يقترب شهر أكتوبر، ويقترب معه موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية، لكن الفلسطينيين يستقبلون هذا الموسم في واحدة من أصعب المراحل التي يعيشها المزارع منذ سنوات، فهذه المرة لا تبدو المعركة حول محصول الزيتون وحده، وإنما حول قدرة صاحبه على الوصول إلى أرضه أصلًا، فبين المستوطنات التي تتمدد، والاعتداءات التي تتصاعد، والطرق التي تغلق، والبوابات التي تتحول إلى نقاط تحكم، والقيود العسكرية التي تفرض على الحركة، يجد المزارع الفلسطيني نفسه أمام موسم قد يبدأ فيه الصراع قبل أن تصل يده إلى أول شجرة.
الزيتون في فلسطين ليس مجرد محصول زراعي موسمي، بل مصدر رزق لعائلات وقرى كاملة، وجزء من اقتصاد الريف، وعلاقة تاريخية متجذرة بين الإنسان والأرض، ولهذا فإن منع المزارع من الوصول إلى أشجاره لا يعني فقط حرمانه من ثمار موسم واحد، وإنما يعني ضرب مصدر دخل أساسي، وإضعاف قدرة الأسرة على الاستمرار في زراعة الأرض وخدمتها وحمايتها، وترك الأشجار نفسها عرضة للإهمال والاعتداء وسرقة المحصول.
لكن الأخطر أن الاعتداء على المزارع ليس الوسيلة الوحيدة لمنعه من الوصول إلى محصوله، فهناك منظومة من القيود تبدأ بإغلاق الطرق والحواجز والبوابات، وتمتد إلى فرض التنسيق المسبق والتصاريح وتحديد أيام الوصول، وتصل في بعض الحالات إلى منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم بصورة كاملة، وقد وثقت الأمم المتحدة أن الأراضي الزراعية القريبة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية أصبحت شديدة الصعوبة في الوصول إليها، وأن حالات المنع لم تعد مقتصرة على المناطق المعزولة خلف الجدار، بل امتدت إلى أراضٍ كانت متاحة للفلسطينيين في السابق.
وهنا تبرز المخاوف مع اقتراب موسم 2026 من أن يتحول منع قطف الزيتون في أجزاء من مناطق «ج» والمناطق المحاذية للمستوطنات والبؤر الاستيطانية إلى واقع أوسع، بحيث لا يكون المزارع أمام سؤال «متى أقطف؟»، وإنما أمام سؤال أكثر قسوة: «هل سيسمح لي أصلًا بالوصول إلى أرضي؟».
وقد أظهرت تجربة السنوات السابقة أن هذا الخطر ليس افتراضيًا، ففي عام 2023 بقي أكثر من 96 ألف دونم من الأراضي المزروعة بالزيتون في الضفة الغربية دون حصاد بسبب القيود الإسرائيلية على الوصول، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ، كما سجلت الأمم المتحدة منع الوصول إلى أراضٍ في مناطق «ج» كانت متاحة سابقًا دون قيود، باستخدام السواتر الترابية والبوابات المغلقة والكتل الإسمنتية وجدار الفصل العنصري ، فضلًا عن حالات منع في مناطق «ب».
وفي بعض الحالات كانت الخسارة في المحصول هائلة، ففي قرية عقابا شمال الضفة، لم يتمكن أحد المزارعين في موسم 2023 من حصاد سوى جزء محدود من محصوله بسبب إغلاق البوابة الزراعية، وانخفض إنتاجه بنسبة 78% مقارنة بأشجاره التي كان يستطيع الوصول إليها، وهذه النسبة لا تمثل محصول الضفة كلها، لكنها تكشف بوضوح ماذا يعني منع المزارع من الوصول إلى أشجاره في الوقت المناسب: الأرض موجودة، والأشجار موجودة، والثمر موجود، لكن صاحبها لا يستطيع الوصول إليه.
وهذه هي المفارقة الأقسى في المشهد الفلسطيني: أن تتحول الأرض من مصدر رزق إلى أرض لا يستطيع صاحبها الوصول إليها، وأن تتحول شجرة الزيتون التي زرعها الآباء والأجداد إلى شجرة معلقة بين الملكية على الورق والقدرة على الانتفاع بها على الأرض.
وتزداد خطورة الوضع عندما تقع الأراضي في مناطق «ج» أو في محيط المستوطنات والبؤر الاستيطانية، حيث تتداخل القيود العسكرية مع وجود المستوطنين والطرق الالتفافية والبوابات والحواجز، وقد وثقت الأمم المتحدة في موسم 2025 حالات مُنع فيها المزارعون من الوصول إلى مئات الدونمات رغم وجود ترتيبات مسبقة، كما سجلت حالات بقيت فيها آلاف الدونمات من بساتين الزيتون دون حصاد بعد توسع البؤر الاستيطانية الجديدة والاعتداءات التي منعت أصحابها من الوصول إليها.
وهكذا يصبح موسم الزيتون اختبارًا حقيقيًا لمستقبل الأرض الفلسطينية، فالمزارع يحتاج إلى الأرض طوال العام، وليس في يوم القطاف فقط ، يحتاج إلى الحراثة والتقليم والتسميد ومكافحة الآفات والعناية بالأشجار، ثم يحتاج إلى الوصول في الوقت المناسب لجمع الثمار، وقد وثقت الأمم المتحدة أن القيود على الوصول لا تضرب موسم الحصاد فقط، وإنما تؤثر في مجمل دورة الإنتاج الزراعي، بما ينعكس على إنتاجية الأشجار ودخل الأسر الزراعية.
