نشرت مجلة "ناشيونال إنترست" مقالا للصحفي ألكسندر لانغلوا عن الأوضاع في قطاع غزة في ظل الاختراقات الإسرائيلية اليومية لوقف إطلاق النار.
وأضاف، إن اتفاق وقف إطلاق النار وخطة سلام ترامب لم تحقق أي تقدم يُذكر نحو إنهاء الحرب بين إسرائيل وحماس، أو وقف الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة.
وأضاف، أن هناك وضعا خطيرا ترسخ يمثل الاحتلال الإسرائيلي لمعظم قطاع غزة، وتشديد الحصار عليه، إلى جانب هجوم أوسع على النظام القانوني الدولي، تهديدا مباشرا لحياة الفلسطينيين، في ظل مساعي إسرائيل الرامية في نهاية المطاف إلى تهجير سكان غزة قسرا وضم القطاع.
وفيما يلي نص المقال:
إنه بالنسبة للعديد من الفلسطينيين، لا يزال الاحتلال العسكري والغارات، إلى جانب نقص الإمدادات، جزءا من واقع حياتهم اليومية، وذلك بعد مرور عام على النهاية الرسمية للأعمال العدائية بين إسرائيل وحركة حماس.
لقد مرّ أكثر بقليل من عام على بدء ما يسمى بوقف إطلاق النار في غزة في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025. وخلال هذه الفترة، لم يحقق هذا الاتفاق -ولا حتى خطة السلام المكونة من 20 نقطة التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب- أي تقدم يُذكر نحو إنهاء الحرب بين إسرائيل وحماس، أو وقف الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة.
وبدلا من ذلك، ترسخ وضع راهن خطير؛ حيث يمثل الاحتلال الإسرائيلي لمعظم قطاع غزة، وتشديد الحصار عليه، إلى جانب هجوم أوسع على النظام القانوني الدولي، تهديدا مباشرا لحياة الفلسطينيين، في ظل مساعي إسرائيل الرامية في نهاية المطاف إلى تهجير سكان غزة قسرا وضم القطاع.
أما الحكومة الأمريكية، فتقدم بالطبع صورة مغايرة؛ إذ وصفت في بيانها بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لوقف إطلاق النار المزعوم وجود "تقدم" و"اختراق تاريخي" حقق نتائج "استثنائية". وتتماشى هذه اللغة إلى حد كبير مع تصريحات شخصيات بارزة داخل إدارة ترامب والمحيطين بها، وكذلك ما يسمى بـ "مجلس السلام" -وهو الهيئة التي أُنشئت لإدارة عملية إعادة إعمار غزة في مرحلة ما بعد الحرب. وبالنسبة لمسؤولين مثل جاريد كوشنر، صهر ترامب وأحد كبار المفاوضين في ملف غزة، فإن أي تقدم -مهما كان ضئيلا- يستحق الإشادة، لا سيما وأنه أدى، من بين أمور أخرى، إلى تراجع نسبي في حدة العنف.
ومع ذلك، فإن هذه العقلية تحديدا هي التي تشكل التهديد الأكبر للفلسطينيين في غزة اليوم. فبدلا من إنهاء العنف، قتلت إسرائيل 1505 فلسطينيين وأصابت 5332 آخرين منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، لتضيف هذه الأرقام إلى حصيلة الضحايا التي بلغت نحو 250 ألف شخص منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023. كما تواصل إسرائيل قصف أهداف في مختلف أنحاء القطاع، ونفذت عمليات اغتيال استهدفت مسؤولين في حركة حماس، في انتهاك مباشر لشروط وقف إطلاق النار.
واصلت إسرائيل، في الوقت ذاته، تدمير أجزاء من قطاع غزة التي تحتلها مباشرة، ماسحة مدنا رئيسية -مثل مدينة رفح في الجنوب- من على الخريطة، في عملية "تدمير شامل للمدن" أدت أيضا إلى طمس آثار عدد لا يحصى من المدنيين الفلسطينيين الذين قتلتهم خلال الحرب. ورغم سماح إسرائيل بدخول المزيد من المساعدات إلى القطاع، إلا أن هذه الزيادة تظل ضئيلة للغاية؛ إذ لم تؤدِّ سوى إلى تحسين مؤشرات الأمن الغذائي من مستوى "المجاعة" إلى مستوى "الأزمة" أو ما هو أسوأ بالنسبة لـ 1.2 مليون فلسطيني، وذلك وفقا لـ "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي"، وهي آلية تعمل بالشراكة مع الأمم المتحدة لقياس مستويات الأمن الغذائي حول العالم.
