تتزايد التحذيرات القانونية من تجاوزات خطيرة قد ترقى إلى جرائم حرب، حيث عبر أكثر من مئة خبير في القانون الدولي عن قلقهم من استهداف المدنيين في إيران، مؤكدين أن مسار الحرب الحالية يهدد بتقويض القواعد الأساسية التي تحكم النزاعات المسلحة.
أكدت هيئة بي بي سي، في تقرير أعده توم بيتمان وإيموجين جيمس أن أكثر من مئة خبير في القانون الدولي وجهوا رسالة مفتوحة أعربوا فيها عن قلق بالغ إزاء ما وصفوه بانتهاكات جسيمة للقانون الدولي خلال الحرب الجارية في الشرق الأوسط، مشيرين إلى أن هذه الانتهاكات صدرت عن أطراف الصراع كافة، بما في ذلك الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي وإيران.
وأشارت الهيئة إلى أن الموقعين على الرسالة اعتبروا أن قرار شن الهجوم على إيران من جانب واشنطن وتل أبيب يمثل خرقا واضحا لميثاق الأمم المتحدة، الذي يقيد استخدام القوة بحالتي الدفاع عن النفس أو التفويض الصادر عن مجلس الأمن، وهو ما لم يتوافر في هذه الحالة.
وأكد التقرير أن الخبراء حذروا من تصاعد خطاب سياسي وصفوه بالمقلق، لافتين إلى تصريحات أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تضمنت تهديدات باستهداف منشآت داخل إيران، إلى جانب ما نقل عن وزير الدفاع الأمريكي بشأن عدم إبداء "أي رحمة" تجاه الخصوم، وهو ما اعتبره الموقعون مخالفًا صريحا لقواعد القانون الدولي الإنساني.
وأشارت بي بي سي إلى أن الرسالة شددت على أن إعلان عدم منح الرحمة في النزاعات المسلحة يعد أمرا محظورا، كونه يعني عمليًا رفض الحفاظ على حياة المقاتلين حتى في حالات الاستسلام أو الإصابة، وهو ما يتعارض مع القواعد التي تحمي المدنيين والمقاتلين على حد سواء، بل ويتناقض مع التعليمات الواردة في أدلة وزارة الدفاع الأمريكية ذاتها.
وتابعت أن قائمة الموقعين على الرسالة تضم شخصيات قانونية بارزة، من بينها قاضٍ عسكري أمريكي سابق، ومستشار قانوني سابق في وزارة الخارجية الأمريكية، إضافة إلى أكاديميين متخصصين في القانون الدولي من جامعات مرموقة، وهو ما يمنح الرسالة ثقلًا قانونيًا لافتًا.
وأكد التقرير أن الخبراء أعربوا عن مخاوفهم من أن تؤدي الممارسات الحالية إلى أضرار واسعة النطاق بحق المدنيين، محذرين من أن استمرار هذه السياسات قد يقوض أسس النظام القانوني الدولي ويضعف القواعد التي تم إرساؤها لحماية السكان في أوقات النزاع.
وفي المقابل، أشارت بي بي سي إلى أن البيت الأبيض رفض هذه الاتهامات، مؤكدًا أن الرئيس ترامب يسعى إلى تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة من خلال مواجهة ما وصفه بتهديدات إيران، كما اتهم طهران بممارسة العنف ودعم الإرهاب على مدى عقود.
ولفت التقرير إلى أن الحرب أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، حيث أفادت تقارير حقوقية بمقتل أكثر من 1600 مدني في إيران، بينهم مئات الأطفال، في حين أعلنت وزارة الصحة اللبنانية سقوط أكثر من 1300 قتيل جراء الضربات الإسرائيلية منذ مطلع آذار / مارس ، بينما أسفرت الهجمات الصاروخية من إيران ولبنان عن مقتل 19 مدنيًا في "إسرائيل"، إضافة إلى عشرات الضحايا في دول الخليج.
وأشارت بي بي سي إلى أن مسؤول الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، توم فليتشر، صرّح بأن قواعد القانون الدولي لم تُحترم خلال هذا النزاع، مؤكدًا أن المشكلة لا تكمن في غياب القواعد بل في عدم الالتزام بتطبيقها، واصفًا الحرب بأنها تتسم بقدر كبير من التهور.
وتابعت أن الرسالة سلطت الضوء بشكل خاص على الهجوم الذي استهدف مدرسة “الشجرة الطيبة” الابتدائية للبنات في مدينة ميناب جنوب إيران في الأيام الأولى من الحرب، والذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 168 شخصًا، بينهم 110 أطفال، في واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل.
وأكدت أن وزارة الدفاع الأمريكية أعلنت فتح تحقيق في الحادث، في ظل تزايد المؤشرات التي ترجح أن الضربة كانت أمريكية، بينما تشير إحدى الفرضيات قيد الدراسة إلى أن المدرسة، التي تقع بالقرب من موقع تابع للحرس الثوري الإيراني، ربما استُهدفت بناءً على معلومات استخباراتية قديمة.
وأشارت بي بي سي إلى أن الخبراء اعتبروا أن هذه الضربة قد ترقى إلى انتهاك للقانون الدولي الإنساني، بل وقد تصنّف كجريمة حرب إذا ثبت أن تنفيذها تم بتهور أو دون اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب سقوط المدنيين.
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن الرسالة نشرت عبر منصة قانونية متخصصة، في وقت تتزايد فيه الدعوات لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المحتملة، وسط تحذيرات من تداعيات طويلة الأمد على النظام الدولي وقواعد إدارة النزاعات المسلحة.
