شكّل طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، نقطة تحوّل في التفاعل الشعبي العربي مع القضية الفلسطينية، إذ تجاوزت ردود الفعل حدود التصريحات السياسية التقليدية، وفي الساعات الأولى من العملية وجد الشارع العربي نفسه أمام حدث استثنائي في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، قلب المشهد السياسي والإعلامي.
وأطلق الشارع العربي موجة واسعة من الترقب والتفاعل عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وتباينت ردود الفعل بين الدهشة من حجم العملية وتطوراتها، والتضامن مع القضية الفلسطينية، والقلق من اتساع المواجهة.
المفاجأة والدهشة..
مقاومون فلسطينيون يعبرون السياج الفاصل، مواقع عسكرية إسرائيلية تتعرض للهجوم، أسر جنود، إطلاق صواريخ، وانهيار مفاجئ للصورة التي ترسخت لدى الشارع العربي لسنوات عن قدرة الاحتلال الأمنية والاستخبارية، وتضاعفت مفاجأة الشارع العربي بقدرة فصائل فلسطينية تنطلق من قطاع محاصر منذ سنوات على تنفيذ هذا الهجوم الواسع والمباغت.
سرعان ما انتشرت مشاهد العملية على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدفقت التعليقات العربية التي عبرت، بدرجات متفاوتة، عن الدهشة والفخر بما اعتبره أصحابها اختراقًا غير مسبوق للمنظومة الأمنية الإسرائيلية.
لم يكن الفخر الذي ظهر في الخطاب الشعبي العربي موحدًا في دوافعه أو معناه، لكنه ارتبط لدى قطاعات واسعة بما اعتبروه استعادة للمبادرة الفلسطينية بعد سنوات من الجمود السياسي، وامتد إلى الصورة التي أحدثها في المخيلة العربية. فبعد سنوات من مشاهد الحواجز والاستيطان والاقتحامات والقصف، ظهرت في ذلك الصباح صور لمقاومين فلسطينيين يخترقون السياج الحدودي ويهاجمون الاحتلال.
وأظهر استطلاع للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات خلال العام الأول من عملية طوفن الأقصى، شمل 8 آلاف مستجيب في 16 دولة عربية، أن 67% من المشاركين اعتبروا عملية السابع من أكتوبر عملية مقاومة مشروعة، بينما رأى 19% أنها مقاومة مشروعة لكنها شابتها أخطاء. كما أظهر الاستطلاع أن 92% من المستجيبين اعتبروا القضية الفلسطينية قضية جميع العرب، وليس الفلسطينيين وحدهم.
وعندما سُئل المشاركون عن أسباب العملية، اعتبر 35% منهم أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية هو السبب الأهم، بينما رأى 24% أن الدفاع عن المسجد الأقصى كان العامل الأهم.
لكن ذلك الشعور بالفخر لم يلبث أن دخل مرحلة جديدة مع بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، فتحول التفاعل من الاحتفاء بالمفاجأة العسكرية إلى الغضب من حجم الدمار والضحايا، ثم إلى موجة تضامن شعبية واسعة مع الفلسطينيين
فلسطين تعود إلى الواجهة..
في الأيام الأولى التي أعقبت السابع من أكتوبر، ظهرت مظاهر تضامن شعبية في عدد من المدن العربية. وأفادت تقارير صحفية آنذاك بخروج تجمعات في بغداد وبيروت ودمشق ومدن يمنية وتونسية وغيرها، فيما تصدرت وسوم مرتبطة بفلسطين و"طوفان الأقصى" منصات التواصل الاجتماعي في عدد من الدول العربية
ولم يقتصر التفاعل على المظاهرات، فقد تحولت المساحات الرقمية إلى ساحة رئيسية للتعبير الشعبي؛ حيث انتشرت الصور والمقاطع المتعلقة بغزة، وبرزت حملات إلكترونية للتعريف بالوضع الإنساني في القطاع، إلى جانب نقاشات واسعة حول جذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والاحتلال، والحصار، ومستقبل القضية الفلسطينية.
وفي بعض المجتمعات العربية، اتخذ التضامن أشكالًا رمزية؛ من رفع العلم الفلسطيني، إلى إقامة الوقفات في الجامعات والميادين، وصولًا إلى حملات جمع التبرعات والمساعدات الإنسانية.
وهكذا، لم يعد التفاعل الشعبي العربي محصورًا في تأييد الفلسطينيين أو التعبير عن الغضب من الاحتلال الإسرائيلي، بل أصبح في جانب كبير منه حركة احتجاجية تطالب بتغيير مسار الحرب، والضغط من أجل وقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.
مظاهرات تتجاوز الحدود..
من العراق إلى اليمن، ومن تونس وموريتانيا إلى الأردن ولبنان، ظهرت مشاهد متكررة لمظاهرات ووقفات تضامنية مع غزة.
في بغداد، شهدت ساحة التحرير تجمعات مؤيدة للفلسطينيين ومنددة بالهجمات الإسرائيلية. وفي اليمن خرجت مسيرات ووقفات في مدن مختلفة. كما شهدت موريتانيا وتونس وعُمان والبحرين فعاليات تضامنية خلال الأسابيع الأولى من الحرب.
