21.12°القدس
20.88°رام الله
19.96°الخليل
26.32°غزة
21.12° القدس
رام الله20.88°
الخليل19.96°
غزة26.32°
الأحد 27 سبتمبر 2026
4.04جنيه إسترليني
4.3دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.47يورو
3.05دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.04
دينار أردني4.3
جنيه مصري0.06
يورو3.47
دولار أمريكي3.05

تقارير "فلسطين الآن"..

الطبقة الوسطى في غزة.. من صمام أمان مجتمعي إلى الانهيار والتلاشي الشامل

خاص-فلسطين الآن

لم تكن آلة الحرب الإسرائيلية المشرعة على قطاع غزة تستهدف البنى التحتية والمباني السكنية فحسب، بل امتدت نيرانها لتلتهم الهيكل الاجتماعي والاقتصادي الذي يمثل صمام الأمان للمجتمع الغزي، ومن بين أبرز التحولات القسرية والعميقة التي أفرزها هذا العدوان المستمر، برز التلاشي الكامل والممنهج للطبقة الوسطى، التي لطالما شكلت الرافعة الثقافية والاقتصادية للقطاع، لتتحول في غضون أشهر إلى فئة تبحث عن مقومات البقاء البيولوجي الأساسية وسط ركام النزوح والدمار الممتد.

هذا التآكل السريع لبنية المجتمع الغزي جاء نتيجة مباشرة لسياسات الاحتلال الهادفة إلى تدمير المنشآت الاقتصادية، والمؤسسات التعليمية، والمراكز الطبية والشركات الخاصة التي كانت تشغل آلاف الخريجين والمهنيين، ومع توقف الرواتب وإنهاء الأعمال وفقدان المدخرات بالكامل، تساوت الرؤوس في المعاناة، وانمحت الفوارق الطبقية التي كانت تفصل بين ميسوري الحال ومحدودي الدخل، ليقف الطبيب والمهندس والمدرس والموظف في الطابور ذاته بانتظار سلة مساعدات غذائية لا تسد الرمق، في مشهد يختزل قسوة الكارثة الإنسانية غير المسبوقة.

وتشير التقارير الصادرة عن الجهات الحقوقية والاقتصادية، ومن بينها ما رصدته صحيفة الحدث الفلسطينية، إلى أن أكثر من 90% من سكان قطاع غزة قد هووا بالفعل إلى ما دون خط الفقر المدقع، نتيجة الانهيار الاقتصادي الشامل وافتقاد السيولة النقدية، فضلاً عن قيود الحصار المطبق الذي يفرضه الاحتلال على المعابر كافة.

هذا التحول لم يكن مجرد أزمة مالية عابرة، بل عملية "هندسة فقر" ممنهجة أفرغت البيوت من مدخراتها ومقتنياتها، ودفعت بالفئات المنتجة إلى قاع العوز والاعتماد الكلي على المعونات الإغاثية الشحيحة.

خطورة هذا المشهد تتجاوز البعد المادي المباشر لتطال النسيج النفسي والاجتماعي للأسرة الفلسطينية في غزة؛ إذ إن غياب الطبقة الوسطى التي تمتص الصدمات والأزمات السياسية والاقتصادية جعل المجتمع مكشوفاً أمام تداعيات مدمرة، فالآباء الذين كانوا يمثلون النخبة الأكاديمية والمهنية باتوا يعانون اليوم صدمة الهبوط الطبقي الحاد وعقدة التقصير الجسيمة لعدم قدرتهم على تلبية أدنى متطلبات أطفالهم، وهو ما يهدد بآثار مجتمعية بعيدة المدى، تعيد تشكيل مستقبل القطاع على أسس من الهشاشة والحرمان التام.

الانكسار الصامت..

