31.64°القدس
31.44°رام الله
30.56°الخليل
31.79°غزة
31.64° القدس
رام الله31.44°
الخليل30.56°
غزة31.79°
الأربعاء 02 سبتمبر 2026
4.09جنيه إسترليني
4.27دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.51يورو
3.02دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.09
دينار أردني4.27
جنيه مصري0.06
يورو3.51
دولار أمريكي3.02

صحيفة: لماذا يرى جنرالات إسرائيليون في "الإرهاب اليهودي" التهديدَ الحقيقي

القدس المحتلة - فلسطين الآن

نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريراً مصوراً للصحفيين عزام أحمد وناتان أودنهايمر ورونين بيرغمان والمصور إيفور بريكيت، قالوا فيه إن عدداً متزايداً من الجنرالات ومسؤولي الاستخبارات ورؤساء الوزراء الإسرائيليين السابقين يتهمون المستوطنين في الضفة الغربية بارتكاب عمليات تطهير عرقي بدعم حكومي.

كرّس اللواء احتياط إيال بن رؤوفين حياته للقتال من أجل إسرائيل. فقد نجا من الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973 -حين كادت فصيلته العسكرية أن تُباد بالكامل- ثم تولى قيادة فرقة عسكرية في الضفة الغربية وقاد القوات البرية الإسرائيلية خلال حرب عام 2006 ضد حزب الله.

لكنه عاد في الأشهر الأخيرة إلى الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل، حيث يقوم بجولات في المنطقة بصحبة جنرالات ومسؤولين إسرائيليين سابقين مثله، متجولاً بين أنقاض مدرسة فلسطينية نهبها مستوطنون إسرائيليون، ويستمع إلى روايات رعاة ومزارعين فلسطينيين عن تعرضهم للتعذيب على يد مستوطنين يستولون على ماشيتهم وأراضيهم.

واليوم، يقول الجنرال بن رؤوفين إن لديه فهماً مختلفاً تماماً للمخاطر التي تواجهها دولة الاحتلال حالياً. يقول بن رؤوفين: "إن ما يفعله المستوطنون هنا هو التهديد الحقيقي لإسرائيل. هذا الأمر يثير قلقي أكثر من إيران أو غزة أو لبنان".

وشاركه في مشاعر الاستياء هذه مسؤولون إسرائيليون كبار سابقون آخرون كانوا يرافقونه في جولاته بالضفة الغربية، فعن هجمات المستوطنين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، قال إفرايم سنيه -وهو عميد احتياط ووزير صحة سابق-: "ببساطة، هذا تطهير عرقي".

وذهب آساف أغمون، وهو جنرال متقاعد من سلاح الجو، إلى أبعد من ذلك؛ إذ قارن الوضع بما عاناه أسلاف بعض الإسرائيليين خلال "الهولوكوست"، موضحاً أن وجه الشبه لا يكمن في حجم العنف، بل في المساعي الرامية إلى محو الوجود الفلسطيني من أجزاء واسعة من الضفة الغربية.

وقال: "عندما يسلك مجتمع ما هذا المسلك، فإن مصيره هو الهلاك". يقوم مستوطنون إسرائيليون مسلحون -بدعم من الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ البلاد- بمداهمة وإحراق منازل ومساجد وقرى فلسطينية دون رادع يذكر، في محاولة علنية لتهجير الفلسطينيين من المنطقة.

وقد حذر القائد العسكري الإسرائيلي الأعلى في الضفة الغربية من أن هذا العنف ينذر بإشعال المنطقة بأكملها، وفي شهر حزيران/ يونيو، وقّع أكثر من 200 شخصية إسرائيلية بارزة رسالة تطالب الحكومة بوقف الهجمات ضد المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية.

وضمت قائمة الموقعين رئيسَي وزراء سابقين، وأكثر من 36 جنرالاً متقاعداً من الجيش والقوات الجوية، والرؤساء السابقين لأجهزة الاستخبارات الخارجية والداخلية، بالإضافة إلى حاخامات، وحائز على جائزة نوبل، وواحد من أكثر الروائيين الإسرائيليين تقديراً.

وينتمي هؤلاء المسؤولون المتقاعدون إلى مختلف الأطياف السياسية، بما في ذلك حزب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نفسه، وكان يُنظر إلى الكثير منهم سابقاً على أنهم من "صقور الأمن".

