تحولت أزقة وحواري مخيم جباليا ومدينة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة المكلوم إلى "ثقوب سوداء" إستراتيجية ومقابر جماعية حقيقية ابتلعت ألوية النخبة بجيش الاحتلال الصهيوني، وحطمت كبرياء آلته العسكرية البرية المتمثلة في دبابات "الميركافا" المفخرة وجرافات "الـ D9" المحصنة وناقلات الجند المتطورة.
وجاء هذا الصمود الأسطوري الباسل لأبطال المقاومة الفلسطينية ليفشل ما عُرف بـ"خطة الجنرالات" وحصار التجويع المطبق، بعد أن تحولت الأرض تحت أقدام الغزاة إلى جحيم مستعر وحقل ألغام متفجر مستمر، مجبرةً قوات الاحتلال على التراجع الميداني القسري وإعادة تموضعها ذليلة خارج الأحياء السكنية تحت وطأة الضربات النوعية المتلاحقة والخسائر البشرية والمادية الفادحة التي تكبدتها في معارك الشوارع من المسافة صفر.
ويأتي هذا التقرير العسكري والميداني المفصل ليرصد بالأرقام والوقائع الدامغة حجم المحرقة التي تعرضت لها القوات الإسرائيلية المهاجمة في شمال وادي غزة، وكيف تحولت العقيدة الدفاعية الهجومية للمقاومة إلى نموذج يدرس في كسر غطرسة القوة وإفقاد المهاجمين كافة الميزات التكنولوجية والاستخباراتية.
استنزاف "الميركافا" وتدمير سلاح الهندسة الصهيوني..
وتتحدث لغة الأرقام والتوثيقات الميدانية الصارمة، الصادرة عن الإعلام العسكري لفصائل المقاومة، عن محرقة حقيقية للمدرعات الصهيونية في أزقة الشمال وجحيم لا يطاق لآليات العدو؛ حيث جرى استنزاف وتدمير وإعطاب مئات الآليات العسكرية التابعة لجيش الاحتلال منذ بدء الهجوم البري الواسع على مخيم جباليا ومدينة بيت لاهيا ومحيطهما.
وشملت هذه الخسائر الفادحة دبابات "ميركافا 4" (الجيل الرابع) التي طالما تباهى الاحتلال بأنها المنظومة الأكثر أماناً وجنزرة في العالم، بالإضافة إلى ناقلات الجند المحصنة من طراز "النمر" (النمر المدرعة)، وجرافات العسكرية الضخمة من طراز "D9" التابعة لسلاح الهندسة الإسرائيلي.
وتمكن مقاتلو المقاومة الفلسطينية، عبر تخطيط تكتيكي دقيق، من تحويل هذه الآليات الضخمة المصنوعة أساساً لخوض حروب الجيوش النظامية في المساحات المفتوحة، إلى توابيت متفحمة ومحترقة للجنود والضباط بداخلها، وذلك بعد اصطيادها واستهدافها بقذائف "الياسين 105" المترادفة والمضادة للدروع، وقذائف "التاندوم"، وعبوات العمل الفدائي الملصقة ببدن الدبابات مباشرة من المسافة صفر.
هذا النزيف الحاد في سلاح المدرعات والهندسة أفقد آليات الاحتلال ميزتها الحمائية وقدرتها المناورية، وجعل تحركها داخل شوارع جباليا وبيت لاهيا الضيقة والمعقدة أشبه بانتحار عسكري محتم، حيث يتربص المقاتلون بكل جنزير وعجلة تتقدم فوق التراب الفلسطيني.
ولم تقتصر الخسائر الإسرائيلية على تدمير الدبابات الفردية، بل امتدت لتشمل تدمير خطوط الإمداد اللوجستي للجيش المقتحم؛ إذ استهدفت المقاومة شاحنات نقل الوقود والذخيرة، وآليات الإنقاذ العسكرية التي كانت تحاول سحب المدرعات المعطوبة، مما خلق حالة من الشلل الميداني في صفوف قوات الاحتلال، وأجبر أطقم الدبابات في كثير من الأحيان على إخلاء آلياتهم والهروب تحت غطاء ناري كثيف، تاركين خلفهم حطاماً متفحماً يشهد على انكسار هيبة التكنولوجيا العسكرية الصهيونية أمام إرادة المقاتل الفلسطيني.
هروب النخبة..
هذا الاستنزاف المهول للمعدات العسكرية الثقيلة رافقه، بطبيعة الحال، نزيف بشري حاد وغير مسبوق في صفوف ضباط وجنود ألوية النخبة بجيش الاحتلال، مما أحدث تصدعات عميقة في الروح القتالية للقوات المهاجمة.
وفي هذا السياق، اضطرت ألوية عسكرية مركزية ونخبوية، وفي مقدمتها لواء "كفير" (اللواء 900 المتخصص تاريخياً في حرب العصابات ومواجهة المدن والمخيمات المعقدة) ولواء "ليور" والكتائب المدرعة المساندة لهما، إلى الانسحاب قسرياً والتراجع إلى الخلف من عمق الأحياء السكنية المكتظة في جباليا وبيت لاهيا.
