بين خيام النزوح المهترئة والأنقاض المتناثرة في قطاع غزة، يخوض آلاف الأطفال المصابين بداء السكري معركة صامتة ومريرة تفوق طاقة أجسادهم الغضة على الاحتمال، فلم تعد تفاصيل المرض مجرد حسابات لجرعات الأنسولين أو تنظيم للوجبات الغذائية، بل تحولت في ظل الحصار المتواصل والعدوان المستمر إلى رحلة يومية قاسية محفوفة بالبحث المضني والقلق الإنساني البالغ، حيث يتربص خطر الموت المفاجئ بهؤلاء الصغار جراء النقص الحاد في المستلزمات الطبية الأساسية، إذ تتحول وخزات الإبر التي كانت يوماً أداة لإنقاذ الحياة إلى عبء نفسي وجسدي يطارد الأمهات والآباء العاجزين عن تأمين أدوات الفحص أو الحفاظ على فاعلية الدواء في بيئة تفتقر لأدنى مقومات الحياة.
الواقع الصحي المتردي في القطاع يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها نحو 3500 طفل مصاب بالسكري من النوع الأول، والذين يعتمدون بشكل كلي وثابت على حقن الأنسولين للبقاء على قيد الحياة.
في هذه البقعة الجغرافية المحاصرة، يتجاوز النقص في الأدوية مجرد كونه أزمة إمدادات عابرة ليدخل في سياق التهديد المباشر لحق هؤلاء الأطفال في الحياة والنمو الطبيعي. إن غياب شرائح قياس نسبة السكر في الدم، واختفاء أقلام الأنسولين الحديثة، يدفعان العائلات المكلومة نحو خيارات كارثية تهدد بحدوث مضاعفات خطيرة كالحموضة الكيتونية وغيبوبة السكر التي قد تؤدي للوفاة في أية لحظة.
وتزداد فصول هذه المأساة تعقيداً مع استمرار انقطاع التيار الكهربائي الشامل وتدمير البنية التحتية، مما يجعل من عملية تخزين الأنسولين وحفظه في درجات حرارة مناسبة أمراً شبه مستحيل في الخيام والمراكز الإيوائية المكتظة.
هذا الواقع القاسي يفسد الفائدة العلاجية للشحنات الضئيلة التي تصل بجهود شاقة، ويجبر العائلات على استخدام أدوية تالفة أو منتهية الصلاحية لإنقاذ أطفالهم من نوبات الارتفاع الحاد، مما يضيف خطراً جديداً إلى قائمة المخاطر الطبية المحدقة بهم. إنها حرب أخرى يواجهها الصغار بلا هدنة، حيث يلتقي فيها الحصار الطبي الجائر مع سوء التغذية الحاد وتلوث المياه.
وأمام هذا التدهور غير المسبوق، يتجلى عجز المجتمع الدولي ومؤسساته الإغاثية عن فرض ممرات آمنة ومستدامة لإدخال المساعدات الطبية الحيوية الخاصة بمرضى الأمراض المزمنة.
ويبقى صوت استغاثة الأطفال المرتجف في الوقفات الاحتجاجية داخل ما تبقى من مستشفيات القطاع شاهداً على خذلان قسري يعمق جراح غزة. إن المسؤولية الأخلاقية والقانونية تستوجب تدخلاً فورياً لإنهاء هذه المعاناة، وتوفير المتطلبات العلاجية والغذائية المناسبة لأطفال لا ذنب لهم سوى أنهم يواجهون مرضاً مزامناً لظروف سياسية وإنسانية بالغة القسوة.
دمعة فوق وخزة الأنسولين المفقودة..
وتروي السيدة أم يوسف تفاصيل المعاناة اليومية التي تعيشها مع طفلها البالغ من العمر تسع سنوات، واصفة حياتها بأنها تحولت إلى حلقة مفرغة من الخوف والترقب الدائم خشية فقدانه، مشيرة إلى أن الاستيقاظ كل صباح يبدأ برحلة سير طويلة ومضنية على الأقدام بين الصيدليات ومراكز الإغاثة المتناثرة، على أمل العثور على قلم أنسولين واحد أو شريط فحص يقي جسد طفلها الهزيل خطر الغيبوبة المفاجئة التي باتت تلازمه بفعل التقلبات الحادة في مستويات السكر.
وتضيف الوالدة بنبرة يملأها القهر الإنساني في حديثها لـ"فلسطين الآن"، أنها تضطر في كثير من الأحيان إلى تقليص جرعات العلاج المحددة لطفلها بهدف إطالة أمد الاستفادة من المخزون الضئيل المتوفر لديها، على الرغم من إدراكها الكامل للمخاطر الطبية الكبيرة المترتبة على هذا الإجراء.
وتوضح أن غياب الأغذية الصحية المخصصة لمرضى السكري والاعتماد الكامل على المعلبات والمساعدات الغذائية العامة المتوفرة في المخيمات يضاعفان من صعوبة السيطرة على تفاقم الحالة الصحية ليوسف، مما يجعله في حالة إعياء وإجهاد مستمرين.
