31.12°القدس
31.44°رام الله
30.53°الخليل
33.81°غزة
31.12° القدس
رام الله31.44°
الخليل30.53°
غزة33.81°
الأربعاء 29 يوليو 2026
4.07جنيه إسترليني
4.32دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.48يورو
3.06دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.07
دينار أردني4.32
جنيه مصري0.06
يورو3.48
دولار أمريكي3.06

تقارير "فلسطين الآن"..

موظفو غزة .. واقع معيشي مسحوق ومستقبل معلق على حبال المفاوضات

خاص-فلسطين الآن

يدخل الموظفون الحكوميون في قطاع غزة مرحلة هي الأشد قسوة وتدميراً في تاريخ الحركة الوظيفية، حيث يعيش الآلاف منهم تفاصيل حرب إبادة جماعية طالت أرواحهم ومساكنهم، بالتوازي مع حرمان كامل من الرواتب والمستحقات المالية منذ أشهر طويلة.

وتحول الموظف الحكومي الذي كان يمثل العمود الفقري لاستقرار المجتمع الغزي إلى نازح يبحث عن مقومات الحياة الأساسية من مأكل ومشرب داخل خيام اللجوء، في وقت تستمر فيه آلة الحرب الصهيونية في استهدافهم بشكل مباشر وممنهج لتفكيك الحاضنة الاجتماعية للمقاومة.

وعلى الصعيد المؤسساتي، تسببت الحرب المستمرة في تدمير شبه كامل للبنية التحتية للمؤسسات والوزارات الحكومية في القطاع، حيث قصفت طائرات الاحتلال المقرات الرئيسية والفرعية، ودمرت الأرشيف الإلكتروني والورقي، مما خلق واقعاً إدارياً معقداً وتحدياً غير مسبوق في تاريخ الإدارات العامة.

ورغم هذا الدمار الهائل والنزوح القسري، يواصل الموظفون في القطاعات الحيوية مثل الصحة والدفاع المدني والخدمات البلدية عملهم تحت القصف وبأقل الإمكانيات المتاحة، مجسدين نموذجاً فريداً من العطاء والتضحية لخدمة أبناء شعبهم.

وتتزامن هذه الأزمة الميدانية والإدارية مع ضبابية شديدة تكتنف مستقبل الوظيفة العمومية وحقوق الموظفين في ظل المباحثات السياسية الجارية وجولات الحوار بملف المصالحة وإعادة الإعمار.

ويخشى الموظفون من تكرار سيناريوهات التهميش السياسي السابقة، أو تحويل قضيتهم المطلبية والإنسانية إلى كرت ضغط في أروقة المفاوضات، مما يهدد أمانهم الوظيفي واستقرار عائلاتهم التي باتت تعتمد بشكل كلي على المساعدات الإغاثية الشحيحة والمستحقات المجتزأة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

إن الصمود الأسطوري لموظفي غزة في وجه الحصار والعدوان يستدعي وقفة جادة وثابتة من كافة الأطراف الفلسطينية والدولية لضمان حقوقهم كاملة غير منقوصة باعتبارها قضية وطنية بامتياز وليست مجرد أزمة مالية عابرة. ولا يمكن لأي ترتيبات سياسية أو إدارية قادمة لإدارة قطاع غزة أن يكتب لها النجاح دون الاعتراف الصريح بشرعية هؤلاء الموظفين ودمجهم الكامل في الهيكل الوظيفي الموحد للسلطة الفلسطينية، وصرف رواتبهم بانتظام كحق أساسي كفلته القوانين والأعراف الإنسانية والوطنية.

أزمة تجاوزت كل الخطوط الحمراء.. 

وأكد نقيب الموظفين العموميين في غزة خليل حمادة أن الأزمة الراهنة التي يعيشها الموظفون تجاوزت كل الخطوط الحمراء، وباتت تهدد الاستقرار الاجتماعي واللوجستي لآلاف العائلات التي فقدت كل مقومات الحياة نتيجة انقطاع الرواتب المتزامن مع حرب الإبادة الشاملة. ويوضح أن النقابة تتابع عن كثب كافة التطورات والمباحثات السياسية الجارية، وتشدد على أن أي اتفاق لا يتضمن دمجاً كاملاً وفورياً لجميع الموظفين دون تمييز أو إقصاء هو اتفاق محكوم عليه بالفشل ولن يمرر بأي حال من الأحوال.

وأشار حمادة في حديثه لـ"فلسطين الآن"، إلى أن الجهاز الحكومي في غزة قدم مئات الشهداء والجرحى والأسرى خلال هذا العدوان الصهيوني الغاشم، لاسيما في القطاعات الحيوية والإنسانية كالطواقم الطبية والدفاع المدني والطواقم الخدمية التي رفضت ترك مواقعها واستمرت في تلبية احتياجات المواطنين تحت حمم القذائف والصواريخ. ويرى أن هذا العطاء الاستثنائي يفرض على الكل الفلسطيني، وبشكل خاص القيادة السياسية، مكافأة هؤلاء الأبطال وتأمين مستقبلهم الوظيفي والمالي بدلاً من تركهم فريسة للضبابية والتجاذبات.

ونبه نقيب الموظفين إلى أن النقابة تلقت وعوداً وتطمينات من جهات عدة بأن ملف الموظفين حاضر بقوة على طاولة المفاوضات الجارية برعاية إقليمية ودولية، لكنه يشدد على أن العبرة تكمن في التطبيق الفعلي على أرض الواقع وإنهاء معاناة الموظف الذي بات عاجزاً عن توفير أدنى متطلبات عائلته داخل خيام النزوح. مضيفاً أن حقوق الموظفين في الرواتب والمستحقات المتراكمة عبر سنوات الحصار هي حقوق قانونية وشرعية ثابتة لا تسقط بالتقادم ولا تخضع للمساومات السياسية.

