قبل أيام قليلة من العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، كانت مستشفيات إسرائيلية عديدة قد أعدّت مجمّعات تحت الأرض لنقل المرضى إليها، معظمها مواقف سيارات، بعضها على عمق ثلاث أو أربع طبقات، باتت اليوم تضم آلاف الأشخاص من المرضى وعائلاتهم ومن الفرق الطبية. غير أن روايات تجهيز المستشفيات ترتبط بعد أكثر من شهر على الحرب، بواقعٍ صادم، بحسب معلومات "العربي الجديد".
ففي الأيام الأخيرة، برزت مؤشرات على احتمال تفشّي أمراض معدية، تارةً بانكشاف حالات سلّ رئوي وتارةً عدوى الحصبة وغيرها، ما ينذر بأمراض فتّاكة إن طال أمد الحرب، خصوصاً وسط الاكتظاظ وسوء التهوية وافتقاد الخصوصية. ورغم كل ادّعاءات المستشفيات الإسرائيلية بأنها أخذت العِبر من الحرب السابقة على إيران في يونيو/حزيران الماضي التي استمرت 12 يوماً، يبقى الوضع الصحي صعباً.
ويصف طبيب عربي بارز من أراضي 48، الوضع بـ"المعقّد"، وهو الذي يعمل في أحد المستشفيات الإسرائيلية المهمة، معرباً عن خشيته من تفاقم الأمور وفقدان السيطرة.
ويقول الطبيب الذي فضّل عدم الكشف عن هويته: "نعمل تحت الأرض مع عدد كبير من المرضى وسط كثافة هائلة. نحاول عدم التقصير مع المرضى وتقديم الخدمات الصحية على أعلى المستويات رغم الظروف الصعبة، حتى في العلاجات المتقدّمة. لكن بسب الاكتظاظ والعمل تحت الأرض، حيث لا تهوية كما يجب، نواجه أيضاً مخاطر التلوّث، رغم محاولتنا تفادي ذلك. لقد استخلصنا الدروس من المواجهة السابقة مع إيران في يونيو 2025، ونحاول تطبيقها، لكنني لا أعرف وضع المستشفيات الأخرى".
وعن الأمراض المعدية والتلوّث، يضيف الطبيب: "لا أستطيع القول إنّه لا توجد عدوى، لكن في المستشفى حيث أعمل، لم نصل بعد إلى أعداد تُجبرنا على عزل مرضى، ونأمل ألا نصل إلى ذلك. كما أن التعرض للأمراض التلوثية (الأمراض المرتبطة بالتلوث) لا يزال في حدود المعقول ونستطيع التغلب عليه".
وحول ما يقصده بحدود المعقول، يوضح الطبيب العربي: "كلّما طال مكوث المريض في المستشفى زادت احتمالات تعرّضه لمضاعفات التلوّث والأمراض التلوثية، حتى في الأيام العادية داخل الأقسام. في الوقت الحاضر النسبة أعلى قليلاً، ولكن ليست أعلى بكثير، بحيث لا يمكننا السيطرة عليها. مع هذا، تبقى المخاوف قائمة لدى الطاقم الطبي والمرضى في ظل الظروف السائدة".
الصورة
ويتحدث الطبيب نفسه عن افتقار المرضى إلى الخصوصية في المستشفيات الموجودة تحت الأرض، في ظل الازدحام والتقارب، إلى حد وضع النساء والرجال معاً. ويقول: "مسألة الخصوصية مهمّة جداً، وتُعدّ مشكلة بحد ذاتها. عندما تضع عدداً كبيراً من المرضى يفصل بينهم ستار أو فواصل بسيطة، تنعدم الخصوصية. وعلى الرغم من أنّ المساحات مقسّمة الى مكعّبات، من جهة للرجال ومن جهة أخرى للنساء، لكنّنا أحياناً نضطر إلى وضع النساء والرجال معاً في نفس المكعّب".
يجد الأطباء صعوبة أحياناً في العثور على المرضى، فهم ليسوا في غرف مرقّمة ومعروفة مسبقاً. ويتابع الطبيب: "أحياناً نضطر إلى البحث عن المرضى والسؤال أكثر من مرة عن مكان مكوثهم.
لا ننسى أيضاً أنه لا توجد مستشفيات تحت الأرض في كل المستشفيات العاملة في البلاد، لذلك فإنّ تلك التي لا تملك أماكن محصّنة، تُرسل مرضاها عند الحاجة إلى المستشفيات التي تملكها، ما يزيد بدوره الأعباء على الأطباء والممرضين، ونحن نواجه ضغطاً كبيراً من جرّاء ذلك، فهو أمر مرهق جداً".
