24.92°القدس
24.68°رام الله
23.66°الخليل
27.33°غزة
24.92° القدس
رام الله24.68°
الخليل23.66°
غزة27.33°
الأحد 04 أكتوبر 2026
4.04جنيه إسترليني
4.3دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.44يورو
3.05دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.04
دينار أردني4.3
جنيه مصري0.06
يورو3.44
دولار أمريكي3.05

تقارير "فلسطين الآن"..

أشلاء وطن تحت الخيام.. غزة تواجه الشتاء بثلاثية الإبادة والركام والأوبئة المتربصة

خاص-فلسطين الآن

في غزة، لم يعد السؤال الذي يطارد العائلات المكلومة هو: متى تنتهي الحرب؟ بل كيف يمكن أن تستمر الحياة وتتنفس وسط هذا الركام الممتد على طول القطاع وعرضه؟ وبعد ثلاث سنوات عجاف من حرب الإبادة الجماعية والدمار الشامل والنزوح القسري المتكرر، لا تزال غزة تعيش واقعاً إنسانياً بالغ القسوة وفوق الطاقة البشرية، رغم التوصل إلى اتفاق التهدئة الساري منذ الحادي عشر من أكتوبر الماضي وتراجع حدة المعارك البرية مقارنة بالمراحل الأشد عنفاً، إلا أن خروقات الاحتلال اليومية وقذائفه الغادرة ما زالت تحصد الأرواح وتعمق المأساة الحاضرة في تفاصيل النهار والليل.

إن المأساة الإنسانية الكارثية في غزة لا تختصرها أرقام الشهداء والجرحى وحدها على ضخامتها الفاجعة، فخلف كل رقم قصة وجع وعائلة فلسطينية فقدت منزلاً تراكمت فيه الذكريات، أو مصدر رزق استحال رماداً، أو شخصاً عزيزاً تحوّل غيابه المفاجئ إلى فراغ دائم ينبش صدور الفاقدين.

ومع استمرار الحصار الخانق وإغلاق المعابر الحيوية، تحولت غزة إلى سجن كبير معزول عن العالم، يعاني فيه المواطنون الأمرين في سبيل الحصول على أدنى مقومات البقاء، بينما يواصل الاحتلال التلاعب بملفات الإغاثة وإدخال المساعدات والمستلزمات المعيشية كأداة لعقاب الحاضنة الشعبية الصامدة للمقاومة.

ومع اقتراب موسم الأمطار والمنخفضات الجوية الخريفية الشديدة، تبدو أوضاع مئات آلاف النازحين أكثر مأساوية وضراوة؛ إذ يواجهون شتاءً رابعاً تحت ثنائية البرد القارس والخيام المهترئة التي لا تقي حرّاً ولا تدفع مطراً، مئات الآلاف من العائلات يتكدسون اليوم في مواقع نائية وملاجئ مؤقتة ومناطق منخفضة مهددة بالغرق، وسط انعدام شبه كامل للبنية التحتية وشبكات الصرف الصحي التي دمرتها آلة الحرب الصهيونية، وفي ظل قيود تعجيزية ونقص حاد في التمويل يفرضه الاحتلال لعرقلة جهود وكالات الإغاثة الدولية والمحلية لتجهيز هذه المواقع وتحسين تصريف المياه وتوفير الأغطية والشوادر البلاستيكية الضرورية.

هكذا تتبدى غزة اليوم بصورتها الحقيقية؛ مدينة صابرة تتمسك بأبسط مقومات الحياة والكرامة الإنسانية، بينما لا تزال آثار العدوان الإسرائيلي الهمجي غائرة وشاهدة في البيوت المهدمة، والمستشفيات المنهكة كلياً، ومخيمات اللجوء الطافية على مياه الصرف الصحي، وشح المياه الصالحة للشرب، والخوف المستمر الذي لم يغادر النفوس.

وفي كل يوم يمر، لا ينتظر سكان القطاع نهاية المعاناة السياسية فحسب، بل يتوقون لأن يصبح مجرد البقاء على قيد الحياة أمراً طبيعياً غير محفوف بالمخاطر، وأن يأتي اليوم الذي يستطيع فيه الطفل الفلسطيني الذهاب إلى مدرسته بحرية وأمان، وتعود العائلة المشتتة إلى بيت وعنوان دائم لا يحتاج إلى خيمة مهلهلة تُنصب فوق أنقاضه.

 

الموت غرقاً وبرداً يتربص بأهل الخيام..

وأطلقت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) تحذيراً شديد اللهجة، مؤكدة أن أكثر من 1.5 مليون نازح فلسطيني يعيشون حالياً في خيام قماشية وبلاستيكية مهترئة وممزقة بفعل العوامل الجوية على مدار السنوات الماضية، مشيرة إلى أن هذه الخيام باتت غير صالحة بتاتاً للاستخدام البشري ولا توفر أدنى حد من الحماية ضد الرياح العاتية والأمطار الغزيرة المتوقعة مع منخفضات فصل الشتاء الجوية الصعبة.

