دأب قادة دولة الاحتلال في الشهور الأخيرة على تكرار مفردة أنها تحولت إلى "قوة إقليمية"، سواء لاعتبارات انتخابية داخلية، أو بسبب عدوانها المستمر على دول المنطقة، واحتلالها للمزيد من مساحاتها، لكن المعطيات البحثية والدراسية الإسرائيلية تُفنّد هذا الادعاء، وتدحض هذه المزاعم بالنظر للقوى الإقليمية الأخرى.
المتخصص في الاستراتيجية والاستخبارات والأمن، ومؤلف كتاب "عصر النار: نموذج قتالي جديد"، الضابط دان شيون، الحاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة بار إيلان، أكد أن "ثلاث دراسات رئيسية نشرت مؤخرا تناولت كل منها السؤال الجوهري نفسه من زاوية مختلفة: ما هو دور القوات المسلحة الإسرائيلية، وما هو وضع إسرائيل الحقيقي كقوة إقليمية، وباتت تُشكل مجتمعةً نقاشًا منظمًا بين ثلاثة مواقف مختلفة، ينبغي عرضها جنبًا إلى جنب".
إيران وتركيا في الواجهة
وأضاف في مقال نشره موقع زمان إسرائيل، أن "العميد الدكتور إيال بيشت والمقدم الدكتور إيتاي خيمينيس ذكرا في كتابهما "بين القطبين" الصادر عن مركز دادو للدراسات العسكرية، أن على إسرائيل أن تتصرف كقوة إقليمية، وأن تُؤثر في أجندة الشرق الأوسط بالقوة العسكرية، فيما يحذر عوفر شيلح من معهد الدراسات الأمنية والدفاعية من هذا التصور، لأنه يشكل خطرًا اقتصاديًا واجتماعيًا، ويدعو للعودة للنهج الكلاسيكي للردع والإنذار، واتخاذ القرارات السريعة المصحوبة بتسوية سياسية".
وأشار إلى أن "الدراسة الثالثة أعدها البروفيسوران إفرايم إنبار وحاييم آسا من المعهد اليهودي للدراسات الاستراتيجية حول مفهوم "القوة الإقليمية"، وأكدا أن إسرائيل، على عكس إيران وتركيا، لا تستوفي المعايير المطلوبة لهذا التوصيف".
وشرح قائلا إن "الدراسة الأولى تصف إسرائيل بـ"ملكة الغابة"، وتناولت دور قواتها العسكرية بإرساء نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط، وبما أن كاتبيها من كبار مسؤولي المؤسسة العسكرية، فيرجح ألا تعكس وجهة نظر شخصية فقط، بل فكراً أوسع نطاقاً في قيادة الجيش الإسرائيلي، ويمكن تلخيص موقفهما في التحول من مفهوم "الفيلا في الغابة" التقليدي إلى مفهوم "ملكة الغابة"، وهو نهج يرى أن على إسرائيل أن تتصرف كقوة إقليمية تُشكّل، بشكل فعّال ومستمر ودائم، أجندة الشرق الأوسط، من خلال استخدام القوة العسكرية".
وأوضح أن "الدراسة كُتِبت في الغالب متأثرةً بنجاح العملية العسكرية ضد إيران في حزيران 2025، ومع ذلك، يشير كاتباها للنجاح التكتيكي والعملياتي لاستخدام القوة الجوية المقترنة بأنظمة استخباراتية متطورة كرافعة للتغيير الاستراتيجي، دون الأخذ في الاعتبار أن استخدام القوة هذا، مهما كان ناجحاً، لا يُغيّر بالضرورة الوضع الراهن، لأن الواقع الجيوسياسي شديد التعقيد بعد عملية "زئير الأسد" التي استمرت 40 يومًا بالتعاون مع الولايات المتحدة، وتمتعت بنفوذ محيطي أكبر بكثير".