وتستحق القيود التي تفرضها إسرائيل باستمرار على المعابر الحدودية لقطاع غزة اهتماما خاصا؛ فهي تشكل ركيزة أساسية للحصار الذي تفرضه، وتدعم مساعيها الرامية إلى جعل الحياة مستحيلة للفلسطينيين، سواء بشكل كلي أو جزئي. إذ تمنع إسرائيل بانتظام دخول السلع الأساسية إلى غزة، بما في ذلك الوقود، والإمدادات الطبية، والأجهزة المساعدة للأشخاص ذوي الإعاقة، ومواد البناء. كما تواصل رفض السماح بإجلاء أعداد كبيرة من المرضى والمصابين الفلسطينيين لتلقي العلاج في الخارج، في حين لا يزال أكثر من 21 ألف شخص مدرجين على قوائم الانتظار، بينما توفي أكثر من ألفين آخرين أثناء انتظارهم للإجلاء.
وقد دأبت الأمم المتحدة، وكبرى المنظمات الإنسانية، ومعظم منظمات حقوق الإنسان البارزة على إدانة سياسات إسرائيل في غزة منذ اندلاع الحرب في تشرين الأول/ أكتوبر 2023؛ وهي سياسات تصفها مؤسسات مرموقة وخبراء بارزون في دراسات الإبادة الجماعية حول العالم بأنها "إبادة جماعية". وفي كانون الثاني/ يناير 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية -في قضية رفعتها جنوب أفريقيا- حكما أوليا خلصت فيه إلى أن الفلسطينيين يواجهون خطرا حقيقيا بوقوع ضرر لا يمكن إصلاحه، وأن ممارسات إسرائيل في القطاع قد تنتهك حقوق الفلسطينيين وحمايتهم من الإبادة الجماعية.
وقد أمر ذلك الحكم إسرائيل بوقف عملياتها وأي إجراءات قد ترقى -بشكل معقول- إلى جريمة الإبادة الجماعية من خلال القضاء على الوجود الفلسطيني في غزة، كليا أو جزئيا.
وقد صدر هذا الحكم بعد أربعة أشهر فقط من هجمات حركة حماس في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وبدء الغزو الإسرائيلي لقطاع غزة. بعد مرور ثلاث سنوات على الإبادة الجماعية، وعامٍ على وقف إطلاق نارٍ لا وجود له إلا بالاسم، يتردد صدى ذلك الحكم كتحذيرٍ لم يلقَ آذانا صاغية، سواء من قِبل إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن أو من قِبل إدارة ترامب الحالية.
إن التواطؤ في واشنطن -وبدرجة كبيرة في العواصم الأوروبية أيضا- في دعم جرائم إسرائيل والمساعدة على ارتكابها، يترك وصمة شنيعة ومقيتة على جبين ما يُسمى بـ "الديمقراطية الليبرالية" التي تدعي تقدير حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية الأساسية.
في الواقع، وفي ظل إدارات أمريكية متعاقبة وبدعم من حكومات أوروبية عديدة، عملت الولايات المتحدة بنشاط ودون أي خجل على تسهيل الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل. فقد باعت واشنطن لإسرائيل أسلحة بمليارات الدولارات، استُخدمت لقتل نساء وأطفال ومسنين فلسطينيين. ويبدو أن ما يُسمى بـ "خطة السلام" الأمريكية تهدف في جوهرها إلى مساعدة إسرائيل على تنفيذ تطهير عرقي في قطاع غزة من خلال الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، تحت ذريعة "التنمية" و"أمن إسرائيل".
وعلى الصعيد الدبلوماسي، وفرت واشنطن غطاء لإسرائيل في المحافل الدولية، مثل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وسارت الدول الأوروبية على النهج ذاته؛ إذ اكتفت بإصدار بيانات خجولة تعبر عن "الأسف" أو "القلق"، متجنبة في الوقت ذاته إغضاب حليفتها الكبرى، الولايات المتحدة، خشية فقدان الدعم فيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا. وبذلك، آثرت هذه الحكومات -وما يُطلق عليهم "القادة"- تغليب مصالح القوة والسياسة على حساب حياة البشر.
