22.77°القدس
22.56°رام الله
21.66°الخليل
26.05°غزة
22.77° القدس
رام الله22.56°
الخليل21.66°
غزة26.05°
الثلاثاء 06 أكتوبر 2026
4.04جنيه إسترليني
4.31دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.42يورو
3.05دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.04
دينار أردني4.31
جنيه مصري0.06
يورو3.42
دولار أمريكي3.05

منع انتقال تجربة غزة!!

حرب المخارط في الضفة الغربية... إسرائيل تدمّر الورش تحت ذريعة تصنيع السلاح

pic (3).jpg
pic (3).jpg

في لحظة واحدة، تحولت مخرطة تعود لعائلة شاهين في نابلس، التي كانت تضج يوماً بأصوات الحديد والآلات، إلى مكان مغلق ومدمر لا تستطيع العائلة الاقتراب منه. لم يكن الضرر مقتصراً على خسارة معدات تقدر قيمتها بمئات آلاف الدولارات، بل امتد إلى اعتقال ثلاثة من أبناء العائلة، الذين لا تزال أخبارهم غائبة منذ اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي المكان وتفجيره الشهر الماضي.

ليست مخرطة شاهين حالة منفصلة، بل تأتي ضمن حملة إسرائيلية متصاعدة تستهدف ورش الخراطة والصناعات المعدنية في الضفة الغربية المحتلة، في وقت تكشف فيه العمليات الأخيرة عن تحول هذه الورش إلى أحد ميادين المواجهة المفتوحة بين إسرائيل والفلسطينيين.

ففي نابلس، أعلنت الشرطة الإسرائيلية ومصلحة السجون والجيش الإسرائيلي، في بيان مشترك، تنفيذ عملية استمرت ليلتين في عدة مناطق داخل المدينة ومحيطها، قالت إنها استهدفت ما وصفته بـ"البنية التحتية لإنتاج الأسلحة وإصلاحها".

وبحسب الرواية الإسرائيلية، داهمت القوات ثماني ورش خراطة وعثرت على 48 آلة يشتبه في استخدامها في تصنيع الأسلحة أو إصلاحها، إلى جانب مصادرة بندقية صيد ومعدات أخرى، واعتقال 11 فلسطينياً للتحقيق.

وفي الفترة نفسها تقريباً، أعلن جيش الاحتلال تدمير عشر مخارط في بلدة قباطية جنوب جنين، مدعياً استخدامها في تصنيع الأسلحة والعبوات المتفجرة. كما أعلن عن إغلاق ثلاث ورش في منطقة الخليل، في إطار ما وصفه بحملة مستمرة لمكافحة تجارة وتصنيع الأسلحة في الضفة الغربية.

تبدو الأرقام، في البيانات العسكرية الإسرائيلية، جزءاً من معركة أمنية ضد السلاح الفلسطيني. لكن خلف كل آلة تصادر، توجد ورشة مغلقة، وعمال يفقدون وظائفهم، وعائلات تجد نفسها فجأة بلا مصدر دخل.

"عدت إلى الصفر"
قبل نحو ستة أشهر، اقتحمت قوات الاحتلال مخرطة كساب أبو صالح في شمال الضفة الغربية وصادرت كامل محتوياتها. لم تترك القوات، بحسب قوله، آلة أو معدة يمكنه استخدامها لاستئناف عمله.
بعد ذلك اعتقل أبو صالح وأمضى نحو شهر في السجون الإسرائيلية، حيث خضع للتحقيق بشأن اتهامات مرتبطة بالمخرطة ونشاطها.
يقول لـ"فلسطين الآن": "خسارتي لا تعوض. صادروا كل الآلات والمعدات من دون أن يقدموا لي أي تفسير حقيقي لهذه الخطوة. اعتقلت لمدة شهر، وخلال التحقيق لم يثبت مطلقاً أي علاقة لي بكل الاتهامات التي وجهت إلي".

لكن انتهاء التحقيق والإفراج عنه لم يعنيا انتهاء العقوبة.

يضيف أبو صالح: "لم يفعلوا شيئاً ولم يعيدوا ما تمت مصادرته. خرجت من السجن وعدت إلى الصفر. لا أجد قوت أولادي اليوم، وكل ما بنيته خلال سنوات اختفى".