أما في الدول التي كانت قد دخلت خلال السنوات السابقة في مسار علاقات أو تطبيع مع "إسرائيل"، فقد اكتسبت الاحتجاجات دلالة إضافية، إذ ارتفعت أصوات شعبية تطالب بوقف العلاقات أو مراجعة مسار التطبيع.
وفي المغرب والبحرين تحديدًا، رصدت تقارير احتجاجات طالبت بالتراجع عن اتفاقات التطبيع مع "إسرائيل"، في مؤشر على اتساع الفجوة بين توجهات قطاعات من الرأي العام وبعض الخيارات الرسمية في المنطقة.
في مصر، حيث تخضع المظاهرات العامة لقيود مشددة، ظهرت أشكال مختلفة من التعبير عن التضامن مع فلسطين. ومن بين المشاهد اللافتة في الأيام الأولى للحرب، هتافات جماهير كرة القدم المؤيدة للفلسطينيين خلال المباريات، في محاولة لتحويل المساحات الجماهيرية المتاحة إلى منابر للتعبير عن الموقف الشعبي.
وفي وقت لاحق، اتخذت المواقف الشعبية في مصر أبعادًا أخرى مرتبطة بالمساعدات الإنسانية ورفض فكرة تهجير سكان قطاع غزة إلى سيناء، وهي قضية أثارت حساسية شعبية ورسمية واسعة.
فلسطين في الفضاء الرقمي العربي..
خلال الأيام والأسابيع الأولى للحرب، أصبحت القضية الفلسطينية من أكثر الموضوعات حضورًا في النقاشات الرقمية العربية. وانتشرت وسوم تتعلق بغزة وفلسطين، إلى جانب حملات إلكترونية تهدف إلى نشر صور الضحايا والدمار، وتوثيق الأحداث، والدعوة إلى مقاطعة شركات ومنتجات مرتبطة بإسرائيل أو داعمة لها.
ولم يكن هذا الحضور الرقمي مجرد انعكاس للمظاهرات في الشارع؛ بل أصبح في كثير من الأحيان وسيلة تعبئة بحد ذاته، خصوصًا بالنسبة إلى الشباب الذين وجدوا في منصات التواصل مساحة للتعبير السياسي في ظل صعوبة الاحتجاج المباشر في بعض الدول.
فلسطين تعود بقوة..
يمكن قراءة هذا الحضور الشعبي من خلال مجموعة من العوامل؛ في مقدمتها استمرار القضية الفلسطينية باعتبارها قضية مركزية في الوعي العربي، رغم تراجعها نسبيًا في أجندة بعض الحكومات خلال السنوات التي سبقت الحرب.
كما أسهمت صور الضحايا والدمار الواسع في غزة في تحويل الصراع من قضية سياسية بعيدة إلى مشاهد يومية تصل إلى الهواتف والشاشات في مختلف أنحاء المنطقة.
ويضاف إلى ذلك أن الحرب جاءت بعد سنوات شهدت فيها المنطقة أزمات سياسية واقتصادية وحروبًا أهلية وصراعات داخلية، قبل أن تعيد غزة توجيه جزء كبير من الاهتمام الشعبي نحو قضية فلسطين.
وتشير نتائج "الباروميتر العربي" إلى أن الحرب أعادت التأثير بقوة في تصورات المواطنين العرب تجاه الولايات المتحدة و"إسرائيل"، وأن القضية الفلسطينية ما زالت قادرة على إعادة تشكيل المواقف السياسية والشعبية في المنطقة عندما تتصاعد الأحداث.
وفي الوقت نفسه، كشفت الحرب عن استمرار الفجوة بين بعض السياسات الرسمية والمواقف الشعبية، وأظهرت أن القضية الفلسطينية، رغم سنوات التغيرات السياسية التي شهدتها المنطقة، لا تزال تمتلك قدرة استثنائية على تحريك الشارع العربي.
ومنذ الساعات الأولى للسابع من أكتوبر، بدا واضحًا أن ما جرى لن يبقى محصورًا في حدود غزة و"إسرائيل". فقد عبرت أصداؤه الحدود السياسية والجغرافية، ووصلت إلى شوارع العواصم العربية وميادينها وجامعاتها ومدرجاتها، ثم انتقلت بقوة إلى الفضاء الرقمي.
ومع استمرار الحرب، تحول التفاعل العربي من متابعة حدث عسكري إلى حراك شعبي واسع تركز بصورة متزايدة على غزة، ورفض قتل المدنيين والتهجير والحصار، والمطالبة بوقف الحرب وإدخال المساعدات.
وهكذا، لم يكن السابع من أكتوبر حدثًا غيّر مسار الحرب في غزة فحسب، بل كان أيضًا لحظة أعادت رسم خريطة التفاعل الشعبي العربي مع القضية الفلسطينية، وأثبتت أن فلسطين، رغم تغير أولويات المنطقة، لا تزال قادرة على إعادة الشارع العربي إلى الواجهة.