وقد دعوا في رسالتهم إلى وضع حد لـ "الإرهاب اليهودي" و"التطهير العرقي" الجاري في الضفة الغربية. ولم يكتفِ الموقعون باتهام حكومة نتنياهو بالتقاعس عن وقف هذه الممارسات، بل اتهموها أيضاً بانتهاج "سياسة حكومية متعمدة تتواطأ فيها المؤسسة الأمنية بأكملها -بما في ذلك الجيش وجهاز 'الشين بيت' والشرطة- عن علم ودراية".

كما اتهموا الجيش بالتواطؤ في أعمال العنف، موضحين أن الجنود يقفون موقف المتفرج أثناء تعرض الفلسطينيين للهجمات، أو أنهم ينضمون أحياناً إلى المستوطنين لمهاجمة القرى الفلسطينية بشكل مشترك.

لقد شارك العديد من هؤلاء المنتقدين الإسرائيليين في أعمال عنف مفرطة خلال مسيرتهم العسكرية، حيث أصدروا أوامر بتنفيذ عمليات تصفية محددة الأهداف، وشن غارات جوية قاتلة، وتنفيذ مداهمات وهجمات أخرى ضد الفلسطينيين، بما في ذلك في الضفة الغربية. لكنهم يؤكدون أنهم كانوا يتصرفون حينها بما يخدم الأمن الإسرائيلي، وضمن تسلسل قيادي وتحت رقابة قانونية.

أما الفرق الآن، كما يقولون، فهو أن العنف بات غير منضبط وعشوائياً ويستهدف مدنيين أبرياء، بهدف إخلاء مساحات شاسعة من الضفة الغربية ليتمكن الإسرائيليون من الاستيلاء عليها والقضاء على أي أمل في قيام دولة فلسطينية.

وفي الآونة الأخيرة، شبّه موشيه يعالون -رئيس أركان الجيش السابق الذي شغل منصب وزير الحرب في حكومة نتنياهو حتى عام 2016- أيديولوجية المستوطنين الإسرائيليين المتطرفين في الضفة الغربية بتلك التي سادت في ألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية.

وتساءل يعالون، الذي طالما عُرف بتشدده الأمني، في تصريحات لموقع صحيفة يديعوت الإخباري الإسرائيلي: "ما هو التفوق اليهودي؟ إنه بمثابة نسخة معكوسة لكتاب (كفاحي) حيث نعتبر أنفسنا نحن 'العرق الأسمى'".

وقد رفض مكتب رئيس الوزراء الرد على أسئلة تتعلق بالاتهامات المتزايدة التي يوجهها جنرالات ومسؤولون سابقون، كما لم تستجب الحكومة لطلبات متعددة للحصول على بيانات حول هجمات المستوطنين في الضفة الغربية.

ولكن مع تزايد الإدانات لعنف المستوطنين - بما في ذلك من جانب الولايات المتحدة - تتصاعد الضغوط على نتنياهو لاتخاذ رد فعل أكثر حزماً. فقد حاصر المستوطنون مؤخراً عدة منازل فلسطينية، كان أحدها مملوكاً لمواطن أمريكي.

وفي بيان نادر صدر خلال عطلة نهاية الأسبوع، قال نتنياهو إن مثل هذه "الأعمال الإجرامية" تلحق "ضرراً جسيماً" بالمستوطنين الملتزمين بالقانون و"تسيء إلى مكانة إسرائيل في العالم".

وقد أشاد زعماء دينيون مؤيدون للمستوطنات في الضفة الغربية بدعم الجيش والحكومة لعدد قياسي من البؤر الاستيطانية والمزارع الجديدة، وهي خطوات يرى جنرالات متقاعدون أنها تغذي عنف المستوطنين في المنطقة.

غير أن الحاخام إلياكيم ليفانون، الذي يرأس مجلساً دينياً في الضفة الغربية، حث المؤيدين مؤخراً على تجنب العنف، مشيراً إلى أن المنتقدين يتخذون منه ذريعة للإضرار بـ "سمعة حركة الاستيطان في إسرائيل والولايات المتحدة والعالم بأسره".

