14.45°القدس
14.77°رام الله
13.3°الخليل
17.91°غزة
14.45° القدس
رام الله14.77°
الخليل13.3°
غزة17.91°
الأربعاء 11 فبراير 2026
4.21جنيه إسترليني
4.35دينار أردني
0.07جنيه مصري
3.67يورو
3.08دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.21
دينار أردني4.35
جنيه مصري0.07
يورو3.67
دولار أمريكي3.08

لجنة غزة: حين تُمنع الإدارة تُدار الفوضى

تأخر وصول اللجنة الوطنية المشكلة لإدارة قطاع غزة لاستلام مهام عملها، ليس تفصيلا إجرائيا ولا مسألة إدارية روتينية؛ بل هو قرار سياسي إسرائيلي مدروس، يندرج في سياق استمرار سياسة الأمر الواقع والذي تُدار فيه الأزمات وفق رؤية "إبقاء الرأس خارج المياه"، طمعا بما سيؤثره هذا الواقع على مستقبل القطاع. وعليه يبرز السؤال: من يدير غزة بعد الحرب؟

الاحتلال الإسرائيلي، الذي يدعي البحث عن "بديل إداري" لحركة حماس في غزة، هو ذاته الذي يعرقل عمليا أي صيغة فلسطينية قادرة على إدارة الشأن العام، حتى وإن كانت لجنة مهنية غير فصائلية. فوجود لجنة التكنوقراط على الأرض يعني نهاية سردية "غياب الإدارة"، وبداية مسار يعيد الاعتبار لإمكانية الحكم الفلسطيني، وما يفرضه من استحقاقات، وهو ما يتناقض جذريا مع أهداف الاحتلال الإسرائيلي، وفي مقدمتها إبقاء غزة مساحة منهكة، غير قابلة للحكم، ومفتوحة على الفوضى، لتحقيق حلم تهجير الفلسطينيين.

المنع الإسرائيلي لا يستهدف الأشخاص بقدر ما يستهدف الفكرة، فكرة وجود مرجعية إدارية وطنية تدير الإغاثة، وتنظم الخدمات، وتعيد ترتيب أمور المجتمع بعد عامين من الإبادة الجماعية والتجويع والتطهير العرقي

المنع الإسرائيلي لا يستهدف الأشخاص بقدر ما يستهدف الفكرة، فكرة وجود مرجعية إدارية وطنية تدير الإغاثة، وتنظم الخدمات، وتعيد ترتيب أمور المجتمع بعد عامين من الإبادة الجماعية والتجويع والتطهير العرقي. فالفوضى، من منظور الاحتلال الإسرائيلي، ليست نتيجة عرضية للحرب؛ بل أداة لإدامة السيطرة وتحقيق الأهداف، ورافعة لدفع السكان نحو خيارات قسرية، في مقدمتها التهجير أو القبول بإدارات مفروضة من الخارج.

تداعيات هذا المنع لا تتوقف عند البعد السياسي، بل تمتد إلى عمق المشهد الإنساني، فغياب إدارة مركزية فعّالة يفتح الباب أمام عدم وصول المساعدات الإنسانية المطلوبة كمّا ونوعا، فالاحتلال الإسرائيلي حتى اللحظة يتهرب من تنفيذ جزء كبير من الاستحقاقات المتفق عليها سواء في المرحلة الأولى أو الثانية، ويفتح المجال لإحداث تضارب في الأدوار بين المؤسسات لغياب الناظم، خاصة إذا تقاطع ذلك مع خطة تهميش الأونروا تمهيدا لإنهاء وجودها، ومساعي التضييق على أبرز المؤسسات الإغاثية والإنسانية الدولية، مما يفتح الباب واسعا أمام الاحتلال الإسرائيلي وعصاباته المسلحة لاستغلال الحاجة، وتحويل الإغاثة إلى مجال تنافس ونفوذ بدل أن تكون حقا منظما، كما يخلق فراغا أمنيا ومجتمعيا، وصراعات محلية على الموارد، وتعزيز تآكل الثقة بأي مشروع جامع.

الأخطر من ذلك أن تعطيل عمل اللجنة الوطنية يخدم، بشكل غير مباشر، مساعي تدويل إدارة غزة، لا من باب الحماية الدولية، بل من باب نزع القرار من أهله وتحويل الصراع لأزمة إنسانية، لا قضية حقوق وطنية. فحين يُمنع الفلسطيني من إدارة شؤونه، تُقدم الوصاية الخارجية بوصفها "الحل الوحيد"، في تجاهل متعمد لحق السكان في إدارة حياتهم ومستقبلهم.

المسؤولية لا تقع على الاحتلال وحده، فالنجاح في تمكين اللجنة يتطلب موقفا وطنيا موحدا، دون ازدواجية في الخطاب أو تنازع في الشرعيات، وغطاء شعبيا واضحا يحول وصول اللجنة إلى مطلب مجتمعي لا يمكن تجاوزه. كما يتطلب دورا عربيا فاعلا

تجاوز هذه العقبة التي يضعها الاحتلال الإسرائيلي لا يكون بالانتظار ولا بالصمت، بل بفرض رؤية سياسية وطنية وبصوت مسموع يصل للوسطاء والدول التي رعت الاتفاق، حيث يبدأ ذلك بتمسك اللجنة بحقها في الوصول لقطاع غزة، وإدارة الملفات من فوق أراضيه، وتحويل منع وصول اللجنة الإدارية إلى قضية قانونية دولية، باعتباره خرقا صريحا ووقحا لاتفاقيات جنيف التي تضمن حرية العمل الإنساني والإداري للسكان الواقعين تحت الاحتلال، وتجاوز خطير لما تم الاتفاق عليه.

لكن المسؤولية لا تقع على الاحتلال وحده، فالنجاح في تمكين اللجنة يتطلب موقفا وطنيا موحدا، دون ازدواجية في الخطاب أو تنازع في الشرعيات، وغطاء شعبيا واضحا يحول وصول اللجنة إلى مطلب مجتمعي لا يمكن تجاوزه. كما يتطلب دورا عربيا فاعلا، خصوصا من جمهورية مصر العربية، تحقق فيه إلزام الاحتلال الإسرائيلي لتسهيل الإغاثة وفتح المعابر، بوجود إدارة فلسطينية قادرة على الإشراف والتنسيق، بعيدا عن القنوات التي يسعى الاحتلال الإسرائيلي لفرضها كسياسة أمر واقع.

في المحصلة، إن منع اللجنة الإدارية من الوصول إلى غزة ليس سوى فصل جديد من معركة أعمق على هوية الحكم ومستقبل القطاع. فإما إدارة فلسطينية منظمة تعيد الاعتبار للإنسان وحقوقه، أو فوضى مقصودة تُستخدم جسرا لمشاريع سياسية لا تخدم إلا الاحتلال الإسرائيلي. وبين هذين الخيارين، يبقى الرهان الحقيقي على الإرادة الوطنية وقدرتها على تحويل الإدارة من هدف مُعطل إلى واقع مفروض.

المصدر: فلسطين الآن