12.79°القدس
12.55°رام الله
11.64°الخليل
16.71°غزة
12.79° القدس
رام الله12.55°
الخليل11.64°
غزة16.71°
الإثنين 06 ابريل 2026
4.14جنيه إسترليني
4.42دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.61يورو
3.13دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.14
دينار أردني4.42
جنيه مصري0.06
يورو3.61
دولار أمريكي3.13

ذكرى "السور الواقي": من ملحمة الصمود إلى واقعٍ مثقل بالاقتحامات وعنف المستوطنين

FB_IMG_1775310045626.jpg
FB_IMG_1775310045626.jpg

تمرّ ذكرى عملية السور الواقي هذا العام، فيما تبدو الضفة الغربية وكأنها ما تزال تعيش فصولًا متجددة من ذلك الاجتياح، وإن تغيّرت الأدوات والأساليب.

 

ففي نيسان/أبريل 2002، دوّت أصوات الدبابات والطائرات في مدن الضفة، وكانت نابلس وجنين في قلب المشهد، حيث كُتبت واحدة من أبرز محطات الصمود والوحدة الوطنية في التاريخ الفلسطيني المعاصر.

 

في ذلك الشهر، استيقظت نابلس، "جبل النار"، على وقع اقتحام عسكري واسع النطاق شاركت فيه مئات الآليات الثقيلة والطائرات الحربية، ضمن حملة إسرائيلية هدفت، وفق إعلانها، إلى "القضاء على البنية التحتية للمقاومة". إلا أن ما جرى على الأرض تجاوز الحسابات العسكرية، ليُعيد تشكيل مفهوم المواجهة لدى الفلسطينيين، ويُكرّس صورة الوحدة الميدانية بين مختلف الفصائل.

 

داخل أزقة البلدة القديمة، وتحديدًا في أحياء الياسمينة والحبلة والقريون، تشكّلت حالة نادرة من التلاحم. لم تكن الرايات الفصائلية حاضرة بقدر ما كان الحضور لـ"خندق واحد"، حيث تقاسم المقاومون السلاح والطعام والمصير. أُقيمت غرف عمليات مشتركة، وتحولت أقبية المنازل إلى نقاط إسعاف ميدانية، في ظل حصار خانق استمر أكثر من ثلاثة أسابيع.

 

لم تكن المعركة متكافئة. استخدمت القوات الإسرائيلية تكتيكات عسكرية غير مسبوقة، من بينها ما عُرف بـ"المشي عبر الجدران"، حيث جرى تفجير جدران المنازل للتنقل بين الأحياء، بدل السير في الشوارع المكشوفة. هذا الأسلوب خلّف دمارًا واسعًا في البنية التحتية والمنازل، وأدى إلى استشهاد العشرات، فيما بقيت أحياء كاملة بلا كهرباء أو ماء، تحت حظر تجول مشدد.

 

وفي مخيم جنين، لم تكن الصورة أقل قسوة. شهد المخيم معارك ضارية تحولت إلى رمز للصمود، حيث واجه مقاومون بأسلحة محدودة واحدة من أعنف العمليات العسكرية. انتهت المعركة بدمار كبير في المخيم، وسقوط عدد كبير من الشهداء، لكنّها رسّخت في الوعي الجمعي الفلسطيني نموذجًا للمقاومة والصمود.

 

بعد أكثر من عقدين على تلك الأحداث، تبدو الضفة الغربية اليوم وكأنها تعيش نسخة مستمرة، وإن كانت أقل كثافة من حيث الحشود العسكرية، لكنها أكثر اتساعًا واستمرارية. فالاقتحامات اليومية للمدن والقرى والمخيمات لم تتوقف، بل أصبحت جزءًا من المشهد اليومي. في نابلس وجنين وطولكرم ورام الله، تتكرر مشاهد المداهمات والاعتقالات، في ظل تصاعد واضح في استخدام القوة.

 

إلى جانب ذلك، برز عامل جديد يزيد من تعقيد المشهد، يتمثل في تصاعد اعتداءات المستوطنين. هذه المجموعات، التي توصف فلسطينيًا بـ"العصابات المنظمة"، باتت تنفذ هجمات شبه يومية على القرى الفلسطينية، تشمل حرق المنازل والمركبات، واقتلاع الأشجار، والاعتداء على السكان، في كثير من الأحيان تحت حماية الجيش الإسرائيلي أو على مرأى منه.

 

في قرى جنوب نابلس، مثل قصرة ودوما، وكذلك في مناطق سلفيت والخليل، يعيش السكان حالة من القلق الدائم، حيث تتحول ساعات الليل إلى كابوس مع احتمال اقتحام المستوطنين. هذه الاعتداءات لا تُفهم فقط في سياق العنف الفردي، بل يُنظر إليها كجزء من سياسة أوسع تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، ودفع الفلسطينيين إلى الرحيل عن أراضيهم.

 

بالتوازي، تتواصل عمليات التوسع الاستيطاني بوتيرة متسارعة، مع إقامة بؤر جديدة ومصادرة مزيد من الأراضي. هذا الواقع يعيد إلى الأذهان أهداف "السور الواقي"، لكن بأساليب مختلفة، حيث لم يعد الاجتياح العسكري الشامل هو الأداة الوحيدة، بل باتت هناك أدوات "هادئة" لكنها أكثر استدامة وتأثيرًا.

 

على الصعيد الشعبي، لا تزال ذكرى نيسان 2002 حاضرة بقوة، ليس فقط كحدث تاريخي، بل كمرجعية معنوية. يستحضر الفلسطينيون تلك المرحلة بوصفها نموذجًا للوحدة، في وقت يعاني فيه المشهد السياسي من انقسام حاد. كثيرون يرون أن ما جرى في نابلس وجنين آنذاك يقدّم درسًا في إمكانية تجاوز الخلافات، عندما يكون الخطر وجوديًا.

 

ورغم تغير الظروف، فإن عناصر الصمود ما تزال قائمة. في المخيمات والأحياء القديمة، يواصل الشباب مواجهة الاقتحامات، بوسائل تختلف عن تلك التي كانت قبل عقدين، لكنها تنطلق من الروح ذاتها. كما أن الحاضنة الشعبية، رغم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، لا تزال تشكل عنصر دعم أساسي.

 

في المحصلة، تبدو ذكرى "السور الواقي" هذا العام أكثر من مجرد استعادة لماضٍ مؤلم، بل مرآة لواقع مستمر. فالضفة الغربية، التي شهدت واحدة من أعنف العمليات العسكرية في تاريخها الحديث، لا تزال تعيش تحت وطأة سياسات الاحتلال، بين اقتحامات متكررة وعنف متصاعد من المستوطنين.

 

وبينما تتغير أشكال المواجهة، يبقى الثابت الوحيد هو الإنسان الفلسطيني، الذي يواصل التمسك بأرضه، مستندًا إلى ذاكرة مثقلة بالتجارب، وإرادة لم تنكسر رغم كل ما مرّ به. نيسان 2002 لم ينتهِ فعليًا، بل ما يزال حاضرًا، يتجدد في كل اقتحام، وفي كل مواجهة، وفي كل حكاية صمود تُكتب على أرض الضفة الغربية.

المصدر: فلسطين الآن