وفي موسم 2026، تبدو الصورة أكثر قسوة، لأن المزارع يدخل الموسم في ظل توسع استيطاني واعتداءات متواصلة على القرى والأراضي الزراعية ، وقد وثقت وزارة الزراعة الفلسطينية خلال 2026 حالات متكررة من اقتلاع أشجار الزيتون وتدمير الأراضي الزراعية ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، مشيرة إلى تصاعد هذه الممارسات خصوصًا في المناطق المصنفة «ج»، كما وثقت منظمة العفو الدولية في تقرير حديث إجراءات ومصادرات جديدة في الضفة الغربية تهدد بقطع مئات العائلات عن أراضيها الزراعية وبساتين الزيتون، بالتزامن مع اقتراب موسم الحصاد.
والمشكلة هنا ليست فقط في كمية الزيتون التي قد لا تصل إلى المعاصر، وإنما في الرسالة التي يحملها منع المزارع من أرضه ، فعندما يُمنع الفلسطيني من الوصول إلى أرضه في قرية، ثم يُمنع في منطقة أخرى، ثم تُغلق الطرق الزراعية، ثم تتوسع البؤر الاستيطانية، ثم تصبح عملية الوصول مرتبطة بموافقة أو تنسيق أو تصريح، فإن الأرض تبدأ بفقدان وظيفتها بالنسبة إلى صاحبها، حتى لو بقي اسمه موجودًا في السجلات.
وهنا تكمن الخطورة الاستراتيجية: الأرض لا تُنتزع دائمًا بقرار واحد معلن، وإنما يمكن أن تتغير علاقة الإنسان بها تدريجيًا، يبدأ الأمر بمنع الوصول، ثم يتراجع الحصاد، ثم تتراجع العناية بالأشجار، ثم ينخفض الإنتاج، ثم تصبح الأرض أقل قدرة على إعالة أصحابها، وفي الوقت نفسه تتقدم المستوطنات والبؤر الاستيطانية نحوها ، ومع مرور السنوات يصبح الواقع الميداني مختلفًا عن الواقع الذي كان قائمًا في السجلات والذاكرة.
ولذلك فإن الحديث عن منع قطف الزيتون في مناطق «ج» أو في الأراضي المحاذية للمستوطنات والقرى وأطراف المدن يجب ألا يُقرأ باعتباره إجراءً موسميًا عابرًا، فحين يُحرم المزارع من محصوله، تُحرم أسرته من دخلها، وحين تُترك الأشجار دون خدمة، يتراجع إنتاجها، وحين يتكرر منع الوصول، تتآكل علاقة الإنسان بأرضه، ومن هنا يصبح الزيتون جزءًا من معركة أكبر على البقاء الزراعي والديموغرافي والاقتصادي في الضفة الغربية.
المفارقة أن الفلسطيني لا يطلب موسمًا استثنائيًا، ولا امتيازًا خاصًا، ولا أرضًا جديدة؛ هو يريد الوصول إلى شجرته، وقطف ثمارها، ونقلها إلى المعصرة، وبيع الزيت ليعيش من أرضه، لكن هذا الحق البسيط أصبح في أجزاء من الضفة يحتاج إلى مواجهة البوابات والحواجز والاعتداءات والقيود والتنسيق والتصاريح، وأحيانًا إلى وجود متضامنين وشهود لحماية المزارع أثناء قطف محصوله.
لقد أظهرت تجربة 2025 إلى أي حد يمكن أن يصبح موسم الزيتون ساحة للمواجهة ، فالأمم المتحدة وثقت اتساع نطاق الاعتداءات مقارنة بالسنوات السابقة، بينما أشارت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن فقدان
المزارعين القدرة على الوصول إلى أراضيهم وتضرر أشجارهم لم يعد يهدد دخلهم فقط، بل ينعكس على حياة القرى والمجتمعات المحيطة بأكملها.
وفي 2026، تبدو المعركة أكثر وضوحًا: إما أن يبقى الزيتون مصدر رزق وارتباط بالأرض، أو يتحول موسم الحصاد نفسه إلى موسم جديد من المنع والخوف والخسارة.
لهذا فإن أكتوبر المقبل لن يكون مجرد موعد لبدء قطف الزيتون ، سيكون اختبارًا لما إذا كان المزارع الفلسطيني سيتمكن من الوصول إلى أرضه، وما إذا كانت شجرة الزيتون ستبقى رمزًا حيًا للارتباط بالأرض أم تصبح شاهدًا على أرض يستطيع صاحبها أن يثبت حقه فيها، لكنه لا يستطيع الوصول إليها.
فالمعركة ليست على الزيتون وحده، وإنما على من يملك الأرض، ومن يستطيع الوصول إليها، ومن يستطيع زراعتها، ومن يستطيع أن يحصد ثمرها، ومن يستطيع أن يبقى فيها ، وإذا حُرم الفلسطيني من قطف زيتونه، فإن الخسارة لا تُقاس بعدد الصناديق التي لم تصل إلى المعاصر، بل بما تعنيه تلك الخسارة لعلاقة الإنسان بأرضه ومستقبل وجوده عليها.
