في أزقة غزة العتيقة، وحيث يمتزج صخب الباعة برائحة الياسمين والبارود، كان يمرّ كعابرٍ لا يترك خلفه سوى أثر الطمأنينة في قلوب جنده، والذعر المطبق في مكاتب "الكرياه" بتل أبيب. لم تكن ملامحه الخمسينية مألوفة لعدسات الكاميرات، ولا صوته حاضراً في المحافل، لكن بصماته كانت محفورة بدقة المتفجرات في جدران المواقع العسكرية الصهيونية خلف السلك الزائل.
أطلقوا عليه في ردهات استخبارات العدو لقب "الشبح"، لأنه كان موجوداً في كل مكان ولا يُرى في أي مكان. وعلى مدار أربعة عقود من الصراع، ظلّ المجاهد عز الدين الحداد (أبو صهيب) بمثابة اللغز المستعصي على الحل بالنسبة لأعتى أجهزة الأمن "السيبرانية" والاستخبارية للاحتلال. وفي ليلة غادرة من ليالي مايو 2026، انقشعت سحب التخفي عن جسدٍ أثخنته جراح المعارك، ليرتقي القائد العام لكتائب الشهيد عز الدين القسام شهيداً مضرجاً بدماء العز، معانقاً زوجته وابنته في حي الرمال، بعد أن أتمّ أمانته وصنع بعبقريته العسكرية ما عجزت عنه جيوشٌ بأكملها.
بذور القسام الأولى..
ولد الشهيد القائد عز الدين الحداد في منتصف ستينيات القرن الماضي بمدينة غزة، ليتنفس منذ صباه هواء اللجوء والمقاومة. مع اندلاع الشرارة الأولى للانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، كان "أبو صهيب" من الطليعة التأسيسية الأولى التي لبت نداء حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، مدركاً بوعيه المبكر أن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة الرقمية والعسكرية.
تدرج الحداد في العمل الدعوي والميداني، وكان من المؤسسين الأوائل لمجموعات "المجاهدون الفلسطينيون" التي تحولت لاحقاً إلى "كتائب الشهيد عز الدين القسام" عام 1991. تميز منذ بداياته بحس أمني رفيع، وقدرة فائقة على التنظيم وسرية الحركة، مما أهّله ليكون ركناً أساسياً في بناء الهيكلية العسكرية الأولى للكتائب في قطاع غزة، متأثراً بمدارس القادة الأوائل كالشهيد عماد عقل والمهندس يحيى عياش.
من "لواء غزة" إلى قيادة الأركان..
قاد الشهيد الحداد لسنوات طويلة "لواء غزة" في كتائب القسام، وهو اللواء الأكبر والأعقد جغرافياً وعسكرياً، حيث يشرف على خطوط المواجهة المباشرة مع شرق المدينة وغربها. تحت إمرته، تحول اللواء إلى قلعة عسكرية حصينة، وشهدت حقبته تطوير شبكة الأنفاق الهجومية والدفاعية، وصناعة الصواريخ المحلية التي دكت عمق الكيان الصهيوني في معارك "العصف المأكول" و"سيف القدس".
عقب ارتقاء القائد محمد السنوار شهيداً في مايو 2025، صدر قرار التكليف الداخلي من المجلس العسكري المصغر للكتائب، ليتولى عز الدين الحداد قيادة أركان كتائب القسام كقائد عام خلفاً له. جاء هذا التعيين في مرحلة حرجة من تاريخ الصراع، ليقود الحداد بعبقريته الفذة معركة إعادة التموضع والترميم العسكري، محققاً تفوقاً ميدانيًا أبهر المراقبين وأفشل خطط الاحتلال لإنهاء المقاومة.
مهندس "طوفان الأقصى" والمطلوب رقم (1)..
