طاول التحريض الإسرائيلي المسلسل الفلسطيني "نزيف التراب" الذي بث الجزء الثاني منه عبر قناة العربي 2 خلال شهر رمضان، بادعاء أنه يحث على أسر جنود إسرائيليين ومبادلتهم بأسرى فلسطينيين، على غرار ما جرى خلال عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023. ولم يخف أعضاء فريق العمل خشيتهم من ترجمة ذلك التحريض الذي قادته القناة 14 العبرية الناطقة بلسان اليمين الإسرائيلي المتطرف بتعرضهم للملاحقة والاعتقال، لكنهم في المقابل يؤكدون أن العمل كان واقعياً ويلامس هموم الفلسطينيين وينقل معاناتهم، و"هذه هي رسالة الدراما دوماً؛ أن تنقل الواقع دون تزييف".
وتدور أحداث المسلسل في قرية تل الصبر الافتراضية، لكن معظم مشاهده صورت في البلدة القديمة لمدينة نابلس ومخيمي بلاطة وجنين، إلى جانب عدد من قرى الضفة الغربية، حيث ركز على "احتضان" الفلسطينيين للمقاومة المسلحة، مثل كتيبتي جنين ونابلس، وهروب أسرى من السجون الإسرائيلية ومطاردتهم من قوات الاحتلال الإسرائيلية.
ويؤكد كاتب العمل الفنان أسامة ملحس أن الدراما هي مرآة تعكس الواقع، لكن مع إعادة صياغتها وفق متطلبات العمل، و"لا يشذ نزيف التراب عن هذه القاعدة، وهذا ما جعله ينال متابعة كبيرة من الجمهور الفلسطيني خاصة، والعربي عامة". ويتابع: "لو كان يتحدث عن قضايا بعيدة عن واقعنا لما وصل إلى هذا المستوى من المتابعة والتعليق. نحن لسنا في فسحة من أمرنا لنتطرق إلى قضايا ثانوية أو ترفيهية أو ملفات لا تهم مجتمعنا، رغم أننا مجتمع تجد به كغيره ملفات كثيرة بحاجة إلى علاج ومتابعة".
وحول ما يتعرض المسلسل من انتقادات من الاحتلال بزعم "تحريضه على الإرهاب ومعاداة اليهود"، يرى ملحس أن "هذا ليس غريباً على الاحتلال الذي لا يتوانى عن ارتكاب جرائمه بحق الكل الفلسطيني ويسمح لإعلامه ومسؤوليه بالتحريض على الفلسطينيين، ويغض الطرف عن أفعال مستوطنيه، لذلك فنحن نتوقع دوماً الأسوأ منه"، موضحاً: "ننفي تماماً أن مسلسلنا يحمل فكرة التحريض أو يعزز الكراهية، لكنه ينقل واقعاً نعيشه ونلمسه، ولا يمكن لنا أن نخفيه أو نجامل فيه".
أما الممثلة نغم كيلاني فتقول: "في البداية اعتقدت أن الأمر بسيط ومجرد كلام في الهواء، لكن بدأت أتلمس خطورته، وانعكاسه على محيطي، فقبل أيام اقتحم جيش الاحتلال المنطقة التي أقطن بها في مدينة نابلس فدب الرعب في قلوب أفراد عائلتي خشية من اعتقالي، ولم يناموا طيلة الليل حتى انسحب الجنود". وتضيف: "حتى البعض بدأ يطلب مني حذف المحادثات المتبادلة بيننا حتى لا يقرأها الاحتلال حال تعرضت للاعتقال". لكنها تؤكد أن "ما قامت به هي وبقية الممثلين لا يحمل أي فكرة تحريضية، بل يتناول قضايا واقعية يعيشها الفلسطينيون يومياً في حياتهم".
بدوره، يؤكد الممثل عدنان بوبلي أنه استشعر الخطر ويفكر به جدياً، مشيراً إلى مخاوف من أن يُعتقل أو يُمنع من السفر، مضيفاً: "كوني ناشطاً على الساحة الثقافية منذ سنوات طويلة، أؤمن بضرورة مقاومة الاحتلال بالأدوات الفنية والطرق السلمية، لذلك منذ بدأت هذه الطريق وأنا متوقع أن يسعى الاحتلال لتدفيعي الثمن، وأنا جاهز، فهذا الشعب يدفع ضريبة التحرر منذ عقود"، مضيفاً: "العمل لا شك أحدث ضجة كبيرة، وترك أثراً وبات له متابعون، وبالتالي نعتقد أن الرسالة وصلت".
يقول المختص في الشؤون العبرية، فراس ياغي: "إن اليمين الإسرائيلي يتابع كل كبيرة وصغيرة تتعلق بالفلسطينيين، ويرصد كل فعل له علاقة بمقاومة الاحتلال، بدءاً من المنشورات على منصات التواصل الاجتماعي إلى الأعمال الفنية والدرامية والافلام وغيرها، وربطها بالسابع من أكتوبر وتداعياته، خاصةً أن مسلسل نزيف التراب يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن السبيل الوحيد لتحرير الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال الإسرائيلي هو بوجود أسرى من العدو لدى المقاومة". كما يرى ياغي أن "هذا تجسيد واقعي، لكن اليمين الإسرائيلي يعتبر هذا الواقع تحريضاً على الخطف ودعوة لتكرار الفعل".
ويوضح ياغي أن "تحريض القناة 14 العبرية ليس غريباً، فهي صوت المتطرفين في دولة الاحتلال، وتروج لفكرة إنهاء وجود السلطة الفلسطينية، وبالتالي التقطت مشاهد استخدام الممثلين لآليات ومقرات السلطة لتحولها إلى مادة دسمة للتحريض ضدها، لأنها بزعمهم تدعم الارهاب، وتقر بتلك الأفعال، أي مقاومة الاحتلال وأخذ أسرى". كذلك، يلفت أن التحريض على "نزيف التراب" لا يقتصر على الفكرة، بل يطاول الأفراد، وهم كل طاقم العمل وليس فقط الممثلين.
ويقول ياغي: "هذه إشارة ودعوة للمسّ بهم، وملاحقتهم واعتقالهم ومحاكمتهم، أو لتوفير غطاء للاعتداء عليهم كما جرى مع مخرج فيلم لا أرض أخرى"، مضيفاً: "هذه أفعال عصابات تملك خيوطاً ممتدة داخل المنظومة الأمنية والسياسية في الكيان".
وكانت القناة 14 العبرية قد شنت هجوماً على مسلسل "نزيف التراب"، متهمةً إياه بـ"التحريض على المقاومة وتمجيد المقاومين"، معتبرةً أنه "يروج لفكرة خطف الإسرائيليين". كما زعمت القناة أن المسلسل مستوحى من ظاهرة كتائب المقاومة في جنين وطولكرم، مشيرةً إلى أن بعض ممثليه "مخربون" من الضفة الغربية، وفق زعمها. واتهم التقرير أيضاً الأجهزة الأمنية الفلسطينية بالمشاركة في إنتاج المسلسل، عبر توفير مركبات الشرطة والسماح بالتصوير في سجن الجنيد بمدينة نابلس. وواصل التقرير تحريضه بالقول إن "العمل يشجع على خطف الجنود، ويقدم نموذجاً درامياً يعزز فكرة تبادل الأسرى"، مشيراً إلى أن المسلسل صوّر في الضفة الغربية، وتم بثه عبر قناة "العربي".