في قراءة تجمع بين فضيحة جيفري إبستين وما تسميه “البنية الأخلاقية” للنخب الغربية، اعتبرت الكاتبة التونسية وخبيرة شؤون الشرق الأوسط سمية الغنوشي أن الوثائق المتعلقة بالقضية لا تبدو “فضيحة” بالمعنى الإعلامي المتعارف عليه، بقدر ما تكشف عن سجل قانوني موثق يحوّل انتهاك القاصرين إلى “إجراءات” وملفات وتسويات، تدار داخل منظومة نفوذ لا تعرف حدودا للمساءلة.
وفي مقال نشرته الغنوشي على موقع “ميدل إيست آي”، ربطت بين ما تصفه بـ”الوحشية المنظمة” التي مارستها النخب نفسها خارج حدودها في حروب وعقوبات وتعذيب، وبين قدرة هذه الطبقة على ممارسة العنف والاستغلال في الداخل أيضا، مشيرة إلى أن الحد الفاصل بين “الأخلاق الداخلية” و”الوحشية الخارجية” لم يكن سوى وهم طويل الأمد غذته المسافة والعنصرية والسرديات المهيمنة.
ملفات إبستين: “سجل قانوني” لا “فضيحة”
ترى الغنوشي أن ما يعرف بـ”ملفات إبستين” يكشف منظومة لا تتعامل مع الاعتداء على القاصرين كخرق طارئ، بل كعملية “مُدارة”، حيث جرى استقطاب الفتيات عبر هشاشتهن وفقرهن، ثم نقلهن ودفع المال لهن وإسكاتهن، بينما تولى المحامون تقييم المخاطر، وأدارت المؤسسات سمعتها، وبقيت المكانة محفوظة.
وتقول إن الضرر لم يُنكر، بل تم تحويله إلى ممارسة روتينية، تُختزل فيها تجربة الإنسان إلى مواد قضية تُصنّف وتُفهرس وتُقارن، منزوعا عنها أي إلحاح أخلاقي.
تستحضر الغنوشي شهادات عدد من الناجيات، ومن بينهن فيرجينيا جوفري التي قالت إنها استخدمت ثم جرى “تمريرها” إلى رجال آخرين، إضافة إلى ماريا فارمر التي نقلت أنها أدركت سريعا أنها لا تعني شيئا داخل هذه المنظومة، وأن وجودها اقتصر على خدمة شهوات أشخاص لن يواجهوا أي تبعات.
وتؤكد الغنوشي أن هذه الشهادات ليست استعارات، بل توصيفات إجرائية لكيفية تعامل السلطة مع من لا يملك القوة.
وفق المقال، فإن فظاعة الوقائع لا يجب أن تفاجئ المجتمعات الغربية، لأن النخب التي تدير هذه المنظومة ـ بحسب الغنوشي ـ “اعتادت ممارسة القتل في الخارج”، وبالتالي لا يمكن توقع التزامها بحدود أخلاقية صارمة في الداخل.
من العراق إلى أبو غريب
وتربط الغنوشي بين القضية وبين سجل حافل من العنف الخارجي، مشيرة إلى أن الأدلة لم تكن مخفية بل بثت لعقود على الشاشات، بدءا من العراق حيث أسهمت العقوبات والحروب في وفاة مئات الآلاف من الأطفال، وهي حصيلة تقول إن الغرب اعترف بها ثم بررها باعتبارها “ثمنا للسياسات”.
كما تتوقف عند فضيحة سجن أبو غريب، حيث جرى تجريد المعتقلين من ملابسهم، وتعرضوا لانتهاكات جنسية وإذلال ممنهج، وتم توثيق ذلك بالصور، قبل أن تتحول الفضيحة إلى حدث عابر “تم امتصاصه بهدوء”، على حد وصفها.
وترى الغنوشي أن العنف جرى تقديمه دائما بوصفه استثناء يقع في صحارى بعيدة ومدن محتلة، وعلى أجساد “سجناء بلا أسماء”، ولم يقرأ باعتباره انكشافا أخلاقيا، بل كزيادة تشغيلية مؤسفة مورست في الخارج.
وتخلص إلى أن الحقيقة التي طال تجاهلها هي وجود نخبة مستعدة لتجويع الشعوب وتسوية المدن وممارسة التعذيب الجنسي في الخارج، ولا تجد حرجا في ممارسة الوحشية ضد من تعتبرهم أدنى شأنا في الداخل.
غزة: الوجه العام للنظام ذاته
وتقول الغنوشي إن تدمير غزة على يد هذه النخبة ليس شذوذا أخلاقيا، بل ينتمي إلى البنية ذاتها التي صنعت إبستين: التسلسل الهرمي لقيمة الإنسان، والافتراض بأن بعض الأرواح “إنسانية بالكامل” فيما تعد أرواح أخرى قابلة للتضحية.
وتقارن بين أطفال “استغلوا في جزيرة خاصة في البحر الكاريبي”، وأطفال “دفنوا تحت الركام في غزة”، معتبرة أن منطق الاستحقاق والإفلات من العقاب هو ذاته، سواء في فلوريدا أو في غزة.
