يعيش المسجد الأقصى المبارك خطرًا غير مسبوق منذ احتلال مدينة القدس عام 1967، ينذر بتكريس واقع جديد في التحكم بفتحه وإغلاقه، والسيطرة على أعداد المسلمين الوافدين إليه مقابل أعداد المقتحمين، في ترسيخ للتقسيم الزماني والمكاني.
ويواصل الاحتلال الإسرائيلي إغلاق المسجد الأقصى المبارك لليوم الـ40 على التوالي، رغم إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتي كان الاحتلال يتذرع ويتحجج بسببها على إغلاق المسجد.
ويرى مراقبون مقدسيون أن الاحتلال يمضي في مسار تهويده للمسجد الأقصى وتقسيمه، من خلال فتح المسجد الأقصى خلال الفترة القادمة بشروطه التي تقيد دخول المسلمين مقابل توسيع اقتحامات المستوطنين وزيادة طقوسهم في باحاته.
تحذير من "مقدس مشترك"
وحذّر المختص في شؤون القدس فخري أبو دياب، من وجود نوايا لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلي وقواتها لفتح المسجد الأقصى المبارك بشروط تقيّد دخول المصلين المسلمين، مقابل توسيع اقتحامات المستوطنين.
وقال أبو دياب إن المقترح المتداول بتوجيهات من وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير يتضمن السماح بدخول أعداد محدودة من المسلمين لا تتجاوز نحو 150 مصليًا يوميًا، مقابل إدخال مجموعات من المتطرفين اليهود بشكل منظم، وقد تصل كل مجموعة إلى نحو 50 مقتحمًا في الجولة الواحدة، ما يعني تكريس حضورهم بشكل شبه كامل داخل المسجد.
ولفت إلى أن هذه التوجهات تأتي في سياق التصريحات والمواقف الصادرة عن بن غفير، إلى جانب ما يُعرف بـ"عرّابي الاقتحامات"، وما تم تسريبه من خطط وتعليقات تؤكد وجود نية لفرض أجندة الاحتلال داخل الأقصى، مؤكدًا أن ذلك لا يمكن اعتباره إنجازًا بل تكريسًا لسيطرة الاحتلال.
وبيّن أن الاحتلال قد يستغل هذه الترتيبات لإغلاق المسجد متى شاء، خاصة خلال المناسبات التوراتية، وعلى رأسها ما يسمى بـ"عيد الفصح"، في محاولة لاستنساخ ما يجري في المسجد الإبراهيمي من تقسيم زماني ومكاني.
وأكد أبو دياب أن خطورة هذه الخطوات تكمن في العمل على تقليص أعداد المسلمين بشكل رسمي، مقابل إدخال اليهود بصورة منظمة، ما يعني إلغاء الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى، وتحويله إلى مكان عبادة مشترك.
وأضاف أن هذه الإجراءات تعكس سعي الاحتلال لفرض نفسه كجهة إدارية مسؤولة عن الأقصى، بعد تقليص صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية.
وحذر من أن القبول بهذه الترتيبات يعني تكريس السيطرة الإسرائيلية الكاملة، والتعامل مع المسجد الأقصى كـ"معبد مشترك"، بدلًا من كونه مكان عبادة خالص للمسلمين، مؤكدا أن فرض هذه الوقائع الجديدة يشكل تحولًا خطيرًا في هوية المسجد الأقصى، ويهدد بتغيير طابعه الديني والتاريخي بشكل جذري.
تكريس التقسيم
ومن جانبه، عقب الباحث المقدسي زياد ابحيص، على استمرار إغلاق المسجد رغم وقف إطلاق النار، بأن إغلاق الأقصى كان عملاً حربياً بأدوات ناعمة، يستهدف فرض السيادة الإسرائيلية المزعومة عليه، وعزل الأقصى عن المصلين والمعتكفين، ولذلك سيحرص الاحتلال على توظيف هذا الإغلاق بقدر ما يستطيع.
وأوضح ابحيص أن الاحتلال سيعمل على إطالة أمد إغلاقه لأطول وقت ممكن بعد وقف إطلاق النار، إضافة إلى فتحه بطريقة تكرس تقسيمه، بحيث يتمكن المستوطنون من اقتحامه كما يدخله أصحابه المسلمون.
وقال إن الاحتلال يحاول فرض تغييرات جديدة متزامنة مع فتحه، كما فعل بعد حرب الـ12يوماً في شهر 6-2025، حين أعلن السماح للمستوطنين بالرقص والغناء في الأقصى بدءاً من اليوم التالي لفتحه.
وأضاف أن "تهويد الأقصى هدف صهيوني مركزي، وإغلاقه كان خطوة على منحنى تهويده، وإذا ما فُتح بشروط الاحتلال فهذه ليست نهاية الحكاية، بل هي بداية فصل جديد منها، وهذا يقتضي أن يبقى الأقصى قِبلة للوعي والاهتمام، والعمل دفاعاً عنه ومنع تقسيمه حتى يأتي أوان التحرير".
فتح مقيد
وبدوره قال الباحث المقدسي عبد الله معروف، إن فتح المسجد الأقصى أصبح مسألةً ملحةً بالنسبة للاحتلال مع انتفاء حجة إغلاقه، وقد يعلن الاحتلال فتحه في أية لحظة بشروطه.
وبين معروف أن الاحتلال قد يفتح الأقصى دون تحديد أعداد نظراً لانتفاء شروط ما يسمى "الجبهة الداخلية"، معتبرًا أن "الثابت الوحيد عند الاحتلال هو فتح المسجد "بالتساوي" بين المسلمين والمستوطنين، بمعنى تثبيت رؤية الاحتلال في كون الأقصى "مقدساً مشتركاً" يعمل فيه الاحتلال على العودة لتقسيمه زمنياً ومنع المسلمين من الوصول إليه خلال فترة الاقتحامات".
وأشار إلى أنه "بقي يوم واحد للفصح العبري، ولذلك قد تحاول جماعات المعبد المتطرفة تعويض ما فاتها في المسجد خلال الحرب بأي ثمن".
وشدد على أن "العيون يجب أن تفتح الآن على مصراعيها لحماية المسجد، فالاحتلال يعتبر السيطرة عليه في هذا الوقت مسألةً مركزية، ومن المؤسف أنها لا تزال هامشيةً عند بعض مَن ينطقون بلساننا".
وأكمل: "الواجب علينا أن نكسر شروط الاحتلال ورؤيته وأهدافه بالحضور للمسجد بكثافة غير مسبوقة وإعماره بشكل كامل ودائم رغم أنف الاحتلال الذي يخشى قيام شعبنا بإغراقه بالأعداد الكثيفة".