يقول إنه حاول استعادة حقوقه من خلال الإجراءات القانونية، وتقدم بشكوى بواسطة محامٍ من الداخل الفلسطيني المحتل، لكن من دون نتيجة حتى الآن.

بالنسبة إليه، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بمصادرة معدات، بل بتدمير مصدر دخل كامل. يقول: "المخرطة كانت حياتي. منها أعيش وأطعم أولادي. عندما يأخذون كل شيء، ماذا يبقى؟".

وتعكس شهادته أحد الجوانب الأكثر قسوة في حملة الاحتلال على المخارط، إذ لا تنتهي الإجراءات دائماً بإثبات الاتهامات أو إصدار أحكام قضائية، بينما تبقى المعدات المصادرة خارج متناول أصحابها، ويجد كثير منهم أنفسهم غير قادرين على استئناف أعمالهم.

من ورشة مدنية إلى دائرة الاشتباه

الخراطة صناعة أساسية في الاقتصاد الفلسطيني، ولا تقتصر وظيفتها على قطاع واحد. فالمخارط تنتج قطع غيار للسيارات والآلات الزراعية، وتوفر خدمات للمصانع وورش الصيانة والبناء والصناعات المعدنية المختلفة.

لكن الطبيعة المزدوجة لبعض هذه الآلات جعلتها، في نظر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، جزءاً من البنية التي يمكن أن تستخدم أيضاً في تصنيع أو إصلاح الأسلحة.

وهنا تبدأ المنطقة الرمادية.

فالاحتلال يقول إن عملياته تستهدف منشآت مرتبطة بإنتاج السلاح، بينما يؤكد أصحاب ورش أن امتلاك معدات خراطة متطورة بات كافياً في بعض الحالات لوضع المنشأة وصاحبها تحت دائرة الشبهة.

وهذا التحول يحمل أبعاداً اقتصادية أوسع من مجرد إغلاق ورشة أو اعتقال صاحبها، لأن قطاع الصناعات المعدنية يعد من القطاعات التي تعتمد عليها صناعات أخرى.

وكان رئيس اتحاد الصناعات المعدنية والهندسية في الضفة الغربية، روبين الجولاني، قد حذر سابقاً من القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال الآلات الحديثة، خصوصاً المخارط المحوسبة، المعروفة باسم "CNC"، والتي تعد ضرورية لتطوير الصناعات الدقيقة.

وتبرر إسرائيل هذه القيود باحتمال الاستخدام المزدوج للآلات، بينما يرى الصناعيون الفلسطينيون أن منع إدخالها يحد من قدرة الصناعة المحلية على التطور والمنافسة.

وبذلك، لا تبدأ المشكلة عند مصادرة آلة موجودة في ورشة، بل تمتد إلى القيود التي تحول أصلاً دون تحديث خطوط الإنتاج وامتلاك التكنولوجيا الحديثة.

حرب على سوق السلاح

لا تخفي إسرائيل أن للحملة بعداً أمنياً مباشراً. فبحسب تصريحات إسرائيلية، تغيرت استراتيجية التعامل مع السلاح في الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة، لتنتقل من ملاحقة المسلحين وحائزي الأسلحة إلى محاولة تفكيك السوق التي تنتجها وتصلحها وتبيعها.

وفي السنوات الماضية، برزت أسلحة محلية الصنع، خصوصاً بندقية "الكارلو"، في عدد من عمليات إطلاق النار. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت المخارط جزءاً أساسياً من الحسابات الأمنية الإسرائيلية.

ويكشف مسؤولون إسرائيليون سابقون عن هدف آخر للحملة: رفع كلفة الحصول على السلاح المحلي.

ففي تصريحات سابقة، أقر مسؤولون عسكريون بأن ملاحقة المخارط لم تنجح في إنهاء عمليات إطلاق النار بشكل كامل، لكنها أدت إلى ارتفاع أسعار بعض الأسلحة المصنعة محلياً.

وهو ما يكشف أن إسرائيل لا تراهن فقط على منع تصنيع السلاح، بل أيضاً على جعل إنتاجه وشرائه أكثر كلفة وتعقيداً.

لكن هذه الاستراتيجية تحمل، في الوقت ذاته، ثمناً اقتصادياً واسعاً يدفعه قطاع مدني بأكمله.