وختم حمادة حديثه بتأكيد استمرار الحراك النقابي والتواصل مع كافة الفصائل والجهات المعنية لضمان صياغة رؤية وطنية موحدة تحمي الأمان الوظيفي للجميع، داعياً الموظفين إلى الثبات والالتفاف حول نقابتهم في هذه المرحلة المفصلية. موجهاًرسالة إلى الجهات الدولية بضرورة تحمل مسؤولياتها الإنسانية والقانونية تجاه غزة وموظفيها، ووقف سياسة التمييز المالي والجغرافي التي تعمق الشرخ الداخلي وتخدم أجندة الاحتلال الرامية لتدمير المقومات الحياتية للشعب الفلسطيني.

دوامة يومية مرعبة..

ويروي الموظف "أبو صهيب" والذي يعمل في إحدى الوزارات الخدمية بغزة، فصول المعاناة القاسية التي يتجرعها يومياً مع عائلته المكونة من ستة أفراد بعد أن تقطعت بهم السبل داخل خيمة نزوح مهترئة بوسط القطاع. ويصف كيف تحولت حياته من الاستقرار النفسي والوظيفي إلى دوامة يومية مرعبة من البحث عن مياه صالحة للشرب وحطب لإشعال النار، في ظل انعدام الدخل المالي وعجز سلف الرواتب الشحيحة عن تغطية الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية بالأسواق.

ويستذكر "أبو صهيب" بمرارة كيف اضطر لبيع ما تبقى من مدخرات زوجته البسيطة وبعض الأثاث الذي نجا من القصف لتأمين حليب وأدوية لأطفاله، مؤكداً أن الكرامة الإنسانية للموظف الغزي دُيست في هذه الحرب بفعل التهميش المالي والسياسي الممنهج. ويبدي أسفه الشديد من الاضطرار للاصطفاف في طوابير طويلة للحصول على طرد إغاثي أو مساعدة عينية، وهو الذي كان يمثل واجهة العمل الحكومي والخدماتي لسنوات طويلة ويتقاضى راتباً يعيل به أسرته بكرامة.

وعبر الموظف النازح في حديثه لـ"فلسطين الآن"، عن مخاوفه العميقة ومخاوف زملائه في العمل بشأن الغموض الذي يلف مصيرهم الوظيفي وحقوقهم المالية المتراكمة في ذمة الحكومة بعد انقشاع غبار الحرب، خاصة مع تسرب أنباء عن شروط سياسية معقدة تتعلق بدمجهم وتثبيتهم. ويبين أن ما يسمعه الموظفون عبر وسائل الإعلام حول المباحثات السياسية لا يبعث على الاطمئنان الكامل، بل يجدد في نفوسهم القلق من إمكانية التضحية بحقوقهم واستبدالهم في أي تسوية قادمة لإدارة غزة.

وناشد "أبو صهيب" في ختام حديثه الضمير الوطني والقيادات الفلسطينية بضرورة النظر إلى قضية موظفي غزة كقضية إنسانية وأخلاقية ملحة لا تقبل التأجيل أو التسويف تحت أي ذريعة، فالبيوت المدمرة والعائلات المشردة لم تعد تحتمل مزيداً من الحرمان والتجاهل. ويؤكد أن بقاء الموظفين وصمودهم في غزة هو جزء من صمود الشعب الفلسطيني وثباته على أرضه، وأن استمرار التنكر لحقوقهم يمثل طعنة في ظهر هذا الصمود وتفريطاً بتضحيات جسام قدمت على مدار سنوات المعركة والحصار.

قضية وطنية وسياسية ثابتة..

وكانت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أكدت في أكثر من مناسبة رسمية أن ملف موظفي غزة الذين جرى تعيينهم بعد عام 2007 هو قضية وطنية وسياسية ثابتة غير قابلة للمساومة أو الإقصاء، مشددة على أن هؤلاء الموظفين هم بناة المؤسسات الوطنية وحماتها في أحلك الظروف وأصعب المنعطفات التاريخية.

وشددت الحركة في ورقاتها التفاوضية ومباحثات المصالحة على ضرورة الدمج الكامل لكافة الموظفين في الإدارات المدنية والأمنية ضمن الهيكل الموحد للسلطة الفلسطينية، وصرف رواتبهم ومستحقاتهم المالية بانتظام كشرط أساسي وجوهري لإنجاح أي اتفاق سياسي أو ترتيبات قادمة لقطاع غزة.

وأشادت الحركة بالدور البطولي والأخلاقي الذي يقوم به موظفو غزة، لاسيما الكوادر الطبية وطواقم الإسعاف والدفاع المدني والبلديات، والذين واصلوا العمل تحت القصف وفي ظروف بالغة الخطورة لخدمة أبناء شعبهم وحماية الجبهة الداخلية، واصفة تضحياتهم بأنها نموذج فذ من الوفاء والانتماء للوطن.

ودعت حماس حكومة التوافق الوطني والجهات المانحة والمجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية تجاه إنهاء الحصار المالي المفروض على غزة، ووقف سياسة التمييز والعقاب الجماعي التي تطال الموظفين وعائلاتهم، مؤكدة أن الأمان الوظيفي وحقوق العاملين كفلتها كل القوانين والمواثيق الإنسانية.

المصدر: فلسطين الآن