20.13°القدس
19.88°رام الله
19.06°الخليل
24.92°غزة
20.13° القدس
رام الله19.88°
الخليل19.06°
غزة24.92°
الخميس 15 أكتوبر 2026
4.08جنيه إسترليني
4.37دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.45يورو
3.1دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.08
دينار أردني4.37
جنيه مصري0.06
يورو3.45
دولار أمريكي3.1

تقارير "فلسطين الآن"..

طوفان الأقصى".. كيف حوّلت عقول المقاومة وأنفاقها ركام غزة المحاصرة إلى ترسانة لكسر الاحتلال؟

خاص-فلسطين الآن

تحت ركام البيوت المدمرة وفي عمق الورش السرية المدفونة تحت الأرض، كانت المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة تسابق الزمن على مدار عقدين من الحصار المشدد لبناء قوة عسكرية رادعة، لم يكن الحظر الشامل المفروض على دخول المواد الخام عائقاً أمام عقول مهندسي المقاومة، بل تحوّل إلى دافع لاجتراح المعجزات، وإعادة تدوير مخلفات الحروب الصهيونية المتعاقبة، ولم يكن تفوق مجاهدينا في السابع من أكتوبر وليد اللحظة، بل كان تتويجاً لملحمة تصنيع وهندسة عسكرية متكاملة كَسرت كل القوانين الفيزيائية ومحددات الحصار والرقابة الأمنية للاحتلال.

إن العبقرية العسكرية التي قادتها كتائب الشهيد عز الدين القسام وفصائل المقاومة تمثلت في قدرتهم على الانتقال الاستراتيجي من مرحلة الاعتماد على السلاح المهرب عبر الأنفاق العابرة للحدود، إلى مرحلة "الاعتماد الكامل الذاتي" على ورش التصنيع الحربي المحلي، فهذه القفزة النوعية حولت قطاع غزة الذي يمتد على مساحة ضيقة إلى قلعة صناعية عسكرية قادرة على إنتاج آلاف المقذوفات والصواريخ والمسيرات والعبوات المبتكرة بمواصفات تقنية قادرة على مواجهة أحدث الأسلحة الغربية التي يمتلكها جيش الاحتلال.

ولم يكن العدو الصهيوني، رغم كل أجهزته الاستخباراتية ومنظومات رصده الإلكترونية، يتخيل أن أنابيب المياه القديمة، ومخلفات قذائف المدفعية الإسرائيلية التي لم تنفجر، ومحركات الأدوات البسيطة، ستتحول في أيدي مهندسي المقاومة إلى ترسانة تدميرية قادرة على شل المطارات والقواعد العسكرية الصهيونية، فلقد أتقنت المقاومة لسنوات طويلة تكتيكات "الخداع الاستراتيجي"، فبينما كانت تلهم المحتل بالهدوء في السطح، كانت تواصل الحفر والتصنيع والاختبار الجريء في باطن الأرض وداخل المدن الركامية لحسم المعركة القادمة.

وجاء فجر السابع من أكتوبر ليكون اللحظة الحاسمة التي تدفقت فيها هذه الترسانة المحلية الصنع بغزارة غير مسبوقة، لتسقط في الساعات الأولى نظرية الأمن والردع الصهيونية التي بناها الاحتلال طوال عقود، فلقد شكلت الأسلحة المبتكرة التي ظهرت في المعركة صدمة مفاهيمية وعسكرية لقادة الاحتلال وللعالم أجمع، بعدما تهاوت حصونهم الفولاذية وجدارهم الذكي أمام أدوات صُنعت في ورش غزة وبأيدي مجاهدينا.

ونستعرض في هذا التقرير، ملامح ملحمة التصنيع الإعجازية من باطن الأرض، وأبرز أدوات الترسانة العسكرية التي استخدمتها المقاومة وشلّت بها قدرات العدو الصهيوني في معركة "طوفان الأقصى":

أولاً: أسلحة الطوفان.. مواصفات البناء والأثر العسكري الميداني

صواريخ "القسام" والمديات الاستراتيجية (عائلة الـ M وعياش 250):

بدأت المقاومة من الصفر بصاروخ "قسام 1" بمدى لا يتعدى كيلومترات معدودة، لتتطور صناعة المحركات الدافعة والرؤوس المتفجرة محلياً عبر تدوير مخلفات القذائف الإسرائيلية واستخلاص المتفجرات منها، وتطوير وقود صاروخي من مواد زراعية وكيماوية أساسي

وأطلقت المقاومة أكثر من 5000 صاروخ في الدقائق العشرين الأولى للمعركة، حيث شلّت الرشقات الصاروخية المكثفة منظومة "القبة الحديدية" عبر إغراقها بعدد يفوق قدرتها الاستيعابية، ودكت الصواريخ بعيدة المدى مثل "عياش 250" و"M-75" عمق الكيان والمطارات العسكرية، مما عزل غلاف غزة تماماً ومنع وصول أي إمدادات عسكرية صهيونية برية أو جوية سريعة لقواتهم المتهاوية.