 

في خيمة صغيرة مهترئة غربي مدينة خان يونس، يجلس المهندس المعماري أحمد عبد الرحمن، الذي أمضى أكثر من خمسة عشر عاماً في تصميم الأبراج والمباني السكنية الحديثة في غزة، يتأمل يديه اللتين اعتادتا إمساك أقلام الرسم الهندسي وتدقيق المخططات، وهما الآن منشغلتان بتقطيع الحطب لإيقاد نار يطهو عليها ما جاد به المطبخ الخيري من طعام قليل لزوجته وأطفاله الأربعة، يقول أحمد بنبرة يملأها الانكسار الصامت إنه لم يتخيل يوماً أن يرى مكتبه الهندسي الفاخر يتحول إلى ركام، وأن يصبح منزله الذي بناه بجهد عمره أثراً بعد عين، ليجد نفسه مجرداً من كل شيء سوى ملابس رثة يرتديها منذ أشهر نبي مأوى مؤقت لا يقي حر الصيف ولا برد الشتاء.

ويضيف عبد الرحمن في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن الصدمة الحقيقية لم تكن في خسارة الجدران والأثاث فحسب، بل في الانهيار التام للمكانة الاجتماعية والمهنية التي شيدها بالعمل الدؤوب، حيث تحول من شخص يساهم في إعمار البلد وتشغيل العشرات من العمال والبنائين، إلى نازح ينتظر في طوابير طويلة لساعات طويلة للحصول على بضع ليترات من المياه غير الصالحة للشرب، أو حصة تموينية تحتوي على معلبات بسيطة، هذا التحول القسري جعله يشعر بعجز خانق أمام أبنائه الذين يطلبون منه أشياء بسيطة كان يوفرها لهم بلمح البصر، بينما يعجز اليوم عن تلبية رغباتهم، مما يولد لديه ضغطاً نفسياً متواصلاً يشاركه فيه معظم زملائه من المهندسين والموظفين الذين يعيشون الظروف ذاتها في مخيمات اللجوء.

ويختتم المهندس الغزي حديثه بالإشارة إلى أن غياب أي أفق لانتهاء العدوان أو بدء عملية إعادة الإعمار الحقيقية يعمق من مأساة جيله المهني، حيث تبددت المدخرات البنكية بالكامل بسبب الارتفاع الجنوني في أسعار المواد الأساسية وشح السيولة، موضحاً أن الفوارق الاقتصادية التي كانت تميز بين المهندس والعامل البسيط قد تلاشت تماماً تحت سقف المعاناة الواحد، فالجميع اليوم يبحث عن النجاة البيولوجية الأساسية، وبات البقاء على قيد الحياة ومأكل الأبناء هو الإنجاز الأسمى الذي يطمح إليه من كان بالأمس يخطط لمشاريع عمرانية ضخمة تغير وجه المدينة.

الحرب سحقت المقومات الأساسية..

 

أما الدكتورة مريم الحمارنة، أخصائية طب الأطفال التي كانت تدير عيادتها الخاصة وتعمل في أحد أكبر مستشفيات القطاع، فتصف واقعها الحالي بأنه تجسيد حي لـ"مأساة النخبة" في غزة، حيث تقطن الآن في خيمة مكدسة بالنازحين بمدينة دير البلح وسط القطاع بعد تدمير منزلها وعيادتها بالكامل، مريم التي كانت تمثل نموذجاً للمرأة الغزية العصامية ومصدر أمان مالي واجتماعي لعائلتها، تجد نفسها اليوم عاجزة عن شراء الحليب المجفف أو الأدوية البسيطة لأطفالها، وتعتمد مثل بقية جيرانها في المخيم على الطرود الإغاثية التي توزعها وكالات الأمم المتحدة بين الحين والآخر.

وتشير التلمساني في حديثها لـ"فلسطين الآن" إلى أن طبيعة عملها الطبي لم تتوقف رغم النزوح، إذ تحاول تقديم استشارات طبية مجانية للأطفال المرضى داخل مخيمات اللجوء الذين يعانون من انتشار الأوبئة والأمراض الجلدية والمعوية نتيجة تلوث المياه وانعدام الصرف الصحي، لكنها تفعل ذلك بأدوات بدائية للغاية وبدون توفر الأدوية الأساسية، هذه المفارقة المؤلمة، حسب وصفها، تجعلها تشعر بالقهر اليومي؛ فهي طبيبة قادرة على تشخيص المرض ومساعدة الآخرين علمياً، لكنها اقتصادياً ومادياً نازحة لا تملك ثمن الدواء لعلاج هؤلاء الأطفال أو حتى تأمين وجبة غذائية صحية ومتكاملة لعائلتها لتقيهم سوء التغذية المستشري.