وتتزامن هجمات المستوطنين هذه مع تصرفات أكثر عدوانية بكثير يقوم بها الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، فمنذ هجمات 7 تشرين الأول/ أكتوبر قبل نحو ثلاث سنوات، قُتل أكثر من 1100 فلسطيني - بينهم مسلحون - في هذه الأراضي، والغالبية العظمى منهم لقوا حتفهم على يد القوات الإسرائيلية.

ويُعادل هذا الرقم تقريباً إجمالي عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا في الضفة الغربية خلال الفترة الممتدة من عام 2005 وحتى عام 2022، وفقاً لبيانات الأمم المتحدة. وفي المقابل، قُتل 67 إسرائيلياً على يد فلسطينيين في الضفة الغربية منذ عام 2023.

جولة الجنرالات

جاء الجنرالات الإسرائيليون المتقاعدون إلى الضفة الغربية في رحلة نظمها يعقوب أور، وهو أيضاً جنرال متقاعد قضى جزءاً كبيراً من مسيرته المهنية في الضفة الغربية.

وبدافع الغضب من تصاعد عنف المستوطنين وما يراه تواطؤاً من جانب الدولة في هذا العنف، جعل "أور" من مهمته اصطحاب أكبر عدد ممكن من الشخصيات الإسرائيلية البارزة إلى الضفة الغربية ليشاهدوا الوضع بأنفسهم.

بدأ "أور" (79 عاماً) مسيرته العسكرية بالقتال لصالح دولة الاحتلال في الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967، التي انتهت باحتلال الضفة الغربية. وتولى لاحقاً الإشراف على الشؤون المدنية والأمنية في المنطقة، قبل أن يتقاعد من مكتب مراقب الدولة، حيث كان مسؤولاً عن التحقيق في المؤسسة الحربية الإسرائيلية.

ومنذ أن بدأ تنظيم هذه الجولات قبل ما يزيد قليلاً عن عام، شارك فيها أكثر من 250 شخصاً، شملوا قادة عسكريين سابقين، ومسؤولين كباراً في الاستخبارات، ومحامين بارزين، واقتصاديين، ودبلوماسيين.

وقد رافقت صحيفة "نيويورك تايمز" "أور" في شهر حزيران/ يونيو أثناء قيادته لمجموعة من المسؤولين السابقين - بمن فيهم جنرالات، ووزير في الحكومة، ومساعد عسكري لأربعة رؤساء وزراء، ومسؤول استخباراتي، ومدعٍ عام، وسفير - في جولة شملت قرى متعددة وسط الضفة الغربية.

وطلب "أور" من الزوار ملاحظة الأميال الممتدة من السياجات الجديدة التي أقامها المستوطنون لمحاصرة القرويين الفلسطينيين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم.

"يريدون الاستيلاء على منزلي"

في قرية بورين، اصطحب بشار عيد -وهو مزارع فلسطيني- الزوار إلى سطح منزله، حيث كان يسير خلفهم متكئاً على عصا بسبب عرجٍ أصيب به؛ وهو أثرٌ لهجوم شنه مستوطنون وتسبب له بإعاقة دائمة. حدثهم عن الهجمات المستمرة التي تشنها البؤر الاستيطانية -التي كانت مرئية بوضوح من سطح المنزل- والمقامة على سفوح التلال المحيطة به. وقال إن المستوطنين يدخلون القرية يومياً، حتى في يوم السبت.

ورُوي أنه لمح، صبيحة أحد الأيام مؤخراً، صبياً مستوطناً يتجول في أرضه. وعندما سأله عما يفعله، أمره الصبي بالصمت وإلا فإنهم سيكسرون ساقه الأخرى، قال وهو يهز رأسه: "طفلٌ قال لي ذلك".

وأضاف أنه لم يعد قادراً على زراعة أرضه؛ لأن المستوطنين يهاجمونه كلما حاول ذلك، وباتت أيامه تقتصر على الجلوس فوق سطح منزله، مترقباً أي توغلات للمستوطنين، وقال: "لا أعرف ماذا أفعل. إنهم يريدون الاستيلاء على منزلي".