ويضيف: "كلّما طالت الحرب زاد خطر فقدان السيطرة على كثيرٍ من الأمور في القطاع الصحي، من احتمال انتشار الأوبئة والتلوّث والمضاعفات، إلى عدم قدرة الطواقم الطبية على تحمّل مزيدٍ من الضغط. كما أن المخاطر قد تطاول أهالي المرضى الذين لا يتركون مرضاهم، ويواجهون الظروف الصعبة ذاتها".
تتقاطع شهادة الطبيب مع أقوال قريبة أحد المرضى إنّ "المشاهد لا تُحتمل في أحد المستشفيات تحت الأرض". وتلتقي أقوال كليهما مع شهادة نقلتها صحيفة هآرتس العبرية عن طبيب إسرائيلي بارز، يعمل في أحد المستشفيات بالمنطقة الوسطى، إذ قال: "إنّ الوضع مروّع وبشع، الطاقم منهك تماماً. الناس يجلسون بعيون زائغة.
حتى في الظروف العادية تكون الأقسام الباطنية صعبة، لكن تحت الأرض الأمر أسوأ بأضعاف. لا توجد غرفة طبيب، ولا محطة ممرضات، كل شيء يُدار على طاولات قابلة للطيّ وكراسيّ بلاستيكية وسط كل هذه الفوضى. الناس يفهمون أننا في حرب والجميع يعاني، لكن في مرحلة ما، ينهار الناس من الإرهاق".
ولفت الطبيب إلى أنّ "ظروف النظافة في هذه الأقسام كارثية. يبدأ الأمر بالعدوى الشائعة الناتجة من بكتيريا مقاومة، وبعضها لا يكفي معها استخدام محاليل التعقيم المعتمدة على الكحول. في الاكتظاظ الموجود داخل مواقف السيارات، تنهار كل شروط النظافة الأساسية، ولا توجد إمكانية لغسل اليدين كما يجب بين مريض وآخر".
وفي بيانٍ مشترك هذا الأسبوع، أعلنت وزارة الصحة الإسرائيلية ومركز "شيبا" الطبي في تل أبيب، تشخيص إصابة بمرض السلّ الرئوي، وهو مرض معدٍ خطير، وذلك في مجمّع الاستشفاء تحت الأرض في المنطقة الجراحية الواقعة أسفل جناح النساء والولادة في مستشفى "شيبا"، خلال الفترة ما بين 17 و22 مارس/آذار الماضي.
وباشرت الوزارة في إجراء تحقيق وبائي وتوجيه الخطوات اللازمة لتحديد المخالطين ومنع انتقال العدوى. وفي إطار التحقيق، جرى تحديد نحو 750 مريضاً قد يكونون تعرضوا للعدوى المحتملة، بينهم قرابة 300 من الأطفال حديثي الولادة والرّضع الذين بلغوا عامهم الأول، بالإضافة إلى مرضى يعانون من ضعف في جهاز المناعة. كما تبيّن احتمال تعرّض نحو 1900 من أفراد الطاقم الطبي للعدوى، إلى جانب عدد غير معروف من المرافقين الذين كانوا في المكان لمدة لا تقل عن ثماني ساعات خلال الفترة المذكورة.
الصورة
ومنذ بداية الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، أُبلغ عن حالات عدّة لمرضى مصابين بالحصبة بعد أن مكثوا في الأقسام الطبية تحت الأرض، من بينها حالات في مستشفيَي "معياني هشوعا" و"شامير - أساف هروفيه" في المنطقة الوسطى. وفي القسم المحصّن في مستشفى شيبا، تعرّض عشرات المرضى المصابين بسرطان الدم لمريض مُصاب بالحصبة، الأمر الذي استلزم علاجهم بجرعات من الأجسام المضادة، وقد بلغت تكلفتها مئات آلاف الشواقل.
وفي اجتماع عُقد أخيراً من قبل وزارة الصحة الإسرائيلية مع الطواقم الطبية، طُرحت مسألة القلق من انتشار العدوى داخل الأقسام الموجودة تحت الأرض. وأشار المتخصّصون إلى أن جهوداً كبيرة تُبذل في مكافحة التلوّث والعدوى، بما في ذلك توسيع نشاط المختبرات للتشخيص السريع للمرضى، ووضع إجراءات عملية، إلى جانب الزيارات الميدانية الاستباقية للأقسام، وتنظيم توزيع المرضى بين المستشفيات. ومع ذلك، فإنّ الاكتظاظ داخل هذه الأقسام يبقى جوهر المشكلة، وما من حلّ فوري لها.