منع انتقال تجربة غزة

يقرأ مراقبون فلسطينيون الحملة في سياق أوسع من ملاحقة الأسلحة الفردية. فإسرائيل تخشى انتقال الخبرات التي راكمتها المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة إلى الضفة الغربية، خصوصاً في مجال التصنيع المحلي.

ولهذا السبب، تشمل الرقابة الإسرائيلية، إلى جانب المخارط، إدخال بعض أنواع الأنابيب والمواد المعدنية والآلات المتطورة.

وتتعامل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مع تطوير القدرة الصناعية والتقنية في الضفة باعتبارها قضية أمنية محتملة، في ظل قدرة بعض الآلات المدنية على الاستخدام في أكثر من مجال.

لكن هذا المنطق يضع الصناعي الفلسطيني أمام معادلة صعبة: كيف يمكن تطوير صناعة حديثة من دون امتلاك التكنولوجيا التي تعتبرها إسرائيل قابلة للاستخدام المزدوج؟

في حالة أبو صالح، لم يكن السؤال نظرياً. فقد انتهى الأمر باعتقاله ومصادرة كامل معدات ورشته، رغم تأكيده أن التحقيق لم يثبت عليه شيئاً.

يقول: "إذا لم تثبت عليّ التهمة، لماذا بقيت معداتي مصادرة؟ لماذا أعود إلى بيتي من دون عمل ومن دون مصدر رزق؟".

اقتصاد تحت العقاب

لا توجد إحصائية فلسطينية دقيقة وشاملة لعدد الورش التي أغلقت أو صودرت معداتها خلال الحملة الأخيرة، لكن الاحتلال أعلن في أكثر من مناسبة إغلاق عشرات الورش ومصادرة مئات المعدات والأسلحة التي قال إنها عثر عليها.

وتحذر شهادات أصحاب الورش من أن استمرار الحملة قد يؤدي إلى خسائر أكبر في قطاع يعاني أساساً من قيود الاحتلال وصعوبة إدخال المواد الخام والمعدات الحديثة وتراجع الحركة الاقتصادية.

فالمخرطة الواحدة قد تكون مصدر رزق لصاحبها وعدد من العمال، كما توفر خدمات لمصانع وورش أخرى. وإغلاقها يعني خسارة متسلسلة لا تتوقف عند باب المنشأة.

بالنسبة لعائلة شاهين، لا يبدو الحديث عن الأرقام كافياً لوصف ما جرى. فهناك مكان مدمر، ومعدات فقدت، وأبناء غابوا في الاعتقال، وعائلة ممنوعة من العودة إلى مصدر رزقها.

يقول أحد أفراد العائلة: "نحن نعيش صدمة. لم نتوقع أن نخسر أبناءنا والمخرطة في الوقت نفسه".

وبينما تتواصل العمليات الإسرائيلية في نابلس وجنين والخليل، تبدو الحرب على المخارط أكثر من مجرد ملف أمني.

إنها، في جوهرها، معركة على القدرة الفلسطينية: قدرة المقاومة على الوصول إلى أدوات السلاح، وقدرة الصناعة المحلية على امتلاك التكنولوجيا وتطوير نفسها.

وفي هذه المنطقة الفاصلة بين الاستخدام المدني والعسكري، تصبح الآلة نفسها موضع اشتباه، ويصبح صاحبها مطالباً بإثبات براءته، بينما قد يدفع ثمن الاتهام قبل أن يعرف إلى أين وصلت قضيته.

بالنسبة إلى أبو صالح، انتهت القضية مؤقتاً بخسارة كل شيء. أما عائلة شاهين، فما زالت تنتظر أبناءها وتبحث عن إجابات وسط أنقاض المخرطة.

وبين الحالتين، تتضح ملامح حملة إسرائيلية تتجاوز ملاحقة ورشة بعينها، لتطال قطاعاً صناعياً كاملاً، في معركة تجمع بين هدف معلن هو تجفيف مصادر السلاح الفلسطيني، ونتيجة موازية تتمثل في إضعاف إحدى أهم ركائز الصناعة المعدنية في الضفة الغربية.

"أنا فقط أريد أن أعود إلى عملي"، يقول أبو صالح. لكن طريق العودة، بالنسبة إليه، يبدأ باستعادة آلات لم يعرف حتى الآن أين انتهت، وبإنهاء عقوبة اقتصادية ما زالت مستمرة، رغم خروجه من السجن.
 

المصدر: فلسطين الآن