بحسب الغنوشي، يتحرك الجناة في هذه المنظومة بدافع شعور راسخ بالاستحقاق والحصانة، وباعتقاد أنهم يمتلكون الحق في تقرير مصير الآخرين وممارسة الوحشية ضدهم إذا شاؤوا.
وتضيف أن هذه الطبقة نفسها تهيمن اليوم على رأس المال العالمي: من أوليغارشيي التكنولوجيا والممولين وتجار الحروب، الذين يستنزفون الثروة في الداخل ويحققون الأرباح من الدمار في الخارج.
باراك في دائرة إبستين
وتتوقف الغنوشي عند ما وصفته بتقاطع عالم إبستين مع عالم الاستخبارات والتكنولوجيا العسكرية، مشيرة إلى أن من بين الشخصيات التي تنقلت داخل عالمه كان رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي السابق إيهود باراك، الذي التقى إبستين مرارا بين عامي 2013 و2017، وأقام في مقر إقامته بنيويورك في أكثر من مناسبة.
وتقول إن مراسلات أُبلغ عنها أفادت بأن إبستين نصح باراك بـ”إلقاء نظرة على شركة، معتبرة أن هذه الإشارة تكشف أن عالم إبستين لم يكن مجرد مساحة للترف، بل مفترق طرق التقت فيه نزوات النخبة مع منطق الاستخبارات وتكنولوجيا الحرب.
وتصف الغنوشي شركة "Palantir" بأنها نموذج لهذه البنية الجديدة، إذ صممت أدواتها لخدمة دول المراقبة وساحات المعارك الحديثة، وتقول إن الشركة عمقت منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 شراكة وثيقة ومعلنة ذات طابع أيديولوجي مع الحكومة والجيش الإسرائيليين.
وتشير إلى إعلان الشركة في كانون الثاني/يناير 2024 اتفاقا استراتيجيا مع وزارة الحرب الإسرائيلية لدعم العمليات العسكرية الجارية، في وقت باتت منصاتها ـ “غوثام” و”فاوندري” ومنصة الذكاء الاصطناعي ـ تدمج الاستخبارات والخدمات اللوجستية والاستهداف ضمن ما تصفه العقيدة العسكرية الحديثة بـ”سلسلة القتل الرقمية”، حيث يتقلص الحكم البشري وتُؤتمت الترددات الأخلاقية ويتحول العنف إلى “سير عمل”.
من “الانحراف الخاص” إلى “الدمار العام”
وتذهب الغنوشي إلى أن التوافق بين التكنولوجيا والحرب ليس تقنيا فقط، بل أيديولوجيا، مشيرة إلى تصريحات الرئيس التنفيذي للشركة أليكس كارب الذي صور دعم الاحتلال الإسرائيلي علنا باعتباره “واجبا حضاريا”.
وتقول إن اللغة التي كانت تبرر الإساءة الخاصة وتحميها بذريعة الضرورة والإعفاء الأخلاقي، باتت اليوم تشرعن الدمار العام، لكن هذه المرة “مشفرّة داخل البرمجيات”.
وتلفت الغنوشي إلى أن العنف حين يغرس في البرمجيات والسياسات والأرباح، لا يعود بحاجة إلى تمويه، بل يمكن التصريح به علنا والتباهي به بوصفه مبدأ.
وتستشهد بما نسب إلى مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ستيفن ميلر من عبارة: “القوة تصنع الحق”، معتبرة أنها تمثل القاعدة الأخلاقية الحاكمة في غزة وفنزويلا أو خلف الأبواب المغلقة في فلوريدا.
إبستين كـ”حارس بوابة” للنخبة
وفي تحليلها لآلية النفوذ، ترى الغنوشي أن إبستين لم يكن يعرض المتعة وحدها، بل كان يقدم وعدا ضمنيا بأن النظام الأخلاقي السائد لا ينطبق على من يدخل دائرته.
وتضيف أن تجمعاته لم تكن مجرد حفلات، بل “اختبارات قبول”، وأن طائراته الخاصة وقصوره المعزولة أدت وظيفة “طقوس الانتماء” إلى عالم لا تنطبق فيه العواقب.
وتؤكد أن إبستين فهم أن المكانة بالنسبة للأقوياء أكثر إسكارا من المتعة، فحول الانغماس إلى طقس قبول، والإفراط إلى شرط تأهيل، ثم حوّل ذلك لاحقا إلى فخ دائم.
“غزة الوجه العام.. وإبستين الوجه الخاص”
وتختتم الغنوشي مقالتها بالقول إن المفارقة الفجة تكمن في أن هذه النخبة نفسها تقدم نفسها بوصفها المعيار العالمي للأخلاق والتنوير، وتحاكم غيرها وتصفه بالتخلف والعنف، ثم تحوّل تلك الأحكام إلى أدوات للهيمنة.
وترى أن غزة لم تكن انحرافا عن قيم هذه النخبة، بل ذروتها، وأن ملفات إبستين تكشف الوجه الخاص لهذا النظام، فيما تكشف غزة وجهه العام، ومعا يزيحان ـ وفق تعبيرها ـ آخر الأوهام حول “نخبة تلتهم الضعفاء بصمت في الداخل، وتدمرهم علناً في الخارج”.
وتخلص إلى أن ما جرى ليس فشلا في القيم، بل “نتيجتها المنطقية”.
