في غزة، حيث لم تترك الحرب تفاصيل الحياة اليومية إلا وأثقلت كاهلها، لم تعد إطارات السيارات مجرد قطعة مطاطية تحتاج إلى الاستبدال عند تلفها، بل تحولت إلى سلعة نادرة يصعب العثور عليها، وعبء مادي يفوق قدرة كثير من المواطنين والسائقين.
وبين شح الإطارات الجديدة، وارتفاع أسعار المتوفر منها، ونقص المواد اللازمة للإصلاح، يجد أصحاب المركبات أنفسهم أمام خيارات محدودة؛ إما دفع مبالغ باهظة لإصلاح الإطارات القديمة، أو إبقاء سياراتهم متوقفة، أو المخاطرة بمواصلة السير بإطارات أنهكها الاستخدام المتكرر.
وفي قطاع أنهكت الحرب بنيته التحتية، وتضررت شوارعه ومركباته، بات الحفاظ على عجلات السيارات صراعًا يوميًا من أجل استمرار الحركة وتأمين الاحتياجات الأساسية.
إطارات مستهلكة.. ومحاولات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
داخل ورش إصلاح الإطارات في قطاع غزة، تتجلى ملامح الأزمة بوضوح؛ إطارات قديمة ومتهالكة، ومواد إصلاح شحيحة، وعمال يحاولون إيجاد حلول بديلة لإعادة العجلات إلى العمل، في ظل صعوبة توفير إطارات جديدة.
ولم يعد إصلاح الإطار يقتصر على معالجة ثقب أو استبدال قطعة تالفة، بل أصبح محاولة لإطالة عمر إطار استُهلك مرات متتالية، بعدما بات استبداله خيارًا مكلفًا أو غير متاح.
وتشير تقارير صحفية نُشرت خلال عام 2026 إلى لجوء بعض ورش الإصلاح في غزة إلى وسائل غير تقليدية، من بينها إعادة ترميم التشققات والثقوب بمواد بديلة، في محاولة لإبقاء الإطارات قيد الاستخدام لأطول فترة ممكنة.
عجلات متهالكة وإمكانيات مستنزفة..
لم تعد أزمة إطارات السيارات في قطاع غزة تقتصر على شحّ الإطارات الجديدة وارتفاع أسعارها، بل امتدت إلى نقص مواد التصليح ومحدودية الإمكانيات داخل ورش الصيانة. وبين إطارات أنهكها الاستخدام المتكررة.
وفي حديث مع صاحب ورشة لتصليح ينتشر الإطارات، يقول أن "الوضع صعب جدًا، الإطار اللي كان يتصلح بسهولة صار بده مواد غير متوفرة، وحتى لو لقيناها بيكون سعرها فوق الغالي. بنحاول نصلّح الإطار أكثر من مرة، لأنه صاحب السيارة مش قادر يشتري إطار جديد، وإحنا كمان شغلنا تأثر بسبب نقص الإمكانيات".
ويضيف محمود الشاعر خلال حديثه لـ "فلسطين الآن" أننا "أصبحنا نبتكر من العدم، ونبتدع حلولًا قد لا يستوعبها العقل، في محاولة لإبقاء عجلة الحياة دائرة رغم شحّ الإمكانيات. حتى إصلاح إطارات السيارات بات رحلةً من التجارب والبدائل؛ نستخدم الطحين داخل الإطار، لكنه لا يحقق النتيجة المطلوبة ولا يغني عن المواد المخصّصة للإصلاح. ونلجأ إلى ترقيع الإطار باستخدام الكيّ، لكن في ظل انقطاع الكهرباء وعدم توفرها، نضطر إلى ابتكار طرق بديلة، فنلجأ إلى حياكة الرقع يدويًا، في مشهد يجسّد حجم المعاناة التي يعيشها العاملون في هذا القطاع، وهم يحاولون مواصلة العمل بما هو متاح، لا بما يحتاجون إليه".
شح الإمكانيات.. أزمة تتجاوز الإطار نفسه
لا تتوقف المشكلة عند ندرة الإطارات الجديدة، بل تمتد إلى نقص المواد الأساسية اللازمة لإصلاحها، من الرقع المطاطية والمواد اللاصقة إلى مستلزمات الصيانة الأخرى.
وفي ظل هذه الظروف، يواجه أصحاب الورش صعوبة في توفير احتياجات عملهم، بينما ترتفع كلفة الإصلاح وتتراجع قدرة المواطنين على دفع ثمنه.
ولا يخفي على أحد بنقص حاد في قطاع صيانة السيارات إلى الاختفاء شبه الكامل للإطارات وقطع الغيار والزيوت من الأسواق، وإلى اضطرار بعض الورش إلى الاستفادة من قطع المركبات القديمة والمتضررة لتوفير بدائل محدودة.
وتزيد الطرق المتضررة بفعل الحرب من معاناة السائقين، إذ تتعرض الإطارات لمزيد من الضغط والتلف، ما يرفع الحاجة إلى الإصلاح في وقت تتقلص فيه الخيارات المتاحة.
وهكذا، يجد السائق نفسه عالقًا بين شوارع تحتاج إلى مركبات قادرة على الحركة، وسوق لا يوفر بسهولة مستلزمات استمرارها.
السائقون والمواطنون.. كلفة إضافية فوق أعباء الحياة
بالنسبة إلى سائقي سيارات الأجرة والمركبات العاملة في نقل المواطنين والبضائع، لا تعني أزمة الإطارات مجرد عطل فني عابر، بل تهديدًا مباشرًا لمصدر الرزق.