وتؤكد الدكتورة مريم أن الحرب الممنهجة قد سحقت المقومات الأساسية التي كانت تضمن استقرار عائلات الأطباء والمدرسين وموظفي الشركات الكبرى، مفرغةً المجتمع من صمام أمانه الثقافي والمادي.

 وترى أن التساوي القسري في العوز والحاجة بين جميع فئات المجتمع الغزي يعكس رغبة الاحتلال في تحويل شعب بأكمله، بمثقفيه وعلمائه وأطبائه، إلى مجرد متلقين للمساعدات الإنسانية غارقين في تفاصيل التدبير اليومي للحياة، مما يطمس معالم الهوية المهنية ويدفع بالطبقة التي كان يعول عليها لبناء المستقبل إلى حافة الصراع من أجل البقاء الأساسي فقط.

انهيار هيكلي شامل..

 

من جانبه، يوضح المختص في الشأن الاقتصادي، الدكتور محمد الدريملي، في تصريحات صحفية، أن ما يشهده قطاع غزة يتجاوز بمراحل المفهوم التقليدي للركود أو الأزمات الاقتصادية الناجمة عن الحروب، بل هو انهيار هيكلي شامل أدى إلى تلاشي الطبقة الوسطى بالكامل، وهي الطبقة التي تمثل عادةً محرك الاستهلاك الرئيسي وضامن الاستقرار المالي والمجتمعي في أي بلد.

ويشير الدريملي إلى أن سياسات الاحتلال المعتمدة على التدمير الممنهج للمنشآت والشركات الخاصة قد جففت مصادر الدخل الخاصة وجعلت فئات واسعة من الموظفين والأكاديميين والمهنيين بلا عمل أو رواتب منتظمة.

ويرى الخبير الاقتصادي أن غزة تعيش اليوم نمطاً مستحدثاً يمكن تسميته بـ"اقتصاد الضرورة الإغاثي"، وهو نظام معيشي يقتصر فيه النشاط الاقتصادي على محاولة تأمين الاحتياجات الحيوية الدنيا من طعام ومياه بالاعتماد الكلي على المساعدات الخارجية والطرود الإنسانية، مبيناً أن هذا النمط أدى بصورة حتمية إلى محو الفوارق الاقتصادية والطبقية بين مكونات المجتمع الغزي، حيث تلاشت القوة الشرائية تماماً، وارتفعت معدلات الفقر لتتجاوز 90%، بالتزامن مع شح حاد في السيولة النقدية وارتفاع فلكي في أسعار السلع الشحيحة المتوفرة بالأسواق نتيجة القيود الصارمة على المعابر وتكاليف النقل الباهظة.

وينوه الدريملي إلى أن خطورة زوال الطبقة الوسطى تكمن في مرحلة ما بعد الحرب؛ إذ إن إفراغ المجتمع من فئته المتعلمة والمستقرة مادياً يجرده من "الطبقة العازلة" التي تمتص الهزات الاجتماعية والاقتصادية، مما يجعل بنية القطاع هشة ومستنزفة على المدى الطويل.

وأكد أن عملية إعادة الإعمار المستقبلية لا يجب أن تقتصر على إعادة بناء الحجر والمباني المدمرة فحسب، بل يجب أن ترتكز بالأساس على صياغة مشروع اقتصادي وسياسي متكامل يعيد بناء الإنسان، ويحيي القطاعات الإنتاجية والخدمية الكفيلة ببعث الطبقة الوسطى من جديد كشرط أساسي لاستعادة التوازن الأهلي والتنموي في فلسطين.

 

 

 

 

 

المصدر: فلسطين الآن