بين أصوات الطائرات وأخبار النزوح المتكرر، مُنذ أكتوبر 2023 أبصر آلاف الأطفال النور في قطاع غزة خلال سنوات الحرب، ليجدوا أنفسهم منذ اللحظة الأولى وسط واقع استثنائي يفتقر إلى الاستقرار والأمان.
لم يعرف هؤلاء الأطفال منازل مستقرة أو ساحات لعب آمنة، بل كانت الخيام ومراكز الإيواء والبيوت المدمرة جزءًا من تفاصيل طفولتهم الأولى، في مشهد يختصر حجم المعاناة الإنسانية التي يعيشها سكان القطاع.
مخاض في الحرب
في إحدى خيام النزوح، تحتضن أم طفلها الذي وُلد خلال الحرب، وتروي كيف استقبلته في ظروف قاسية، وسط نقص في الرعاية الصحية وصعوبة الوصول إلى المستشفيات.
وتقول أم محمد لـ" فلسطين الآن" إن طفلها لم يعرف حتى اليوم حياةً طبيعية، إذ تنقّل معها بين عدة أماكن نزوح، ولم يعش يومًا واحدًا بعيدًا عن أجواء الخوف وعدم اليقين.
وتروي نزحنا من نوفمبر 2023، وبعد النزوح ابني عمره الآن عامان، وُلد في بداية الحرب، ولم يرَ حديقة أو مكانًا للعب مثل بقية الأطفال. كل ما يعرفه هو الخيمة والتنقل من مكان إلى آخر. نحاول أن نوفر له حياة طبيعية قدر الإمكان، لكن الظروف أقوى منا.
نظرة طبيب
قال دكتور الأطفال عبد الخالق أبو حرب أن السنوات الأولى من عمر الطفل تُعد مرحلة حاسمة في بناء شخصيته ونموه النفسي والعاطفي، مشيرين إلى أن التعرض المستمر لأصوات الانفجارات والنزوح وفقدان الإحساس بالأمان قد يترك آثارًا طويلة الأمد على الأطفال، ما يتطلب برامج دعم نفسي واجتماعي متخصصة لمساعدتهم على تجاوز الصدمات.
وأكد لـ"فلسطين الآن"، أن الأطفال يواجهون في الحرب تحديات أخرى تتعلق بالتغذية والرعاية الصحية والتعليم المبكر، في ظل تضرر البنية التحتية والخدمات الأساسية. وتحذر مؤسسات حقوقية وإنسانية من أن استمرار هذه الظروف يهدد مستقبل جيل كامل نشأ في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الطبيعية.
رأي الطب النفسي
وفي حديثنا مع أستاذ الصحة النفسية عبد الفتاح الهمص، أكد أن "الأطفال الذين يولدون وينشؤون في بيئات النزاع يحتاجون إلى رعاية خاصة، لأن غياب الاستقرار والشعور بالأمان يؤثران في نموهم النفسي والاجتماعي. التدخل المبكر والدعم المستمر ضروريان للحد من الآثار السلبية التي قد ترافقهم في المستقبل".
ويقول أن "أصوات القصف والنزوح المتكرر وفقدان الروتين اليومي قد تؤثر في نموهم العاطفي والسلوكي".
ويضيف أن بعض الأطفال قد يُظهرون أعراضًا مثل الخوف الزائد، والتعلق المفرط بالوالدين، واضطرابات النوم، والتأخر في بعض المهارات الاجتماعية أو اللغوية.
وختم حديثه منوها لضرورة "توفير بيئة داعمة وآمنة قدر الإمكان، وإتاحة مساحات للعب والتفاعل الاجتماعي، إلى جانب برامج الدعم النفسي التي تساعد الأطفال على التعبير عن مشاعرهم والتخفيف من آثار الصدمات التي عاشوها".
ورغم قسوة الواقع، لا يزال الأهالي يتمسكون بالأمل في أن يحظى أطفالهم بمستقبل أفضل، بعيدًا عن أصوات الحرب ومشاهد الدمار. وبين أحضان الأمهات والخيام المؤقتة يكبر "جيل الحرب"، حاملًا أحلامًا بسيطة في حياة آمنة ومستقرة، ينتظر أن تتحول يومًا ما إلى واقع.