وهذا التواطؤ هو ما يضع هذه الدول في حالة انتهاك صريح للقانون الدولي. وبدلا من الالتزام بالتعهدات الدولية التي وُضعت في أعقاب الحرب العالمية الثانية -والتي كان من المفترض أن تضمن عدم تكرار فظائع الماضي- عمدت الولايات المتحدة إلى تكثيف هجومها على النظام القانوني الدولي.
ويتجلى ذلك بوضوح في العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب في 9 تشرين الأول/ أكتوبر على المحكمة الجنائية الدولية -على خلفية إصدارها مذكرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين، بمن فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مايو/أيار 2024- بالإضافة إلى الضغوط التي مارستها واشنطن على الدول الأعضاء في المحكمة لحثها على "تفكيكها".
وتندرج هذه الإجراءات ضمن سياسة أوسع تهدف إلى تقويض سيادة القانون، والعودة إلى حقبةٍ كانت فيها "القوة هي التي تفرض الحق". وقد صرح مسؤولون كبار في إدارة ترامب بذلك صراحة، وهو ما كرره ترامب نفسه -في موقف مخزٍ- خلال القمة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة في أواخر أيلول/ سبتمبر. ومن خلال تبني هذا النهج الأيديولوجي الضار، تواصل واشنطن وحلفاؤها التورط في جرائمهم، سواء في قطاع غزة أو في مناطق أخرى حول العالم، من أفغانستان وإيران وصولا إلى الصومال واليمن.
وهذا الواقع، مقترنا بالممارسات الإسرائيلية المستمرة، يفسر -للأسف- لماذا من المرجح أن يظل الوضع الراهن في قطاع غزة على حاله. إن العالم في واقعه الراهن لا يمنح حقوق الإنسان أولوية تتقدم على ممارسة القوة المجردة؛ وهو ما يعكس الاندثار الفعلي لما يُسمى بـ "النظام القائم على القواعد" - ذلك النظام الذي لم يكن يخدم في الأساس سوى الدول الأكثر ثراء ونفوذا.
ومع هذا الاندثار، ينهار القانون الدولي، وتتلاشى فكرة أن جميع البشر والأمم متساوون، ويستحقون التمتع بالحقوق الأساسية التي يكفلها القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. ورغم أن لكل دولة مصلحة في دعم النظام القانوني الدولي، إلا أن حسابات القوة قصيرة المدى تظل هي المحرك الأقوى والأكثر تأثيرا.
ومع ذلك، لا يزال هناك أمل في إمكانية نشوء عالم أفضل من بين أنقاض السنوات القليلة الماضية. إذ تتزايد في مختلف أنحاء العالم أصوات الرفض للنزعات الاستبدادية والإجرامية التي تبنتها حفنة من الدول، مما مهد الطريق لوقوع هذه الجرائم. كما يتسع نطاق التضامن مع فلسطين، وتتعزز القناعة بضرورة الاعتراف بالإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة ورفضها؛ وهو ما يشير إلى تحول ملموس في المشهد السياسي المتعلق بالقضية الفلسطينية.
ومع هذا التحول، ينمو الأمل في أن تفتح العمليات الانتخابية والسياسية بابا للتغيير الإيجابي، تغييرا يطالب بالعدالة لعشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين قُتلوا باسم نهج سياسي بغيض؛ نهجٌ لا ينبغي الاكتفاء برفضه فحسب، بل يجب أيضا تذكره (كي لا يتكرر).
قد يأتي هذا التحول متأخرا جدا بالنسبة لمن فقدوا حياتهم، لكنه لا يزال قادرا على إنقاذ مستقبل الفلسطينيين في غزة وعموم الأراضي الفلسطينية المحتلة، الذين يستحقون السلام والعدالة وحق تقرير المصير. أما في الوقت الراهن، فسيظل الوضع القائم في غزة على حاله، مما يفرض على منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية مواصلة جهودها للمطالبة بإنهاء الإبادة الجماعية، والضغط بجدية على إسرائيل - لا سيما من جانب واشنطن - لضمان تحقيق هذا الإنهاء.