غياب الردع
وأكد أنه "رغم الضرر البالغ الذي لحق بإيران على المستوى السياسي وفي قيادتها العليا، فإن الإنجاز العسكري لم يُترجم تلقائيًا إلى ميزة استراتيجية، بل يبدو أن إيران خرجت من هذه الحملة أكثر قوة من الناحية الاستراتيجية".
وانتقل الكاتب للحديث عن "الدراسة الثانية التي تحذر من نموذج "إسبرطة الخارقة"، وجاءت بعنوان "مفهوم الأمن الجديد - منطق معيب وخطر على الأمن القومي"، وافتتحها بسؤال أساسي تمهيدي حول أن مفهوم الأمن ليس وثيقة "موضوعية" مستمدة فقط من تحليل التهديدات، كما يُقدم ظاهريًا في الخطاب العام، لأن الاستجابة الأمنية المرجوة مستمدة بالضرورة من السؤال الأساسي لـ"من نحن"، وما مصدر قوتنا، وما القيم والمصالح التي نسعى لحمايتها".
وأكد أنه "قبل الاختيار بين نموذج "إسبرطة العظمى" العدواني، وآخر أكثر ضبطًا، يجب أولًا تحديد الهوية التي تسعى الدولة للتعبير عنها، محذرا من "مفهوم الأمن الجديد" الذي يرى فيه خطرًا حقيقيًا على الأمن القومي، ففي رأيه، يُعد النهج الكلاسيكي وفق صيغة ديفيد بن غوريون، القائم على الردع والإنذار واتخاذ القرارات السريعة، مصحوبًا بتسوية سياسية، أكثر صوابًا واستقرارًا من نموذج الحرب الدائمة، مؤكدا على الثمن الباهظ للتعبئة الاحتياطية المستمرة التي تبلغ 100 يوم سنويًا تجعل النظام مكلفًا، وغير فعال مع مرور الوقت".
ولفت إلى أنه "في الوقت نفسه، تأتي التكاليف المباشرة وغير المباشرة للقتال، وتُقدر بمئات مليارات الشواقل على حساب الاستثمار في محركات النمو المدني مثل التعليم والصحة والبنية التحتية، وتصاحبها مخاطر سياسية حقيقية تتمثل بزيادة العزلة الدولية".
وأضاف أن "الدراسة الثالثة مفادها أن إسرائيل ليست قوة إقليمية، ونشرها معهد القدس للأمن والاستراتيجية (JISS)، وتفحص مفهوم "القوة الإقليمية" بشكل منهجي، ويخلصان أن إسرائيل لا تستوفي المعايير المطلوبة، على عكس دول مثل إيران وتركيا في ضوء الأبعاد الديموغرافية والجغرافية، فهما دولتان شاسعتان، يبلغ عدد سكان كل منهما 90 مليون نسمة، مقارنةً بإسرائيل الصغيرة ذات الـ10 ملايين نسمة".
وأكد أنه "فيما تدير إيران شبكة واسعة من الوكلاء في جميع أنحاء الشرق الأوسط في لبنان والعراق واليمن، وتحافظ تركيا على وجود عسكري ونفوذ مباشر خارج حدودها في ليبيا وسوريا، فلا تمتلك إسرائيل بنية مماثلة للقدرة على الحفاظ على مثل هذه السلطات التنفيذية في جميع أنحاء المنطقة".
وخلص إلى القول إن "هذه الدراسات التي كتبها باحثون من داخل النظام العسكري، ومعهد أبحاث وطني مركزي، ومعهد استراتيجي مستقل، تقدم صورة معقدة، وتكشف فجوة واضحة بين الطموح للعمل كقوة إقليمية تُشكّل بيئتها بالقوة، والقيود الهيكلية والاقتصادية والديموغرافية التي تواجهها إسرائيل، مما يُشكّل نقاشًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، ينبغي أن يُجرى في المحافل الرسمية في الجيش الإسرائيلي وعلى المستوى السياسي، وفي الخطاب العام والأكاديمي".