من جانبها، حذرت منظمة الصحة العالمية من كارثة إنسانية وصحية وشيكة ومضاعفة داخل مخيمات ومراكز نزوح قطاع غزة، موضحة أن تدفق مياه الأمطار واختلاطها بمياه الصرف الصحي المكشوفة وتلال النفايات المتراكمة بين الخيام سيؤدي إلى خلق بيئة خصبة لانتشار الأمراض المنقولة بالمياه، وسط عجز المنظمات الإغاثية عن إدخال الشوادر والملابس الشتوية ووسائل التدفئة الآمنة نتيجة الحظر الإسرائيلي المفروض على المعابر.

وفي السياق ذاته، أكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن بلدات ومخيمات القطاع، ولا سيما في محافظتي غزة والشمال والمناطق المنخفضة في خانيونس ودير البلح، تقف على أعتاب غرق كامل وشلل شامل؛ نظراً لتدمير الاحتلال المتعمد لقرابة 85% من شبكات الصرف الصحي ومصارف مياه الأمطار، محذراً من أن انعدام الوقود اللازم لتشغيل مضخات البلديات المتبقية سيحول مخيمات النازحين إلى مستنقعات مائية معزولة وموبوءة تتهدد حياة الأطفال والنساء.

بدورها، شددت لجنة الطوارئ الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني بقطاع غزة على أن الشتاء الحالي سيكون الأقسى والأخطر على حياة النازحين منذ بدء حرب الإبادة الجماعية، لافتة إلى أن سوء التغذية الحاد ونقص الأمن الغذائي أضعف المناعة الجسدية لآلاف الأطفال والمسنين، مما يجعلهم عرضة للإصابة بأمراض الشتاء القاتلة والالتهابات الرئوية الحادة، ومطالبة المجتمع الدولي بالضغط الفوري لكسر الحصار وإدخال الكرفانات والمساكن الجاهزة بشكل عاجل لإنقاذ الأرواح.

الأوبئة الفتاكة تحاصر منظومة صحية محطمة..

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة أن المستشفيات والمراكز الطبية المتبقية في القطاع تعمل بكفاءة متدنية للغاية ولا تتجاوز 15% من قدرتها الاستيعابية السابقة، نتيجة لتدمير الاحتلال الممنهج للبنية الطبية واستمرار منع إدخال الأجهزة الحيوية وقطع الغيار والأدوية والمستهلكات الطبية، مشيرة إلى أن المنظومة الصحية باتت عاجزة كلياً عن التعامل مع التدفّق اليومي الكثيف للمرضى والمصابين، بالتزامن مع تفشي مئات آلاف الإصابات بالأمراض الجلدية والمعوية الحادة.

وأكدت منظمة "أطباء بلا حدود" الدولية في تقرير ميداني صادم، أن الاكتظاظ السكاني الهائل والخانق في مراكز الإيواء والمخيمات المؤقتة، مع انعدام المياه النظيفة للغسيل والشرب، ساهم في انتشار وبائي وقياسي لمرض التهاب الكبد الوبائي (A)، والأمراض الجلدية المعدية مثل الجرب الشديد والالتهابات البكتيرية الطفيلية، لافتة إلى أن طواقمها الطبية ترصد يومياً آلاف الحالات بين الأطفال الذين يعيشون في بيئة ملوثة تفتقر لأبسط شروط النظافة والرعاية الصحية الأولية.

من ناحيتها، حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) من أن الأزمة الصحية الراهنة تشهد طفرات خطيرة؛ إذ سُجلت آلاف الحالات من النزلات المعوية الحادة والتهابات الجهاز التنفسي والجلدية بين الأطفال الرضع والناشئين في الخيام نتيجة للاكتظاظ والتلوث، منبهة إلى أن النقص الحاد في اللقاحات الأساسية والمكملات الغذائية للأمهات الحوامل والأطفال يهدد بانهيار مناعي كامل لجيل بأكمله، مما يرفع احتمالات حدوث وفيات مفاجئة جراء أمراض كان يمكن الوقاية منها بسهولة.

وفي إطار رصد الكارثة البيئية والطبية المشتركة، حذر برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) بالتنسيق مع سلطة جودة البيئة الفلسطينية، من أن تسرب مياه الصرف الصحي إلى الخزان الجوفي الساحلي في غزة وتراكم مئات آلاف الأطنان من الأنقاض والنفايات الطبية والصلبة في الشوارع وبين الخيام، خلّف دماراً بيئياً طويل الأمد، مؤكداً أن تلوث الهواء والتربة والمياه العذبة بات المسبب الأول لانتشار السرطانات والأمراض التنفسية والفشل الكلوي المزمن، وهو ما يمثل حكماً بالموت البطيء يلاحق سكان القطاع المحاصرين.

 

المصدر: فلسطين الآن