نشر الباحث البروفسور، مارتن شيرمان مقالاً في الصحيفة الصهيونية JNS عن مستقبل قطاع غزة، ويبدو أن أفكاره أصبحت هي السياسة الإسرائيلية الرسمية لمستقبل قطاع غزة.
اخترت المقال لأن هذا الكاتب ليس صحافياً عادياً، بل هو من أبرز مخططي السياسة في إسرائيل، لأنه كان مستشاراً سياسياً لإسحق شامير رئيس الوزراء الأسبق، وهو أيضاً مستشار كبير في جيش إسرائيل، كما أنه أستاذ العلوم السياسية في جامعة تل أبيب، وهو أيضاً من مؤسسي مركز، هرتسليا للدراسات والأبحاث، له مقالات ودراسات عديدة في العلاقات الدولية، وهو أيضاً أحد أبرز مؤسسي المعهد الاستراتيجي للدراسات والأبحاث، وهو من أعضاء منتدى، كوهيلت، أي أنه عضو في الحكومة الإسرائيلية العميقة، سأحاول تلخيص أهم أفكاره عن مستقبل قطاع غزة، جاء المقال بعنوان: (ما السبيل لحل أزمة غزة؟)
قال: «إن أهم حل لأزمة غزة هو فقط ترحيل واسع النطاق للغزيين، وأن أي حل يستثني هذه القاعدة، ويعتمد على التجارب السابقة الفاشلة، المتمثلة في اتفاقية أوسلو، أو الحكم الذاتي هو حل فاشلٌ، أخطأت إسرائيل عندما انسحبت من غزة عام 2005، لأن هذا الانسحاب جعل الحل في قطاع غزة مستعصياً!
ساد حلمٌ مُضلِّل بعد اتفاقية أوسلو (الغابرة) عام 1993 بأن حكماً فلسطينياً ذاتياً أو عربياً لغزة يمكنه أن يكون حكماً قوياً، وأن هذا الحلم سيحقق الأمن والاستقرار لهذا الجيب الساحلي الصغير!
تجاهل القادة السياسيون في إسرائيل التحذير من هذا الحُلم، ففي عام 2007 استولت حماس الإرهابية على غزة، وجرى إقصاء منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية من غزة بعد خسارتها في الانتخابات البرلمانية، وكانت هذه الانتخابات هي آخر انتخابات شهدتها الساحة الفلسطينية، كنتُ شخصياً حذرتُ في وقت مبكر من عام 1992، أي قبل سنوات من هذا الانسحاب، لأن الانسحاب من غزة سيؤدي إلى الكوارث والدمار لليهود والعرب على حد سواء، وقد أثبتت الأحداث صحة نبوءتي السابقة.
أثبتت الأحداث السابقة أن الحل الوحيد لفرض الاستقرار في غزة، هو فقط ترحيل أكبر عدد من سكان غزة إلى دول أخرى، هذا الترحيل سيحررهم من قادتهم المستبدين الذين ظلموهم وضللوهم سنوات طويلة، وورطوهم في الكوارث!
على الرغم من ذلك، فقد استمر أنصار الديماغوجيا السياسية في التغني بشعار، حق تقرير المصير على شعب مقهور، هذا الشعب من الواضح أنه غير قادر على النجاح»!
واصل مارتن شيرمان قائلاً: قطاع غزة شريط ساحلي صغير يفتقر لأبسط مطلوبات الحياة، ليس هناك ماء صالح للشرب، وليست هناك طاقة كهربية، غزة تعتمد على المعونات الخارجية، غزة تعاني من تضخم أعداد الموظفين الحكوميين، وتعاني من الفساد والمفسدين، فقد استولت حماس على معظم المساعدات، ووظفتها لبناء الأنفاق وتصنيع الصواريخ!
اقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب اقتراحاً جيداً، عندما تبنى فكرة تهجير سكان غزة ونقل إدارة القطاع إلى جهات ذات كفاءة وقوة!
للأسف فإن، نتنياهو لم يستثمر هذه الفرصة، ولم يستثمر اقتراح الرئيس الأميركي بالصورة المثلى، ولم يقم بأي جهد لجعل دول العالم تتبنى هذا الاقتراح، بدلاً من ذلك نقل فكرة ترامب لمجلس وزرائه المصغر، وهم ليسوا أكْفاء، ولهذا فقدت فكرة الرئيس ترامب تأثيرها، وأصبحت فكرة هامشية!».