كان المشاركون يدونون الملاحظات. ورفع مسؤول سابق في النيابة العامة يده متسائلاً: "من العبث ألا تؤدي القوات الإسرائيلية واجبها في حمايتهم؛ إنه لأمر محرج حتى طرح هذا السؤال، ولكن لماذا لا يدافع الفلسطينيون عن أنفسهم؟"

فأجاب عيد: "أخشى أنني إذا دافعت عن نفسي، فإن الوضع سيزداد سوءاً بالنسبة لنا"، وأيده "أور" في ذلك، موضحاً أن أي رد فعل عنيف من جانب الفلسطينيين سيستجلب أعمالاً انتقامية أشد قسوة بكثير، ومن المرجح أن تشمل الجيش الإسرائيلي؛ إذ سيُعتبر الرد على المستوطنين "إرهاباً"، مما سيؤدي إلى مزيد من حملات القمع.

ومسح رافائيل شوتز -وهو سفير إسرائيلي سابق لدى إسبانيا والنرويج والكرسي الرسولي- العرق عن جبينه بينما كان يستوعب ما سمعه، وقال إنه تذكر والدته التي فرت من ألمانيا النازية وهي في التاسعة من عمرها بصحبة والديها وإخوتها.

وأضاف أنها اليوم، حين تشاهد مقاطع فيديو لمستوطنين يضرمون النار في السيارات ويطلقون النار على مزارعين أبرياء، تشعر بالخجل.

مجتمعٌ مُحِيَ من الوجود

في السنوات القليلة الماضية، أدى عنف المستوطنين إلى تهجير العديد من التجمعات الفلسطينية من غور الأردن، ومعظمها تجمعات بدوية مثل "حمامات المالح".

وقبل بضعة أشهر فقط، وخلال زيارة منفصلة أجرتها الصحيفة للمنطقة، كانت لا تزال هناك بضع عائلات متمسكة بالبقاء؛ إذ كانت الاقتحامات العنيفة التي تحدث في جوف الليل قد أجبرت معظم السكان على الفرار بالفعل.

ولكن عند زيارة الصحيفة في شهر شباط/فبراير، عثرت على عائلتين فلسطينيتين تحتميان داخل مبنى حجري يعود للحقبة العثمانية، وقد تكدس أفرادهما معاً على فرش وُضعت مباشرة على الأرض.

يقول محمد خليل (37 عاماً) -وهو من مواليد هذا التجمع السكني، شأنه شأن والده-: "لا نكاد ننام ولو لساعة واحدة؛ فإذا جاؤوا وأنت نائم، فلن تنجو بحياتك".

في ذلك الوقت، كانت المدرسة -التي شُيدت بتمويل من جهات مانحة- خاوية؛ فقد غادر آخر الطلاب قبل بضعة أيام. وبحلول شهر آذار/مارس، وعقب سلسلة من المداهمات وأعمال السرقة والاعتداءات التي شنها المستوطنون، استسلم خليل وغيره ممن صمدوا في المكان، وغادروا هم أيضاً.

وبعد فترة وجيزة -وفقاً لما ذكره سكان ونشطاء- حضر مستوطنون ومعهم جرافة وسوّوا المدرسة بالأرض. كما تداول المستوطنون مقطع فيديو يظهرهم وهم يحتفلون بعيد الفصح اليهودي وسط الأنقاض.

وعندما وصل الجنرالات الإسرائيليون المتقاعدون وشخصيات بارزة أخرى في أواخر شهر حزيران/يونيو، كان السكان الفلسطينيون قد رحلوا منذ فترة طويلة؛ إذ أراد "أور" أن يريهم كيف يبدو شكل المجتمع الذي مُحي تماماً.

قال نحيميا داغان (86 عاماً) -وهو جنرال متقاعد في سلاح الجو ساعد في بناء قدرات المروحيات الإسرائيلية وشغل أيضاً منصب كبير مسؤولي التعليم في الجيش الإسرائيلي-: "عندما تحرقون الكتب، وعندما تدمرون المعرفة وتعتدون على الأطفال، فإنكم تشبهون الألمان".

وأضاف وهو يرتجف من الغضب: "لقد فقدنا أنفسنا، وخسرنا هذه المعركة"، وتابع مشيراً إلى حل الدولتين -الذي يقضي بإقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل-: "علينا أن ننفصل؛ ليس من أجلهم، بل من أجل أنفسنا".

المصدر: فلسطين الآن