تبدو الأسلاك المستعملة كأنها بقايا عادية لحرب الإبادة على غزة، لكنها بالنسبة إلى آخرين أصبحت مواد ذات قيمة، تُستخرج من بين أنقاض المنازل والمباني المدمرة ثم تُفرز وتُباع بالمتر أو تصل إلى أيدي فنيين يحاولون إصلاحها وإعادتها إلى الخدمة. وبينما كان استبدال السلك التالف بآخر جديد أمراً اعتيادياً قبل الحرب، فرض نقص المستلزمات وارتفاع أسعارها واقعاً مختلفاً على الغزيين.
ومع إغلاق المعابر وصعوبة إدخال العديد من المستلزمات الكهربائية والإلكترونية اتسعت الحاجة إلى كل قطعة يمكن استخدامها أو إصلاحها، وأصبح جمع الأسلاك من الركام وبيعها وصيانتها مصدر دخل لبعض العاملين، في وقت يبحث فيه السكان عن بدائل تساعدهم على تشغيل أجهزتهم وتأمين احتياجاتهم اليومية.
ويُنظر للأسلاك في غزة، بأنها الحلقة التي تصل طفلاً بتعليمه وموظفاً بعمله وأسرة بمصدر للطاقة أو الاتصال وإنساناً بعائلته والعالم من حوله.
ومن هنا اكتسبت هذه القطع أهمية تتجاوز حجمها لتصبح جزءاً من اقتصاد الضرورة الذي نشأ تحت وطأة الحرب والحصار.
وفي ظل هذا الواقع نشأ اقتصاد صغير حول المواد المستعملة، أشخاص يبحثون عن الأسلاك بين الأنقاض وآخرون يشترونها ويفرزونها وباعة يبيعونها بالمتر وفنيون يعيدون إصلاحها ومواطنون يبحثون عنها باعتبارها بديلاً أقل كلفة أو الخيار الوحيد المتاح. وبين الركام والأسواق وورش الصيانة، تحولت الأسلاك في غزة من مواد كان التخلص منها أمراً عادياً إلى موارد نادرة لها سعر ومشترون ومهن مرتبطة بها.
أسلاك البقاء
يعرض الفلسطيني حسن عودة مجموعة من الأسلاك المستعملة في سوق مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، والتي أصبحت جزءاً من حركة تجارية لم تكن موجودة بهذا الشكل قبل الحرب. يقول عودة إن جزءاً من هذه الأسلاك يشتريه من أشخاص يجمعونها من بين الركام، حيث يبحث هؤلاء عن الأسلاك والقطع التي يمكن استخراجها من المباني والمنازل المدمرة. "وبعد جمعها تصل إلى الباعة الذين يفرزونها حسب النوع والحالة، قبل أن يعاد بيعها للمواطنين أو لفنيي الصيانة الذين يحتاجون إليها".
ويبيع عودة أنواعاً مختلفة من الأسلاك بالمتر وتتراوح أسعار المتر الواحد، بحسب نوعيته وصعوبة الحصول عليه، بين 1.5 شيكل وتصل إلى ثمانية شواكل. ويشير إلى أن قيمة السلك لم تعد مرتبطة فقط بحالته وإنما أيضا بمدى توفره في السوق، إذ أصبحت بعض الأنواع أكثر ندرة من غيرها. ويلفت إلى أن كثيراً من الزبائن الذين كانوا في السابق يفضلون شراء السلك الجديد أصبحوا يبحثون اليوم عن المستعمل أو يسألون عن إمكانية إصلاح الموجود لديهم، مبيّناً أن الأسعار المرتفعة ونقص المعروض جعلا الاحتفاظ بالقطع القديمة وإعادة استخدامها خياراً أكثر حضوراً في الحياة اليومية.
في حين، وجد الفلسطيني محمد ميّط، (39 عاماً) من مخيم البريج وسط قطاع غزة، في إصلاح الشواحن والأسلاك مصدراً بديلاً للرزق، بعدما فقد عمله سائقاً عقب تدمير آليات الاحتلال لمركبته ومنزله خلال الحرب. ويجلس ميّط أمام بسطته الصغيرة بجوار خيمته ويفحص الأسلاك التالفة ويعيد توصيلها مستفيداً من قطع قديمة يصعب العثور على بدائل جديدة لها. ويصلح الشواحن والوصلات الإلكترونية وأجزاء من أجهزة الحاسوب المحمولة، مستفيداً من خبرته في تحديد أماكن الأعطال وإعادة استخدام القطع المتوفرة.
ولا يحقق العمل دخلاً ثابتاً لميّط، إذ قد لا تتجاوز عائداته في بعض الأيام 30 أو 40 شيكلاً (الدولار= 2.99 شيكل)، لكنه يساعده في توفير احتياجات أسرته المكونة من ثمانية أفراد. وتأتي هذه المهنة في وقت يواجه فيه ظروفاً قاسية، فقد خسر والدته واثنين من أشقائه وأبناءهما خلال الحرب، كما يواجه ديوناً والتزامات مالية مرتبطة بمركبته التي دمرت إلى جانب فقدان عمله ومأواه.
ندرة السلع
بدوره، يقول استشاري التحول الرقمي، المهندس رامي لبد، إن سنوات الحرب وما رافقها من تدمير واسع للبنية التحتية والاستخدام المكثف للأجهزة والتوصيلات أدت إلى ندرة شديدة في الأسلاك والمستلزمات الإلكترونية داخل قطاع غزة. ويضيف لبد: "استمرار استخدام الأجهزة والتوصيلات لسنوات، في ظل صعوبة استبدالها يؤدي إلى اهترائها وتلفها، وقد تظهر على بعضها علامات احتراق أو تأكسد تؤثر على أدائها، الأمر الذي يمكن أن يتسبب في مشكلات في التوصيل الكهربائي أو نقل البيانات".
ويشير إلى أن ارتفاع الأسعار أصبح مشكلة أخرى تضاف إلى مشكلة النقص، موضحاً أن أسعار بعض أنواع الأسلاك ارتفعت إلى مستويات تصل في بعض الحالات إلى عشرة أضعاف أسعارها الطبيعية قبل الحرب.
وكذلك يلفت إلى أن المشكلة لا تقتصر على أسلاك الكهرباء، إذ تشمل أيضا توصيلات الإنترنت وتلك المستخدمة في أنظمة الطاقة والألواح الشمسية والبطاريات وأجهزة الإنفرتر. ويحذر من استخدام غير المخصصة لتحمل الأحمال الكهربائية المطلوبة، خصوصاً في أنظمة الطاقة التي تعتمد على البطاريات والألواح الشمسية.
ويبيّن لبد أن بعض فنيي الصيانة يضطرون إلى إجراء تعديلات على الشواحن لتلائم أجهزة معينة، إلا أن عدم التوافق الكامل بين الشاحن والجهاز قد يؤدي إلى أضرار في الأجهزة، خصوصاً إذا كانت المواصفات الكهربائية غير متطابقة. ويقول لبد: "النقص امتد إلى مواد وأدوات تستخدم داخل ورش الصيانة مثل مواد اللحام المستخدمة في إصلاح اللوحات الإلكترونية، بعض أنواع لفائف اللحام التي كانت تتراوح أسعارها قبل الحرب بين نحو 5 و15 شيكلاً، أصبحت تكلف اليوم قرابة 500 شيكل".