يصنّف ركن الاستخبارات العسكرية الصهيونية "أمان" القائد "أبو صهيب" بأنه أحد العقول المدبرة والمهندسين الحقيقيين لملحمة "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023. تولى الحداد الإشراف المباشر على خطط التسلل واقتحام المواقع العسكرية التابعة لـ"فرقة غزة"، وتحديداً موقع "ناحال عوز" وقاعدة "رعيم"، حيث أسفرت قيادته للمحاور عن أسر ومقتل المئات من جنود النخبة الصهاينة.
نتيجة لدوره المحوري، رصدت حكومة الاحتلال مكافأة مالية ضخمة بلغت 750 ألف دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي للوصول إليه، واضعةً اسمه على رأس قوائم التصفية والاغتيال بجانب القادة الكبار. وخلال سنوات حرب الإبادة الجماعية، نجا القائد من ست محاولات اغتيال محققة، أصيب في بعضها بجروح بالغة، لكنه كان يعود في كل مرة إلى ميدان القيادة أكثر إصراراً وقوة.
تقديم فلذات الأكباد..
لم يكن عز الدين الحداد قائداً يوجه جنده من خلف الستار، بل كان نموذجاً للمجاهد الذي يقدم أهله وعائلته في الخطوط الأولى للتضحية. دفع "أبو صهيب" ضريبة الدم الباهظة طوعاً؛ ففي يناير من عام 2025، اغتال الاحتلال نجله الأكبر المهندس "صهيب" في ضربة جوية، ولحقه نجله الثاني في أبريل من العام نفسه شهيداً في معارك التصدي البري بوسط القطاع.
توّجت هذه العائلة المجاهدة مسيرتها بالشهادة الجماعية مساء الجمعة، حينما استهدفت طائرات العدو البناية السكنية والسيارة التي كان يستقلها القائد العام برفقة زوجته الصابرة وابنته، ليرتقوا جميعاً شهداء، ممتزجةً دماؤهم بدموع الفخر التي ذرفتها غزة وهي تودع مدرسة متكاملة في العطاء والجهاد والثبات.
لستُم وحدكم..
جاءت جريمة اغتيال الحداد في وقت حساس، لتكشف زيف الادعاءات الصهيونية بالالتزام بالتفاهمات الميدانية واتفاقات وقف العمليات العسكرية السارية؛ إذ اعتبرت حركة حماس وفصائل المقاومة أن هذا الإيغال في الدم يمثل تفخيخاً صهيونياً لجهود الوسطاء وخرقاً فاضحاً للمرحلة الأولى من التفاهمات، هرباً من بنيامين نتنياهو من استحقاقات خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرامية لإنهاء الحرب.
وعلى الجانب الآخر، عكست ردود الفعل الإقليمية، لا سيما البيان الصادر عن حزب الله اللبناني، عمق ترابط جبهات الإسناد والمقاومة (وحدة الساحات). حيث أكد الحزب أن دماء الحداد هي "وسام مجد" جديد على صدر المقاومة، مشدداً على أن اغتيال القادة لن يفت في عضد الحركة التي تدار بروح المؤسسة البديلة والجسم الولّاد الذي لا يتوقف عن إنجاب القادة والمجاهدين.
الفكرة لا تموت..
ترجل الفارس عن فرسه، ونال "شبح القسام" الأمنية التي طالما سعى إليها طوال ستين عاماً من حياته المباركة، ليلتحق برفاق دربه من القادة الشهداء: أحمد ياسين، عبد العزيز الرنتيسي، صلاح شحادة، وأحمد الجعبري. يظن الاحتلال واهماً أن اغتيال عز الدين الحداد سيكسر شوكة القسام أو يدفع الحركة للرضوخ والاستسلام، لكن الشواهد التاريخية تؤكد أن دماء القادة كانت دائماً الوقود الحقيقي لثورات أشد عصفاً، وأن "أبو صهيب" غرس خلفه آلاف التلامذة والضباط والمجاهدين المستعدين لكتابة الفصول الأخيرة من معركة التحرير والعودة.