واصل مارتن شرح خطته لقطاع غزة: «إن أي حل لا يقوم على ترحيل واسع لسكان قطاع غزة سيكون فاشلاً، يماثل اتفاقية أوسلو والحكم الذاتي!
كما أن مطالبة إسرائيل بنزع سلاح حماس بالكامل، وعدم منح الفلسطينيين الحرية الكاملة، سيكون مبرراً لاتهام إسرائيل بأنها دولة فصل عنصري!
إن أي حل لقطاع غزة عندما تصبح منزوعة السلاح سيكون فاشلاً وعاجزاً حتى عن حماية حدود غزة مع مصر، وبناء على ذلك سيكون عسيراً على إسرائيل أن تجد حاكماً لغزة، إلا إذا كانت إسرائيل هي الحاكم الفعلي لغزة، وهذا من الصعب تحقيقه.
إذا وجدت إسرائيل زعيماً فلسطينياً يمكنه إقامة سلطة تضمن التعايش السلمي مع إسرائيل، فإن هذا الزعيم لا يمكنه البقاء في منصبه دون حماية من الجيش الإسرائيلي، وهذا سيجعله يغير مواقفه ويتراجع، وقد يُستبدل بقائد آخر أكثر تطرفاً!
إن أي حل لقطاع غزة عندما تصبح منزوعة السلاح سيكون فاشلاً وعاجزاً حتى عن حماية حدود غزة مع مصر، وبناء على ذلك سيكون عسيراً على إسرائيل أن تجد حاكماً لغزة، إلا إذا كانت إسرائيل هي الحاكم الفعلي لغزة، وهذا من الصعب تحقيقه.
إذاً، لا مفر من تهجير معظم سكان غزة»! (صحيفة JNS يوم 2-10-2026)
أبرزتُ أهم سطور هذا المقال ليس لأن كاتبه شخصية مُؤثِّرة في قرارات كبار السياسيين في إسرائيل فقط، ولكن لأنني لم أعثر على استراتيجيات وطنية فلسطينية تحظى بالأغلبية، يمكنها أن تؤشر على مصير القضية الفلسطينية في المستقبل، ولم أجد أفكاراً تشير كذلك إلى مستقبل قطاع غزة والضفة الغربية، فمعظم باحثينا المرموقين ذوي الألقاب السامية، وسياسيينا الأجلّاء، ومفكرينا البارزين، وخبرائنا المؤدلجين لا يزالون يدورون في حلقات سياسية على نمط لعبة الكراسي المتحركة، فهم مشغولون بتتبع ونقد وتشويه تصريحات بعضهم، وهم في الحقيقة يتحدثون مع أنفسهم، لأن أكثرهم عندما فرُغَ معينُه الثقافي لجأ إلى وسيلة سهلة وهي نقد نظرائه الآخرين.
هناك فئة أخرى من فقهاء التحليل السياسي انشغلوا بتوجيه النقد الجارح إلى اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة، بعضهم اعتبرها لجنة لديها من النفوذ ما يفوق قدرات الدول الكبرى، وآخرون اعتبروها لم تقم بأي دور وطني يستحق الإشادة، وآخرون من بقايا اليساريين قرروا أنها إفراز استعماري أميركي إسرائيلي، هدفه محو قضية فلسطين، والتخلص من متعلقاتها لتلائم قوانين الألفية الثالثة، الخالية من المبادئ التقليدية السالفة، المتمثلة في المقاومة المسلحة والتحرر والعدل واستعادة الحقوق المشروعة، وكأنهم لا يزالون يعيشون في سوق عكاظ السياسي، مع العلم أن معظم هؤلاء الناقدين فرحوا عند تشكيل اللجنة، وظنوا أنها ستكون خاتمة الأزمات، علما أن هذه اللجنة أُسست في شهر كانون الثاني 2026 بموافقة مجلس الأمن الدولي، في قراره رقم 2803، تناسوْا أنها لجنة تكنوقراط أو حكومة مصغرة مؤقتة جرى التوافق عليها من دول عديدة، وأنها لجنة غير سياسية مهمتها الرئيسة تقديم الخدمات للمنكوبين في غزة، وغايتها إعادة الإعمار إلى حين إصلاح السلطة الوطنية الفلسطينية، وتمكنها من إعادة السيطرة على قطاع غزة، كما جاء في بنود تأسيسها، كما أن كثيرين من كتابنا ومحللينا وفقهائنا السياسيين اعتبروا لجنة التكنوقراط كياناً أو حزباً فلسطينياً جديداً مهمته الرئيسة اغتيال حل الدولتين، وتقويض منظمة التحرير الفلسطينية، هكذا تحول النقد على لجنة التكنوقراط، إلى اتهام خطير باعتبارها المسؤولة عن إصلاح كل نتائج كارثة السابع من أكتوبر!
