22.9°القدس
22.67°رام الله
21.86°الخليل
26.26°غزة
22.9° القدس
رام الله22.67°
الخليل21.86°
غزة26.26°
الأربعاء 14 أكتوبر 2026
4.08جنيه إسترليني
4.34دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.44يورو
3.08دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.08
دينار أردني4.34
جنيه مصري0.06
يورو3.44
دولار أمريكي3.08

3 سنوات لحرب العملات.. غزة تدفع ثمن تصفية النقد لصالح الرقمنة الإجبارية

Capture.JPG
Capture.JPG

وصل الانهيار النقدي المتسارع في قطاع غزة من مجرد أزمة سيولة تقليدية تُختزل في نقص الأوراق المالية أو تهالكها، إلى انقلاب هيكلي عميق يعيد هندسة الاقتصاد المحلي وأشكال التبادل التجاري من أساسه.

فعلى مدار السنوات الماضية، أفرزت سياسات الحصار المطبق وحرب الإبادة واقعًا باتت فيه الأوراق النقدية عاجزة تمامًا عن أداء وظيفتها الأساسية بوصفها وسيلة دفع مقبولة، حتى عندما تتوفر الورقة النقدية في أيدي المواطنين.

مدير الإعلام في غرفة تجارة وصناعة محافظة غزة، ماهر الطباع: سنوات الحرب شهدت صيرورة أموال بالية تمامًا، لا يمكن تداولها بين المواطنين بعد أصلحت عدة مرات.

هذا التحول الاقتصادي البالغ الخطورة يعني أن المشكلة لم تعد محصورة في حجم الأموال الموجودة في السوق، بل امتدت لتضرب قدرة المواطن الأساسية على استخدام دخله وتحويله إلى سلع وخدمات يومية أساسية، وسط تراجع حاد في الثقة بآليات التبادل التي نظمت حياة السكان لعقود طويلة.

وأنتج هذا التآكل النقدي أزمات يومية خانقة تمظهرت في نقص الفئات النقدية الصغيرة وغياب "الفكة"، واضطرار المواطنين والتجار إلى تبادل سلع زهيدة ومجزأة بدلًا من الباقي النقدي نتيجة اختفاء الأوراق الصغيرة، فضلًا عن انتشار الأوراق النقدية القديمة والمتهالكة.

والأخطر من ذلك هو ظهور حالات رفض خطيرة لقبول النقد، حتى في حال كانت الورقة النقدية والفئة جديدتين، ما أدى عمليًا إلى نشوء سوق غير موحدة لم يعد للورقة النقدية فيها قيمة، ما يمهد لظهور نوع من "الخصم على النقد" وتوسع الدفع الإلكتروني على حساب الأساس.

تراكم الأموال ودور إسرائيل

وفي قراءة لهذه التحولات، يقول المختص الاقتصادي سمير أبو مدللة، إن الأزمة النقدية لم تبدأ اليوم، بل انطلقت مع اندلاع الحرب، ليتجه الجميع تدريجيًا نحو الدفع الإلكتروني.

ويشير أبو مدللة إلى أن السنوات الماضية شهدت تراكم أموال بالية لا يمكن استخدامها أو تداولها بين المواطنين، فضلًا عن تلف العملات نتيجة تكرار إصلاحها وتداولها، وهو ما شكّل سببًا رئيسيًا لإنهاء التعامل النقدي شبه الكامل في قطاع غزة.

ويضيف أن التراجع كان تدريجيًا حتى وصل السوق إلى مرحلة يرفض فيها التاجر أخذ الأموال النقدية، لعدم قدرته على إرجاع الباقي أو التعامل بالتطبيقات بسبب القيود التي تقيّد عمله، وأصبح المواطن مضطرًا إلى تقديم ورقة نقدية بحالة ممتازة وكاملة لشراء حاجياته دون إرجاع فرق السعر.

ويؤكد أبو مدللة أن الأصل هو تداول العملة الورقية باعتبارها أساس التعامل والأكثر أريحية للمواطنين، في ظل انعدام الهواتف الحديثة وعدم استقرار الإنترنت والكهرباء.

ويقول إن الاحتلال هو المسبب الأساسي للأزمة عبر حرب العملات، ومنع إدخال الأموال الجديدة من البنوك، وتهديد السكان لعدم التعامل بها، رغم أن التحول الرقمي فُرض إجبارًا بسبب سياسات الحصار والحرب.

