بعد أكثر من 110 أيام من حرب اختار الرئيس ترامب-نتنياهو شنها دون تخطيط استراتيجي واقعي هي الثانية على إيران في ثمانية أشهر، والفشل في تحقيق أي من أهدافها - وتسويق انتصار قصير وسهل. وتستسلم إيران بعد اغتيال المرشد وقيادات النظام، ودعم حرب أهلية داخلية من الأكراد الذين تم تسليحهم حسب اعتراف الرئيس ترامب. "لكنهم خذلونا واحتفظوا بالسلاح"!!
والواقع أنه لن تحسم حرب الحسابات الخاطئة-وكان يمكن تجنبها-بجولات المفاوضات وتدخل الوسطاء وتقديم تنازلات من الطرفين. ولعبت سلطنة عمان وقبلها وبعدها دولة قطر، مؤخراً-دورا مهما في تقريب وجهات النظر وجسر هوة الخلافات قبل أن يخدع الجميع بشن الحربين!! ولاحقا دعمت قطر الوساطة الباكستانية في المراحل الأخيرة من المفاوضات. بزيارات وفود من الخارجية القطرية-واتصالات متعددة بين الرئيس ترامب وسمو الشيخ تميم بن حمد. ودور قيادي لرئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبدالرحمن والفريق القطري.
وكان لافتا إشادة الرئيس ترامب بشجاعة ودور قطر، في لقائه بسمو الشيخ تميم بن حمد الأسبوع الماضي في قمة السبع في فرنسا. معلقاً "لولا قطر لربما كنا لا نزال في حرب مع إيران". واصفا أمير دولة قطر بـ "شخص رائع يسعى للسلام". وسبق أن أجرى الرئيس ترامب اتصالاً هاتفياً بأمير قطر معبّراً عن تقديره البالغ للوساطة القطرية الفعّالة التي أسفرت عن إحراز تقدم كبير وموافقة الأطراف.
وتلقى سمو الشيخ تميم بن حمد اتصالاً هاتفياً من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مثمناً مساعي قطر ودورها الداعم للأمن والاستقرار الإقليمي. شاكراً سمو الشيخ تميم وقطر على الوساطة المهمة التي قادت للتوصل لمذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة-بعد التوقيع الالكتروني على المذكرة.
ولم يتوقف نشاط وتحرك الوساطة القطرية، بل استمرت لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله. خاصة بعد تقييم الاستخبارات الأمريكية عن عزم إسرائيل إفشال الاتفاق الأمريكي-الإيراني-باستمرار التصعيد في جنوب لبنان في أكبر تحدٍ للاتفاق.
واللافت تحرك الوساطة القطرية-المدعومة خليجياً، وذلك برغم توسيع إيران الحرب إقليميا، وتقييدها حركة المرور عبر مضيق هرمز وتعطيل ممرات الطاقة وأمن الطاقة وأخذ الاقتصاد العالمي رهينة. وتعمد استهداف دول مجلس التعاون الخليجي-بالاعتداء على الأهداف المدنية والبنى الحيوية، والمطارات ومنشآت ومصافي الطاقة-النفط والغاز- ما دفع دولنا الخليجية لإعلان "القوة القاهرة".
علّقت في المقالين السابقين في زاويتي البوصلة في الشرق- الأسبوع الماضي "مجدداً تنجح قطر بفك عقد الخلافات...ونزع فتيل الحرب" وطالبت بمقالي قبل أسبوعين "استراتيجية دول مجلس التعاون الخليجي...الصبر الاستراتيجي وإنهاء الحرب-"بتفعيل دبلوماسية الإسناد الخليجي، وخاصة دولة قطر بدعم الوساطة الباكستانية. وتكثيف دبلوماسي للاتصالات الهاتفية المتكررة بين الرئيس ترامب وقادة دول خليجية وخاصة بين سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد والرئيس ترامب.
ونقل رسالة واضحة للرئيس ترامب وللطرف الإيراني أن استمرار التصعيد وعدم لجم تهور نتنياهو يهدد الأمن والاستقرار ويستنزف القدرات بشكل خطير". وطالبت في مقالي الأسبوع الماضي-بالاستفادة من موقف الرئيس بالتواصل مع الرئيس ترامب الذي يميل للواقعية-لإقناعه بأهمية التوصل لاتفاق مع إيران يوقف حالة اللا-حرب واللا-سلم-لمنع تحولها لحرب استنزاف منهكة لجميع الأطراف وخاصة لدولنا الخليجية.