فكل يوم تتوقف فيه المركبة عن العمل يعني خسارة دخل يحتاج إليه السائق لتوفير احتياجات أسرته، فيما يؤدي ارتفاع تكاليف الصيانة إلى تقليص ما يتبقى من عائد عمله.
أما المواطنون، فتنعكس الأزمة عليهم بصورة غير مباشرة، من خلال صعوبة التنقل وارتفاع تكاليف تشغيل المركبات، في وقت يحتاج فيه كثيرون إلى وسائل النقل للوصول إلى المستشفيات والأسواق ومراكز الخدمات.
ويقول السائق محمد ماضي من سكان مواصي خانيونس خلال حديثه لـ"فلسطين الآن" بأن "السيارة هي مصدر رزقنا، يعني إذا تعطل إطار وما قدرنا نصلّحه أو نبدّله، السيارة بتظل واقفة، وإحنا بنظل بلا شغل وبلا دخل، وممكن تمرّ أيام وإحنا مش قادرين نوفّر قوت يومنا. المشكلة مش بس في الارتفاع الكبير بأسعار الإطارات، المشكلة كمان في نقص مواد التصليح، وحتى المواد الأساسية اللي كنا نعتمد عليها صرنا نبحث عن بدائل إلها، ونبتكر طرقًا بدائية عشان نرجّع الإطار للخدمة. أحيانًا بنضطر نستخدم مواد غير مخصّصة للإصلاح، ونشتغل بإمكانيات محدودة جدًا، وحتى انقطاع الكهرباء بعطّل علينا طرق التصليح المعتادة. إحنا اليوم بنحاول نشتغل بأي وسيلة متاحة، مش لأن هاي الطرق فعّالة أو آمنة بالشكل المطلوب، لكن لأنه ما عنا خيارات ثانية. وكل يوم بتتعطل فيه سيارة، بتزيد خسارتنا، وبتتأثر أرزاقنا وأرزاق أصحاب السيارات اللي بيعتمدوا عليها في حياتهم اليومية. إحنا مش طالبين المستحيل، كل اللي بدنا إياه تتوفر مواد التصليح ونقدر نرجع نشتغل بكرامة ونأمّن لقمة عيشنا".
وأضاف أننا "حتى لما نروح على ورشة تصليح الإطارات، بنضطر نستنى ساعات طويلة لحد ما ييجي دورنا، وممكن يروح علينا اليوم كله وإحنا واقفين على الدور. يعني بدل ما نشتغل ونوفّر مصروف يومنا، بنضيّع اليوم في انتظار تصليح السيارة، وبنرجع على بيوتنا من غير دخل. إحنا في غزة بنعاني من غلاء الإطارات ونقص مواد التصليح، واليوم حتى إصلاح إطار بسيط صار بده وقت وجهد وتكلفة، وكل ساعة بتضيع علينا معناها خسارة جديدة، وعبء إضافي على بيوتنا وأولادنا".
مخاطر على الطريق.. عندما يصبح الإصلاح الاضطراري مخاطرة
وفي ظل ندرة البدائل، قد يضطر بعض السائقين إلى إعادة إصلاح الإطار نفسه مرات متكررة، أو مواصلة استخدام إطارات متآكلة بسبب عدم القدرة على استبدالها.
لكن هذه الحلول لا تخلو من المخاطر، خصوصًا عندما يتعرض الإطار لتلف بنيوي أو تصبح حالته غير آمنة للسير.
وفي حديث مع أحد المواطنين لـ"فلسطين الآن" الذي قال أنه تعرض لحادث سير غريب على حد وصفه، "ركبت من جامعة الأقصى باتجاه دير البلح على عربة تجرّها سيارة، وخلال الطريق، وبسبب سوء حالة الشوارع وكثرة الحفريات، تعرّض أحد إطارات السيارة للثقب بشكل مفاجئ، ما أدى إلى انفصال السيارة عن العربة الخلفية. كانت لحظات خطيرة كادت أن تتحول إلى كارثة، ولولا لطف الله لوقعت خسائر في الأرواح. اليوم، لم تعد الحفر وتدهور الطرق مجرد عائق أمام تنقّل المواطنين، بل باتت تهدد حياتهم، في ظل إطارات مستهلكة وشحّ البدائل وصعوبة توفير وسائل نقل آمنة".
وتزداد خطورة الوضع مع تضرر الطرق وانتشار الحفر والركام، إذ يمكن أن يؤدي انفجار الإطار أو فقدان السيطرة على المركبة إلى حوادث تهدد حياة السائقين والركاب.
لذلك، لا تقتصر الحاجة على توفير الإطارات الجديدة ومواد الإصلاح، بل تشمل أيضًا ضمان توفر بدائل آمنة، وعدم الاضطرار إلى استخدام حلول ترقيعية لا تلائم حالة الإطار أو طبيعة العطل.
ففي غزة، لم تعد أزمة إطارات السيارات تفصيلًا صغيرًا في مشهد الحرب، بل أصبحت جزءًا من أزمة أوسع تطال وسائل النقل ومصادر الرزق والقدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية.
وبين ورش تحاول العمل بما تبقى لديها من إمكانيات، وسائقين يخشون توقف مركباتهم، ومواطنين يتحملون تبعات ارتفاع تكاليف النقل، تستمر المعاناة مع كل إطار يتلف ولا يتوفر بديل له.
فحين يصبح العثور على إطار صالح للسير مهمة شاقة، لا تتوقف المشكلة عند عجلة سيارة، بل تمتد إلى حياة مدينة بأكملها تحاول الحفاظ على ما تبقى من قدرتها على الحركة.