سلاح المسيرات الانتحارية والاستطلاعية (طائرات شهاب والزواري):

ونجحت المقاومة في استثمار عقول مهندسيها لتصنيع طائرات مسيرة محلية الصنع بالكامل، بالاعتماد على قطع إلكترونية بسيطة ومحركات صغيرة مطورة داخل غزة لتجاوز أجهزة الرادار.

ومع بدء الاقتحام، تولت مسيرات "الزواري" الانتحارية والاستطلاعية ومسيرات "شهاب" مهمة التعمية البصرية الشاملة للاحتلال، حيث استهدفت هذه المسيرات بدقة أبراء الرصد والاتصالات الصهيونية وسلاح الإشارة التابع لـ "فرقة غزة"، مما أدى إلى انقطاع الاتصال بين القيادة الصهيونية والمواقع الحدودية، وترك جنود الاحتلال يواجهون مصيرهم في عزلة تامة.

قذائف "الياسين 105" والعبوات الهندسية المضادة للدروع:

واجهت المقاومة معضلة التحصين الفولاذي لدبابات "الميركافا" وناقلات الجند "النمر"، فابتكر مهندسوها قذيفة "الياسين 105" ذات الرأس الترادفي المزدوج، حيث يقوم الرأس الأول باختراق الدرع الخارجي الحامي (أو تدمير نظام الحماية النشط)، بينما يتولى الرأس الثاني تفجير الدبابة من الداخل.

وكانت هذه القذائف السلاح الحاسم في تدمير هيبة سلاح المدرعات الصهيوني، حيث مكنت مجاهدي النخبة من الالتحام من المسافة صفر واصطياد الآليات العسكرية الصهيونية التي حاولت التصدي للهجوم أو التحرك في الغلاف، كما برزت عبوات "شواظ" والتفجير المباشر بـ "عبوة العمل الفدائي"، مما بث رعباً عقائدياً ونفسياً غير مسبوق في قلوب أفراد سلاح المدرعات الصهيوني وحيّد قوتهم البرية الضاربة.

منظومات الإنزال الجوي والبحري (منظومة صقر وكوماندوز زيكيم):

وطورت المقاومة تجهيزات تكتيكية خاصة شملت تصنيع محركات دفع خلفية لعربات الطيران الشراعي محلية الصنع (سرب صقر)، وتوفير بدلات ومعدات غطس ذاتية ومغلقة لا تترك أثراً من الفقاعات الهوائية على سطح الماء لقوات الكوماندوز البحري.

ووفرت هذه الأدوات عنصر المباغتة المطلقة من أبعاد ثلاثية (جو، بر، بحر)، حيث تمكن مجاهدو سرب صقر من التحليق فوق الخط الزائل والهبوط داخل القواعد القيادية الصهيونية الحصينة، في حين نفذت مجموعات الكوماندوز إنزالاً ناجحاً على شواطئ قاعدة "زيكيم" العسكرية، مما أربك منظومة القيادة والسيطرة الصهيونية بالكامل وعجّل بسقوط الغلاف.

ثانياً: تدوير مخلفات الاحتلال.. قلب السحر على الساحر

لم يكن نجاح المقاومة الفلسطينية في بناء ترسانتها العسكرية مجرد عملية تجميع تقليدية للأسلحة، بل كان معركة أدمغة استثنائية دارت فصولها في باطن الأرض، حيث أبدعت وحدات الهندسة والتصنيع العسكري في ابتكار طرق غير مسبوقة لاستغلال الأسلحة والذخائر الصهيونية التي لم تنفجر خلال الحروب المتعاقبة على القطاع، وتحويلها إلى رافعة للإنتاج الحربي عبر مسارين رئيسيين:

استخلاص المتفجرات العسكرية:، حيث صممت المقاومة ورشاً خاصة وآمنة لتفكيك القذائف الصهيونية الكبيرة (خاصة قذائف الطائرات والمدفعية التي لم تنفجر)، قام المهندسون بنجاح باستخراج المواد المتفجرة عالية الجودة مثل الـ (TNT) والـ (RDX) وإعادة صهرها وتشكيلها لحشو رؤوس الصواريخ المحلية وقذائف "الياسين 105" والعبوات التدميرية مثل "شواظ".

