على مدى أربعة عقود من حضورها السياسي، وجدت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" نفسها في قلب تحوّلات إقليمية كبرى أسهمت في رسم ملامح الشرق الأوسط الحديث.
ومع كل محطة مفصلية، اضطرت الحركة – بوصفها فاعلًا فلسطينيًا وإقليميًا – إلى إعادة قراءة المشهد وتحديد موقعها ضمن شبكة معقدة من التحالفات والتوازنات.
فمنذ تأسيسها عام 1987، عايشت الحركة ثلاث حروب كبرى أعادت تشكيل المنطقة: حرب تحرير الكويت عام 1991، والغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وصولًا إلى الحرب الدائرة على إيران منذ أواخر شباط/فبراير 2026، التي ما تزال ارتداداتها تتسع في الإقليم. وخلال هذه المحطات، برزت "حماس" كقوة سياسية تحاول المواءمة بين ثوابتها الوطنية ومتطلبات البيئة العربية المتغيرة، مقدّمة مواقف أثارت جدلًا في حينها، قبل أن يتضح لاحقًا بعدها الاستراتيجي.
فالحركة التي رفضت احتلال الكويت وانتقدت الاستعانة بالقوات الأجنبية، ثم عارضت غزو العراق، تجد نفسها اليوم أمام مشهد مشابه في تعقيداته، مع حرب تستهدف إيران تحت عناوين تتراوح بين وقف برنامجها النووي وتحجيم قدراتها الصاروخية.
وفي ظل هذا المشهد الملبّد بالتصريحات المتضاربة والحسابات المتشابكة، يعود السؤال: كيف تصوغ "حماس" موقفها بين دعم إيران في مواجهة "إسرائيل" وإدانة استهداف عواصم ومدن عربية؟
وثيقة 2017: مرجعية سياسية لإدارة الأزمات
يقول الكاتب والمحلل السياسي محمد مصطفى شاهين إن موقف "حماس" في ظل التصعيد الإقليمي الحالي يعكس توازنًا دقيقًا بين ثبات المبادئ ومرونة الأداء السياسي.
ويرى أن ما يبدو للبعض تحولًا في مواقف الحركة ليس سوى تطبيق عملي لوثيقتها السياسية الصادرة عام 2017، التي تجمع بين الثوابت الإسلامية ومتطلبات الواقع المتغير، وتؤكد التزام الحركة بمقاومة الاحتلال حتى التحرير الكامل.
ويضيف شاهين، أن مبادئ الحركة لم تتغير منذ نشأتها، إذ لا تزال تعتبر فلسطين القضية المركزية للأمة، وترى في المقاومة المسلحة حقًا مشروعًا، مع ضرورة بناء تحالفات داعمة في مواجهة المشروع الصهيوني.
ويشير إلى أن العدوان الأمريكي – الإسرائيلي على إيران خلال شباط/فبراير وآذار/مارس 2026 فرض واقعًا جديدًا يسعى فيه الاحتلال إلى توسيع رقعة الصراع بما يخدم مصالحه.
وفي هذا السياق، يجمع موقف "حماس" بين إدانة العدوان على إيران باعتبارها حليفًا استراتيجيًا، والتأكيد على حقها في الرد وفق القانون الدولي، مع الحرص على عدم انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة قد تضر بوحدة الصف الإسلامي.
ويؤكد شاهين أن هذا الموقف لا يعكس تناقضًا، بل رؤية متكاملة تعتبر فلسطين البوصلة الأساسية وترفض تحويلها إلى ورقة في صراعات إقليمية. فالحركة، منذ بداية العدوان في 28 شباط/فبراير، أعلنت تضامنها مع إيران، ثم دعت في 14 آذار/مارس إلى تجنب استهداف دول الجوار، في محاولة لضبط إيقاع التصعيد.
ويرى شاهين أن هذا التوجه يعكس نضجًا سياسيًا يسعى إلى حماية مشروع المقاومة من الانزلاق في صراعات جانبية، والحفاظ على وحدة الأمة رغم اختلافاتها، باعتبارها عنصر قوة في مواجهة الاحتلال.
ويضيف أن الجمع بين دعم إيران ورفض استهداف دول الخليج ينبع من رؤية تعتبر أن استهداف طهران جزء من حرب أوسع على محور المقاومة، في حين أن الحفاظ على استقرار الدول العربية يصب في مصلحة الأمة، خاصة في ظل الدعم السياسي والإنساني الذي تقدمه هذه الدول للقضية الفلسطينية.
ويشدد على أن موقف الحركة لا يعكس براغماتية باردة، بل وعيًا مقاومًا يوازن بين المبادئ والتحالفات، مستندًا إلى وثيقة 2017 التي حدّدت هوية "حماس" كحركة تحرر وطني إسلامي لا تنخرط في اصطفافات طائفية.
الاستمرارية والتكيّف في سلوك "حماس" السياسي
من جهته، يرى الكاتب والمحلل السياسي أمجد بشكار أن سلوك "حماس" يجمع بين الاستمرارية والتكيف، إذ تحافظ الحركة على موقعها ضمن محور المقاومة وتعزز علاقاتها مع إيران وفصائل داعمة، لكنها في الوقت ذاته تُظهر مرونة تكتيكية في إدارة مواقفها وفق التحولات الإقليمية.
ويضيف بشكار أن الحركة منذ بداية العدوان أكدت رفضها استهداف أي عاصمة عربية، وحرصت على حصر الصراع في مواجهة الاحتلال، في محاولة للحفاظ على الغطاء العربي وتجنب فتح جبهات خلاف جديدة.
ويشير إلى أن "حماس" تدرك أهمية الحاضنة الشعبية في الخليج العربي، وهو ما يفسر موقفها الرافض لأي استهداف قد ينعكس سلبًا على الدعم السياسي والإنساني، مؤكدًا أنها تفصل بوضوح بين العدو المباشر –الاحتلال– وبين بقية الأطراف الإقليمية.
ويؤكد أن إدانة الحركة للعدوان على إيران تأتي في إطار التزامها بمبدأ وحدة الساحات، بينما تحكم تجنب استهداف دول الخليج اعتبارات سياسية وعملية، من بينها الحفاظ على قنوات الاتصال وضمان استمرار التأييد الشعبي العربي.
ويلفت إلى أن هذه الحسابات تعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة التوازنات الإقليمية، خاصة في ظل وجود قيادات الحركة في دول مثل قطر، وعلاقاتها الجيدة مع أطراف خليجية على المستويين الشعبي وشبه الرسمي.
ويعتبر بشكار أن البيان الأخير لـ"حماس"، الذي جمع بين دعم إيران ورفض استهداف العواصم العربية، يمثل نموذجًا لموقف سياسي دقيق نجحت الحركة من خلاله في إدارة تناقضات المشهد دون التفريط بثوابتها.
