عباس، ووعودات بعدم المسّ بأي معلم أو تقديمه إجراءات عقابية بحق المعلمين المضربين".
وأضاف، بحسب القرارات الموزعة على المعلمين المحالين للتقاعد، فان قرار الحكومة جاء وفقاً لقانونٍ جديد في العام 2017، متابعًا "عادةً يتم التبليغ مسبقاً بقرار التقاعد أو مجمل القرارات الحكومية، لكن الموضوع كان مفاجئًا هذه المرة".
وأوضح أن المعلمين المحالون للتقاعد سيلجأون إلى المؤسسات الحقوقية وقانون المظالم والطرق القانونية.
لجان فنية
وزارة التربية والتعليم العالي ادعت أن الإحالة للتقاعد المبكر لبعض الموظفين تمت بموجب توصيات صادرة عن لجان متخصصة من الوزارة والمديريات، و عكفت على مدار الشهور الستة الماضية على دراسة كافة الحالات سواء تلك التي تقدمت، بطلبات خطية أو أحيلت إليها لأسباب فنية بحتة من المديريات.
وأكدت الوزارة أن الحديث عن إحالة البعض للتقاعد المبكر نتيجة نشاط نقابي، هو حديث لا أساس له من الصحة، بدليل أن معظم من قاموا على إضراب المعلمين عام 2016 ظلّوا على رأس عملهم".
وتابعت "ولو كانت الوزارة تتعامل مع موضوع التقاعد المبكر كوسيلة لإقصاء نشطاء هنا أو هناك لبادرت لذلك منذ اليوم الأول لإنفاذ القرار بقانون قبل ستة شهور، لكنها تعاملت مع الموضوع من خلال لجان متخصصة أخذت وقتها الكافي في دراسة كل التفاصيل المرتبطة بتقاعد من شملهم القرار".
انتهاك صارخ
حالة غضب إزاء القرارات الحكومية الأخيرة، فقد عقب رئيس تجمع الشخصيات المستقلة بالضفة الغربية خليل عسّاف على ذلك باعتباره انتهاكًا تعسفيًا في استعمال السلطة، و"محاولة لإسكات الصوت الحر الذي يجب أن يكون فاعلًا على الساحة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال، وقطعا لأرزاق الناس الذين يقفون مدافعين عن الوطن والقيم الوطنية".
وأضاف عساف "هذه الخطوة ستبقى عارًا في تاريخ من قام بها"، معتبرًا إياها "إفسادًا متعمدًا للمسيرة التعليمية المعول عليها لتقودنا نحو التحرر من الاحتلال".
وذكر أن "الجميع يترقب موقف اتحاد المعلمين الذي من خلاله سيحدد إذا كان فعليًا يمثل المعلمين، أم أنها مؤسسة مخطوفة تعمل لصالح جهات معينة ضد المعلمين".
وأكد ضرورة التوجه للقضاء لإجبار الحكومة على إعادتهم على رأس عملهم حتى لو تطلب ذلك إضرابًا شاملًا في كافة مدارس الضفة.
