حين يصل المشتاح الخشبي إلى محمود فياض، لا يبقى مجرد منصة حملت بضائع عبر المعابر، إذ يُفرز الخشب الجيد عن المكسور، وتُفصل القواعد، وتُنتزع المسامير وتُقوّم لاستخدامها من جديد، وحتى النشارة الناتجة عن الفك والقص تجد من يشتريها.
تحولت المشاتيح خلال الحرب إلى مادة خام لسوق كاملة
بهذه الطريقة تحولت المشاتيح خلال الحرب إلى مادة خام لسوق كاملة. يصل سعر المشتاح الواحد إلى نحو 100 شيقل وفق حالته وجودته، فيما يباع كيلو الخشب بنحو عشرة شواقل، والقاعدة السفلية بخمسة شواقل، وكيلو النشارة بالسعر نفسه. أما المسامير، فخمسة كبيرة منها تباع بنحو شيقلين، أو عشرة صغيرة بالمبلغ ذاته.
بالنسبة إلى المختص في الشؤون الاقتصادية أحمد أبو قمر، لا يمكن فهم هذه الأسعار من خلال القيمة الأصلية للمشطاح، أو حقيقة أنه يدخل إلى غزة محملًا بالبضائع وليس كسلعة مستقلة.
يقول أبو قمر إن "الحاجة هي التي تحدد قيمة الأشياء"، موضحًا أن نقص الأخشاب والطلب عليها، مع محدودية دخول المواد الخام، خلقا ما يسميه "اقتصاد الضرورة"، حيث يحاول الناس تدبير احتياجاتهم بما هو متاح، بالتوازي مع "اقتصاد الندرة" الذي يرفع أسعار المواد كلما تقلصت البدائل.
وتظهر بيانات الأمم المتحدة جانبًا من هذه الندرة. ففي 26 آب/أغسطس، رفضت السلطات الإسرائيلية إدخال 36,960 قطعة خشب مخصصة للمأوى عبر الممر المصري، ثم رفضت الشحنة مجددًا في 2 أيلول/سبتمبر. وفي الوقت نفسه، كانت أكثر من 442 ألف قطعة خشب أخرى تنتظر التخليص، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
سوق لا يهدر شيئًا
يعرف النجار عمر الحاج، من النصيرات، كيف تغيرت قيمة الخشب خلال الحرب. في بدايتها، كان يجمع ما يستطيع استخدامه من أخشاب البيوت التي تعرضت للقصف، ويعيد تشغيلها لكسب رزقه. ومع عودة دخول البضائع عبر المعابر، ظهرت المشاطيح كمصدر جديد للعمل.
يقول الحاج: "مع الحرب كنت ألم الأخشاب اللي بتطلع من قصف البيوت وأترزق منها، وبعد ما دخلت البضائع من المعابر، كثير تجار لقوا ضالتهم بخشب المشاطيح. صار المشطاح ينباع من 30 شيقل لحد 100 حسب جودته، وبعدها صاروا يفككوه ويبيعوا كل حاجة فيه لحالها، ألواح وعراضات وقواعد ومسامير وحتى النشارة".
يصنع الحاج اليوم من هذه الأخشاب أثاثًا بحسب ما يتوفر من قماش وإسفنج ومواد أخرى. ويقدر تكلفة طقم كنب جيد بين أربعة وخمسة آلاف شيقل، لكنه يشير إلى أن هذا النوع من العمل يحتاج إلى رأس مال لا يمتلكه جميع النجارين.
يضيف: "في نجارين ما معهم رأس مال يدخلوا بشغل الكنب. وفي ناس بتشتغل تجميع وتركيب، كشك صغير أو كبير، أو كراسي بدون تنجيد. يعني الشغل مفتوح والحمد لله".
في إحدى حلقات هذه السوق، يعمل محمود فياض، تاجر خشب المشاطيح، الذي يحصل عليها من تجار تدخل بضائعهم عبر المعابر ثم يعيد فرزها.
"المشاطيح المنيحة لحال، والمضروبة لحال، والألواح الممتازة إلها سعر والمكسرة إلها سعر"، يقول فياض. وحتى المسامير المستخرجة من الخشب، يستعين بعمال لتقويمها وإعادة بيعها.
يرفض فياض اعتبار الأسعار مجرد استغلال لحاجة الناس، ويقول إن الحصول على المشاطيح ونقلها وفرزها وفكها يحتاج إلى عمل وكلفة، وإن السوق نفسها فتحت أبواب رزق لأشخاص يعملون في التفكيك والفرز والنقل والنجارة.
ويضيف: "حتى النشارة والخشب الدقيق اللي بيطلع من الفك والتكسير في ناس بتحتاجه وبتدفع ثمنه، إشي للنار وإشي لوقيد الأفران البلدية".
يرى أبو قمر في ذلك نموذجًا مباشرًا لاقتصاد الضرورة. فالأسر والعمال يعيدون استخدام كل ما هو متاح لأن البدائل إما مفقودة أو مكلفة. ويشير إلى أن الظاهرة لا تقتصر على المشاطيح، بل تمتد إلى أخشاب ومواد وأجهزة تستخرج من الركام وتصلح أو يعاد استخدامها.
لكنه يحذر من التعامل مع هذه القدرة على التكيف باعتبارها حلًا اقتصاديًا. فالبدائل نفسها أصبحت باهظة في وقت تراجعت فيه الدخول والقدرة الشرائية.
بديل لا يخلو من الكلفة
لم يعد الطلب على المشاطيح محصورًا بالنجارة. فأصحاب بيوت متضررة يستخدمونها لإغلاق فتحات خلفها القصف أو لصناعة فواصل مؤقتة بدل الجدران.
ومن أجل إغلاق جدار غرفة متضررة بالقصف، بطول ثلاثة أمتار وعرض أربعة أمتار، مع ترك مساحة لنافذة، قُدرت الحاجة بنحو 150 إلى 160 لوحًا، بكلفة تتراوح بين 1500 و1600 شيقل للخشب وحده. أضيف إليها 300 شيقل تقريبًا للعراضات، و100 شيقل للبراغي ومواد التثبيت، ونحو 30 شيقلًا للكهرباء اللازمة لتشغيل الأدوات، و300 شيقل أجرة عمل، و100 شيقل لشادر صغير للنافذة.