وتختتم أم يوسف حديثها بالإشارة إلى المعضلة الكبرى المتمثلة في تخزين الدواء، حيث تفتقر الخيمة التي تقطنها لأي وسائل تبريد، مما يدفعها لابتكار طرق بدائية لحفظ الأنسولين عبر لفه بقطع قماش مبللة بالماء لحمايته من التلف.
وتناشد الوالدة كافة الضمائر الحية والجهات المعنية بضرورة النظر بخصوصية تامة إلى ملف هؤلاء الأطفال المرضى، معتبرة أن توفير الإبر وأدوات الفحص هو حق أساسي وبديهي لإنقاذ الطفولة المستباحة في قطاع غزة من موت محقق وصامت.
تقارير المؤسسات الدولية تدق ناقوس الخطر..
أكدت التقارير الأخيرة الصادرة عن منظمة الصحة العالمية أن المنظومة الصحية في قطاع غزة تواجه ضغوطاً شديدة وغير مسبوقة بسبب القيود الصارمة المفروضة على دخول الأدوية الحيوية والمستلزمات الطبية الأساسية.
وأوضحت المنظمة الدولية أن العجز الحاد في أدوية الأمراض المزمنة، وعلى رأسها الأنسولين بجميع أنواعه، يضع حياة آلاف المرضى على المحك، لا سيما الأطفال الذين يواجهون صعوبات بالغة في الحصول على الرعاية الطبية والتشخيصية اللازمة لمتابعة مستجدات حالتهم الصحية بشكل دوري ومنتظم.
وفي السياق ذاته، حذر الاتحاد الدولي للسكري في بياناته الميدانية من أن تدمير البنية التحتية والتعطل الكامل لسلاسل التبريد والكهرباء في غزة يرفعان من مخاطر تعرض الأطفال المصابين بالسكري لمضاعفات صحية مميتة.
وأشار الاتحاد إلى أن تأخر وصول الشحنات الإنسانية الطبية يسهم في تدهور الحالات المستقرة وتحولها إلى حالات طارئة تستدعي الدخول الفوري لغرف العناية المركزة، وهو ما لا تطيقه المستشفيات التي تضررت وخرج معظمها عن الخدمة الفعلية جراء الاستهداف المباشر.
من جهتها، أدانت منظمات حقوقية دولية استمرار الحصار الطبي الجائر واعتبرت أن حرمان الأطفال من الأنسولين والمستلزمات الطبية الضرورية يمثل انتهاكاً صارخاً للحقوق الأساسية التي كفلتها المواثيق الدولية وقوانين حقوق الإنسان.
وطالبت هذه الهيئات بضرورة تسيير قوافل طبية عاجلة ومتخصصة تشرف عليها جهات دولية لضمان التوزيع العادل والمباشر للأدوية على العائلات المتضررة، محذرة من أن التراخي في اتخاذ خطوات فعلية سيعني حتماً ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد الوفيات بين صفوف المرضى الصغار.
أجساد الصغار تقاوم عجز الإمكانيات والمستشفيات..
بدوره أكد الدكتور وائل شحادة، المختص بأمراض الأطفال، أن الحالات التي تصل إلى أقسام الطوارئ بين صفوف الأطفال المصابين بالسكري باتت تعاني من درجات متقدمة من الخطورة لم تكن معهودة بالوتيرة ذاتها قبل هذه الأزمة الكارثية المستمرة. مشيراً إلى أن النقص المطلق في مخزون الأنسولين سريع المفعول طويل الأجل، بالإضافة إلى انعدام أجهزة الفحص المنزلي الرقمي، يحرم الأطباء والعائلات من القدرة على ضبط جرعات العلاج بدقة، مما يؤدي إلى تكرار حالات الحموضة الكيتونية الحادة لدى الأطفال.
ويشرح الطبيب المختص في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن الطواقم الطبية المتبقية تعمل في ظروف بالغة التعقيد والخطورة في ظل شح المواد المخبرية اللازمة لإجراء الفحوصات الطبية الأساسية لمراقبة وظائف الكلى ومستويات السكر التراكمي في الدم.
ويضيف أن انهيار المراكز الصحية الأولية التابعة لوزارة الصحة والأنروا بنسبة تتجاوز الثمانين بالمئة قد قطع حبل التواصل الطبي العلاجي بين المريض والمستشفى، مما جعل المتابعة الوقائية غائبة تماماً وحول دور المستشفيات الحالية إلى مجرد محاولات لإنقاذ الحياة في اللحظات الأخيرة.
ويؤكد المختص في ختام إفادته الطبية أن الحلول المؤقتة التي تلجأ إليها بعض الأسر، مثل استخدام حقن قديمة أو تقاسم الجرعات بين الإخوة المرضى، تنطوي على مخاطر تسمم طبي والتهابات جلدية حادة تزيد من معاناتهم الجسدية.
ويشدد على أن الكادر الطبي يطلق صرخة استغاثة إنسانية أخيرة إلى المؤسسات الطبية العالمية والصليب الأحمر الدولي للضغط الجاد من أجل إدخال مستلزمات السكري والأنسولين دون قيود، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أجساد أطفال غزة الغضة.