إعادة تدوير الهياكل المعدنية وأنابيب المياه، حيث استُخدمت المعادن المتينة المستخلصة من مخلفات قذائف وصواريخ العدو، بالإضافة إلى الأنابيب المعدنية الضخمة للبنية التحتية والمستوطنات المخلاة (مثل خطوط المياه التي تركها الاحتلال عام 2005)، بعد صيانتها وتعديلها هندسياً لـتُصبح الأبدان والركائز الأساسية لمحركات الصواريخ وراجمات الإطلاق.

ثالثاً: منظومة الأنفاق الأرضية.. الدرع الواقي والمدن الصناعية المخفية

ولعبت شبكة الأنفاق الأرضية المعقدة دور الحاضنة الآمنة والمصنع السري الذي حمى هذه الترسانة وطوّرها بعيداً عن أعين الرصد والاستخبارات الصهيونية، فلم تكن الأنفاق مجرد ممرات هجومية، بل مثّلت المنظومة الدفاعية والحيوية الأهم التي حمت ترسانة المقاومة قبل استخدامها:

الحماية من الاستطلاع والاستهداف الجوي: في ظل الرصد الصهيوني عبر المسيرات والأقمار الصناعية على مدار الساعة، وفرت شبكات الأنفاق العميقة (المدعومة بالخرسانة المسلحة) غطاءً كاملاً لخطوط الإنتاج والتصنيع، حيث كانت تُصنع الأسلحة، وتُخزن، وتُنقل بين العقد القتالية دون أن يتمكن العدو من كشفها أو تدميرها بضرباته الجوية.

ورش ومرابض إطلاق تحت أرضية: تحولت الأعماق إلى مدن صناعية مصغرة تحتوي على مخارط المعادن، ومختبرات خلط المواد الكيماوية، ومستودعات تخزين آمنة ذات رطوبة ودرجات حرارة مضبوطة للحفاظ على سلامة المتفجرات. كما أُنشئت "المرابض الصاروخية الذكية" تحت الأرض، وهي منصات إطلاق مجهزة تفتح آلياً وقت الرماية وتغلق فوراً، مما سمح للمقاومة بإطلاق آلاف الصواريخ بآمن وتنسيق تام.

رابعاً: العقول الهندسية للمقاومة.. شهداء رسموا بدمائهم خطوط الإنتاج

يقف وراء هذه المعجزة العسكرية جيل من القادة والمهندسين والشهداء الأبرار الذين زاوجوا بين العلم الأكاديمي والروح الجهادية، وتركوا بصمات خالدة غيرت وجه الصراع:

الشهيد القائد عدنان الغول (أبو بلال): يُعرف بـ "أبو الصواريخ الفلسطينية" ومؤسس التصنيع العسكري في كتائب القسام، ويعتبر هو من وضع اللبنات الأولى لصناعة قذائف الـ "آر بي جي" المحلية، وتطوير صواريخ القسام الأولى، وبندقية القنص، تاركاً خلفه مدرسة تصنيع متكاملة تخرج منها آلاف المهندسين.

الشهيد المهندس التونسي محمد الزواري: مهندس الطيران الذي اخترق حصار غزة، وأشرف مباشرة على تأسيس وتطوير سلاح الطيران المسير التابع للمقاومة (طائرات أبابيل والزواري)، حيث منحه علمه وخبرته للمقاومة قدرة نوعية على امتلاك سلاح الجو غير التقليدي الذي أعمى منظومات الرصد الصهيونية في "طوفان الأقصى".

الشهيد البروفيسور جمال الزبدة: العالم الأكاديمي المتخصص في علوم الطيران والفضاء، حيث سخر هذا العالم الفذ كل خبراته العلمية لتطوير المنظومة الصاروخية للمقاومة، وتحسين المديات، والقدرة التفجيرية، ودقة الإصابة لعائلات الصواريخ الاستراتيجية، حيث قاد دائرة التطوير حتى استشهاده هو ونجله المهندس أسامة عام 2021 بعد أن نقل علم التوجيه والدفع للأجيال الشابة.

إن هذا التلاحم الأسطوري بين العقل المبتكر، وباطن الأرض الحامي، والإصرار على استغلال أدوات الموت الصهيونية لصناعة أدوات التحرير، هو الذي جعل من غزة المحاصرة نداً عسكرياً قادراً على تحطيم تفوق الاحتلال التكنولوجي وتسجيل نصر تاريخي في صفحات الصراع

المصدر: فلسطين الآن