وجاءت هذه الانسحابات الميدانية المذلة بعد تلقي هذه الألوية ضربات قاصمة وموجعة أسفرت عن مقتل وإصابة المئات من عناصرها، من بينهم رتب عسكرية رفيعة وقادة فصائل وسرايا ومجموعات اقتحام.
وأقرت الدوائر العسكرية والصحفية العبرية في تل أبيب بأن القتال في الشمال الفلسطيني بات يمثل استنزافاً بلا أفق وبكلفة بشرية ونفسية باهظة لا تطيقها الجبهة الداخلية للاحتلال ولا طاقة للجيش النظامي أو الاحتياط على تحملها لفترات أطول.
هذا التراجع العملي على الأرض شكل إعلاناً صريحاً وفشلاً ذريعاً للحصار العسكري الصهيوني الذي أراد إخضاع الشمال وتفريغه من أهله بالقوة والنار.
وتشير التقارير الاستخباراتية والميدانية إلى أن قيادة جيش الاحتلال حاولت مراراً استبدال القوات المنهكة بقوات جديدة من الاحتياط، إلا أن تلك القوات سرعان ما وقعت في ذات الشرك القاتل وتكبدت خسائر مماثلة خلال أيام وجيزة من زجها في المعركة.
هذا الواقع المرير خلق حالة من التمرد الصامت والعلني بين جنود الاحتياط الذين رفض بعضهم العودة للخدمة في قطاع غزة، معتبرين أن إرسالهم إلى أزقة جباليا وبيت لاهيا هو بمثابة حكم بالإعدام لخدمة مصالح سياسية ضيقة لحكومة نتنياهو الفاشية، مما سرّع من وتيرة الانسحابات العسكرية القسرية وإفشال مخططات الحزام الأمني المحيط بالشمال.
هندسة الدفاع الفدائي..
ويعود الفضل الأساسي والإستراتيجي في إفشال هجوم الاحتلال البري وإفقاده تماماً لعنصر المباغتة والمبادأة، إلى العبقرية الفذة للتكتيكات الدفاعية وحرب الاستنزاف الذكية التي أدارتها قيادة المقاومة الفلسطينية باقتدار وثبات؛ حيث استند المقاتلون في صد الهجمات إلى ثلاثة ركائز تكتيكية مرعبة أربكت حسابات قيادة أركان العدو حيث اعتمدت المقاومة على تفخيخ فتحات الأنفاق الإستراتيجية وشبكات المترو الأرضية؛ حيث كان يتم استدراج قوات النخبة الصهيونية ووحدات الهندسة والكلاب المدربة إلى داخل هذه الفتحات أو محيطها، ومن ثم تفجيرها بركام من العبوات البرميلية وشديدة الانفجار، مما أدى لدفن قوات كاملة تحت التراب وتحويل التسلل الأرضي إلى مقابر فورية لجنود الاحتلال.
كما برعت المقاومة في هندسة وتفخيخ المنازل المترابطة والمباني السكنية المتصدعة التي كان يتوقع أن يتحصن بها قناصة الاحتلال أو تتخذها القوات الخاصة كنقاط قيادة ميدانية. وكان يتم تفجير هذه المباني بـ"العبوات الصدمية" الكبرى التي تنسف الهياكل الإسمنتية بالكامل فوق رؤوس الغزاة، محولةً محاولات الاحتماء داخل الجدران إلى مصيدة موت محققة وموثقة بالصوت والصورة.
وتمكن مقاتلو المقاومة من توظيف منظومة مراقبة متكاملة تعتمد على كاميرات بصرية موزعة بدقة متناهية فوق الركام وفي زوايا الشوارع الحيوية.
وأتاح هذا التكتيك المتطور لغرف العمليات المشتركة رصد وكشف كافة تحركات العدو وخطوط إمداده الخلفية وتحركات آلياته بدقة متناهية وقبل بدء المناورة الهجومية، مما أفقد الاحتلال ميزة المفاجأة وجعله يتحرك في بيئة مكشوفة تماماً للمدافعين الفلسطينيين.
وبحسب المعطيات العسكرية الحصرية والمتابعات الميدانية الدقيقة، فإن هذه المنظومة الدفاعية المتكاملة والمتناغمة بين الجهد البشري الفدائي والجهد التقني التكتيكي، جعلت من أي محاولة للتوغل البري الصهيوني في أزقة جباليا وبيت لاهيا بمثابة دخول طوعي إلى شرك قاتل محكم الصنع ولا فكاك منه، لتسطر أزقة الشمال بأحرف من دم ونور نهاية أوهام الحسم العسكري لجيش الاحتلال الصهيوني وتثبت عجز جنرالاته أمام إرادة المقاومة الصلبة المتجذرة في الأرض المباركة.