إن ناقدي لجنة التكنوقراط نسوا موقف إسرائيل العدائي لهذه اللجنة، فإسرائيل حتى اليوم لم تسمح لهذه اللجنة بدخول غزة لممارسة واجباتها، لأن مخطط إسرائيل لا يتوافق مع تشكيل هذه اللجنة، حتى وإن رحَّبتْ إسرائيل نفسها بتشكيلها، لأن هذه اللجنة ستفتح على إسرائيل جُرحاً تود إخفاءه وهو حل الدولتين المرفوض إسرائيلياً، كذلك لأن منح اللجنة صلاحيات غزة يحرم إسرائيل من شيئين، الأول ملف الاغتيالات وإكمال التدمير، وملف التهجير، وهي من الملفات الإسرائيلية الرئيسة المطلوب تنفيذها بالكامل، مع العلم أن إسرائيل تملك ملفاً غير قابل للطي، وهو ملف تسليم سلاح حماس في غزة، لأن مفهوم إسرائيل لنزع السلاح يعتبر عصياً على التفسير!
والملف الثاني هو البحث عن قوات دولية تتولى الإشراف وإدارة قطاع غزة أمنياً، بحيث تكون هذه القوات من الدول التي لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وتكون في الوقت نفسه قادرة بقوة السلاح على إدارة غزة!
نسي كثيرون أن إسرائيل لن تسمح لأحد مهما كان أن يُعرقل مشروعها الرئيس، حتى لو كانت دولة كبرى كأميركا، لأن إسرائيل تعمل ليل نهار مع دول عديدة لتقبل بتهجير الفلسطينيين إليها، لأن برنامج إسرائيل في غزة هو تحويل غزة إلى معسكرات للأيدي العاملة، فمن سيبقون فيها سيكونون عمالاً في قطاعات البناء والاقتصاد والتجارة، بعد أن تقوم بتفتيشهم يومياً على حواجز الذل، بحيث يعيش سكان غزة على ما يتلقونه من أجرة عملهم، لذلك فإن مشروعها يكشف هذا السر.
برزت خطط إسرائيل السابقة أكثر وضوحا في مدينة رفح، ففي رفح يجري تنفيذ مشروع بناء مائة ألف منزل صغير بتكلفة قدرها خمس مليارات دولار، تستوعب خمسمائة ألف مواطن غزي ممن دمرت بيوتهم، وفي المرحلة الثانية سيُبنى كذلك خمسمائة ألف كرفان آخر بتكلفة ثلاثين مليار دولار!
للأسف اختفت أخبارُ غزة تحت وقع معارك طواحين الهواء بين الزعماء الفلسطينيين وبخاصة من فئة قيادي، ومن فئة قيادي بحجم الوطن، وأصبحت هذه المعارك الدونكشوتية هي الطبق الشعبي السائد في مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبح ما يجري في غزة والضفة من قتل وتجويع وفقدان الأمل، ومعارك بين الأسر حدثاً عادياً! فإلى متى سيظل فقهاء التحليل السياسي، يُشخِّصون الواقع المفجع، ويعددون المآسي والكوارث، ويتهمون بعض منافسيهم ليس بالتقصير فقط، بل بالعمالة للأعداء؟!
قليلون هم الذين يمكن أن يجيبوا عن هذا السؤال: «هل هناك مخطط محكم لقطاع غزة والضفة الغربية في مواجهة المخطط الإسرائيلي؟!