وفي خط موازٍ لتفاقم هذه الأزمات، تمددت أدوات الدفع الرقمي والمحافظ الإلكترونية لتملأ الفراغ القسري؛ إذ أظهرت المؤشرات أن 90% من متلقي المساعدات النقدية كانوا يعتمدون على التحويلات بين المحافظ حصريًا بدلًا من السحب النقدي، وفق أبو مدللة.

وبحسبه، فقد بلغت نسبة التجار الذين يقبلون هذه الوسائل نحو 83%. غير أن هذا التحول لم يكن تطورًا طبيعيًا لاقتصاد رقمي آمن، بل هروبًا اضطراريًا فرضته ظروف الحرب والاحتلال في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات البنية التحتية المستقرة من كهرباء واتصالات وإنترنت.

ويكمل أبو مدللة أن مخاطر هذا الاعتماد القسري تتلخص في الأعطال التقنية المتكررة التي أصابت خدمات المحافظ الإلكترونية وعطّلت معاملات المواطنين لساعات طويلة.

ويؤكد أن هذا ينذر بخطر انقسام السوق إلى نظامين غير متكافئين: اقتصاد رقمي لمن يمتلك هاتفًا وحسابًا واتصالًا، واقتصاد نقدي متآكل لمن لا يملك هذه الأدوات، وهو ما يوسع الفجوة الطبقية ويرفع تكاليف المعاملات ويشجع الاقتصاد غير الرسمي.

تدرج وصولًا إلى تلف الأموال

وفي شهادة متكاملة، يقول مدير الإعلام في غرفة تجارة وصناعة محافظة غزة، ماهر الطباع، إن أزمة السيولة النقدية لم تبدأ اليوم، بل انطلقت مع بداية الحرب، ليتجه الجميع تدريجيًا نحو الدفع الإلكتروني.

ويبين أن سنوات الحرب شهدت صيرورة أموال بالية تمامًا، لا يمكن تداولها بين المواطنين بعد أن أصلحت عدة مرات.

ويشير الطباع إلى أن هذا التراجع التدريجي أوصل السوق إلى واقع يرفض فيه التاجر تسلّم النقد بسبب عجزه عن إرجاع الباقي وتكبيله بالقيود، وبات المواطن مجبرًا على الشراء بورقة نقدية بحالة ممتازة ودفع قيمتها كاملة دون رد الفكة، لتعذر إجراء العمليات الحسابية البسيطة.

ويؤكد أن هذا الوضع عشوائي وعفوي، وللأسف وصلنا إليه رغم أن الأصل هو استمرار التعامل بالعملة الورقية. ويلفت الطباع إلى أن إسرائيل تقود حرب عملات ممنهجة لفرض هذا الواقع عبر محاربة العملات في القطاع، وتهديد السكان ودعوتهم إلى إلغاء التعامل بها، ورفض استبدال التالفة منها أو إدخال سيولة جديدة عبر البنوك. واعتبر الطباع أن هذه الممارسات هي السبب الجذري للأزمة، بمعزل عن حالة الورقة النقدية نفسها.

ويؤكد ضرورة الحفاظ على تداول العملة النقدية لأنها الأداة الأكثر أريحية لعامة المواطنين الذين افتقروا إلى الهواتف المتقدمة، وتعرضت البنية التحتية للكهرباء والإنترنت لديهم لانهيار شبه كامل، رغم أن التحول الرقمي فُرض قسرًا بفعل الحصار والاحتلال.

تدخل الجهات الرسمية

وفي محاولة لضبط هذه الفوضى المتنامية في الأسواق، تدخلت الأجهزة الرسمية، إذ أكدت المديرية العامة للشرطة في قطاع غزة ضرورة تداول جميع المواطنين والتجار وأصحاب المحال والمراكز التجارية بالعملات الورقية الصالحة للاستخدام بمختلف أنواعها.

وأوضحت الشرطة، في تصريح صحفي، أن إدارة المباحث العامة ستباشر مهامها لمتابعة الالتزام بهذا القرار في جميع مناطق القطاع، مبينة أنها ستتخذ الإجراءات القانونية المشددة بحق كل من يخالف ذلك.

ودعت الشرطة التجار وأصحاب المصالح التجارية إلى إعلاء المصلحة الوطنية وعدم المساهمة في افتعال أزمات تزيد من التضييق على المواطنين. وفي الوقت ذاته، دعت المواطنين إلى الإبلاغ عن المخالفين عبر الرقم المجاني للعمليات المركزية.

المصدر: ألتر فلسطين