والاستفادة من كلفة الحرب على المعيشة وارتفاع الأسعار والتضخم والاستنزاف الداخلي الأمريكي ليشكل "عامل ضغط داخلي على الرئيس ترامب للإسراع بإنهاء الحرب وسط غضب شعبي على خلفية ارتفاع كلفة المعيشة والأسعار. حتى وصلت الانتقادات إلى حزبه الجمهوري. وداخل حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً"(MAGA) وأهمية دورها الرئيسي بوصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض. والدفع للتوصل لاتفاق ينهي الحرب ويبني الثقة ولجم إسرائيل بشكل حازم.
يبقى السؤال هل يملك الرئيس ترامب الإرادة للجم نتنياهو واليمين الإسرائيلي والأمريكي-ومنعهم إفشال الاتفاق؟
ونحمد الله على نجاح الوساطة الباكستانية والاسناد والدعم القطري بتحقيق الاختراق المطلوب. وتوقيع الرئيس ترامب في قصر فرساي-والرئيس الإيراني مسعود بازشكيان-على مذكرة التفاهم، لتدخل حيز التنفيذ الخميس الماضي. تشكل بنودها الأربعة عشر-المرحلة الأولى من مرحلتين-تنتهي بعد 60 يوما. للتوصل لاتفاق نهائي بعد مناقشة المواضيع الشائكة المؤجلة عقب استكمال الالتزام بتطبيق البنود مذكرة التفاهم.
وبناء الثقة وتجنب التصعيد وإنهاء الحصار وفتح مضيق هرمز ووضع آلية لمناقشة البرنامج النووي والعقوبات ورفع الحجز عن الأصول المالية الإيرانية المجمدة والمساهمة في صندوق إعادة إعمار إيران. بتقديم كثير من الحوافز لإيران. واللافت ان الطرفين يؤكدان انتصارهما وفرض شروطهما!!
تطالب مذكرة التفاهم بوقف دائم لإطلاق النار على جميع الجبهات— تشمل لبنان واحترام سيادة لبنان. والتزام إيران الدائم بعدم سعيها لامتلاك أو تطوير أسلحة نووية، ومعالجة مخزون المواد المخصبة تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. (يرحل للمناقشة في المرحلة الثانية خلال 60 يوماً).
الالتزام بفتح مضيق هرمز للعبور وحرية الملاحة لسفن الشحن التجارية وناقلات النفط والغاز دون فرض رسوم. ورفع الحصار البحري تدريجياً عن إيران خلال 30 يوماً عن موانئ إيران. واستئناف تصدير النفط الإيراني ومشتقاته. وتتعهد الولايات المتحدة بالتعاون مع شركاء إقليميين بوضع خطة لإعادة إعمار إيران وتنميتها الاقتصادية، وإصدار التراخيص المالية اللازمة لها. (لكن غير واضح من سيشرف على الصندوق؟ ومن سيمول المشاريع؟ ومن سيستثمر وكيف؟
تحتاج إيران لبناء الثقة بالجوار الخليجي بعدما تعرضوا لأخطر تهديد لأمنهم باستهدافهم بآلاف الصواريخ والمسيرات). مقابل التزام إيران بتأمين الملاحة في مضيق هرمز.
كان لافتاً حجم انتقاد الاتفاق الأولي من صقور حزب الرئيس ترامب-ونائب ترامب في رئاسته الأولى بانس-بوصفه الاتفاق "أكبر من خطأ"-وانتقاد قاسٍ من المعلقين المحافظين وأنصار إسرائيل واليمين في واشنطن. والوزراء المتطرفين في حكومة نتنياهو، ليرد ترامب ونائبه بلغة غاضبة غير مسبوقة.
ويبقى السؤال هل يملك الرئيس ترامب الإرادة للجم نتنياهو واليمين الإسرائيلي والأمريكي-ومنعهم إفشال الاتفاق. وإبقاء دوامة الصراع والحرب خدمة لمصالح انتخابية وأجندة شخصية؟!
