اعتبر الإسرائيليون ما كان يُعد من المُسلَّمات طوال أكثر من ثلاثة عقود بشأن الدعم الأمريكي المفتوح لتل أبيب، قد أصبح موضع شك الآن، خصوصاً وأن الناخبين لم يعاقبوا دونالد ترامب بسبب سياساته الداخلية فحسب، بل أيضاً بسبب دعمه لإسرائيل.
بهذا الشأن، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريراً للصحفية إيزابيل كيرشنر من القدس المحتلة، قالت فيه إن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية كشفت، للعديد من الإسرائيليين، عن مدى تدهور علاقة بلادهم بالولايات المتحدة، وسلطت الضوء على حدود الرهان الذي وضعه بنيامين نتنياهو على صداقته الطويلة مع الرئيس ترامب.
وقد أدى فوز الديمقراطيين الساحق على الحزب الجمهوري -في ظل تزايد انتقادات بعض أعضاء مجلسي النواب والشيوخ لـ"إسرائيل" قبيل التصويت- إلى تعميق شعور تل أبيب المتزايد بالعزلة الدولية بعد سنوات من الحروب.
وتأتي هذه النتائج في توقيت حساس بالنسبة لدولة الاحتلال، التي تواجه أزمة سياسية داخلية بعد انتخابات لم تسفر عن نتائج حاسمة، فضلاً عن احتمالية اندلاع جولة جديدة من الصراع مع إيران.
وبات مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة -أهم حليف لإسرائيل- على المحك، وكذلك المساعدات العسكرية الأمريكية السنوية التي تقدر بمليارات الدولارات؛ وهو مؤشر على مدى تراجع الدعم التقليدي لإسرائيل، سواء بين الديمقراطيين أو الجمهوريين.
وقد استغل منتقدو نتنياهو وخصومه السياسيون هذه النتائج كدليل على سوء إدارته لمصالح الأمن القومي الإسرائيلي.
يقول جيريمي إيساشاروف، سفير الاحتلال السابق لدى ألمانيا: "النتائج التي نراها اليوم هي بالضبط السبب الذي جعل إسرائيل تحرص دائماً على الحفاظ على سياسة قائمة على دعم الحزبين تجاه أمريكا".
وكان إيساشاروف قد تعامل مع جوانب متعددة من العلاقات الاستراتيجية بين تل أبيب وواشنطن خلال مسيرته الدبلوماسية الطويلة، التي شملت فترتي عمل في سفارة دولة الاحتلال لدى الولايات المتحدة.
ويضيف إيساشاروف أن نتنياهو -وهو سياسي محافظ- تخلى عن هذا النهج منذ نحو عقد من الزمن، ليصبح بذلك "أكثر رئيس وزراء إسرائيلي اعتماداً على رئيس أمريكي بعينه".
وفي وقت سابق من هذا العام، صرّح نتنياهو بأن إسرائيل قد "بلغت سن الرشد"، معرباً عن نيته إنهاء الجانب المالي من المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل في غضون عقد من الزمن.
وقال إنه يرغب في أن تتولى تل أبيب تمويل مشترياتها من الأسلحة بنفسها، وأن تطور صناعتها الدفاعية الخاصة، وتنتقل "من مرحلة تلقي المساعدات إلى مرحلة الشراكة"؛ وهو طرحٌ ربما قصد به التعبير عن موقفٍ ظنّ أن ترامب يود سماعه.
لكن في يوم الانتخابات الأمريكية، فاجأ ترامب الإسرائيليين بإعلانه عن وقف المساعدات السنوية التي تتلقاها دولة الاحتلال -والتي تبلغ قيمتها قرابة 4 مليارات دولار- "بحلول نهاية العام"، رغم أن اتفاقية المساعدات الحالية بينهما لا تنتهي إلا في عام 2028.
وفي مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز"، أوضح ترامب أن هذه الخطوة سياسية، وتهدف إلى سحب "ذريعة سلبية" من أيدي الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي، لا سيما بعد أن أصبحت المساعدات المقدمة لإسرائيل قضية مثيرة للانقسام خلال انتخابات التجديد النصفي.
وأشار ترامب إلى أن نتنياهو كان على علم بالقرار وموافقاً عليه، رغم أن رئيس الوزراء لم يُدلِ بأي تعليق حتى الآن.
وفي الوقت الذي يكافح فيه نتنياهو من أجل مستقبله السياسي -عقب انتخاباتٍ لم تمنح كتلته ولا خصومه مساراً واضحاً لتشكيل حكومة- سارعت المعارضة إلى استغلال الموقف سياسياً.
وقال غادي آيزنكوت، المنافس الرئيسي لنتنياهو، إن حقيقة علم المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية بهذا التغيير الجذري في العلاقات الاستراتيجية عبر وسائل الإعلام "تُظهر بوضوح مدى الخطورة الحقيقية التي يمثلها سلوك بنيامين نتنياهو"، وأضاف: "لم يعد بالإمكان الوثوق به، ويجب استبداله".
من جانبه، صرّح يائير غولان، زعيم حزب "الديمقراطيين" اليساري ونائب رئيس الأركان السابق، قائلاً: "إن إنهاء المساعدات الأمريكية يلحق ضرراً بالغاً بأمن إسرائيل وبمستوى المعيشة في البلاد".
أما أفيغدور ليبرمان، وهو منافس آخر لنتنياهو من معسكر اليمين، فقد صرّح قائلاً: "تكلفة دعم ترامب لنتنياهو تبلغ 3.8 مليار دولار سنوياً"، في إشارة واضحة إلى التأييد القوي الذي أبداه ترامب لنتنياهو قبيل الانتخابات الإسرائيلية الشهر الماضي.
ولم يصدر عن مكتب نتنياهو أي رد فوري على طلب للتعليق، وقد مهد هذا التحول في طبيعة المساعدات الطريق لمزيد من القلق العميق مع ظهور نتائج انتخابات التجديد النصفي.
وكتبت تسيبي ليفني، التي شغلت منصب وزيرة في حكومة ترأسها نتنياهو، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: "لقد راهن نتنياهو على الجمهوريين، وكسر التحالف الذي حافظنا عليه طوال السنوات الماضية مع كلا الحزبين، ولم يعد لديه الآن وسيلة للدفاع عن شرعية وجود دولة الشعب اليهودي أو عن حقنا في الدفاع عن أنفسنا"، مشيرةً في ذلك إلى فوز بعض المرشحين المعروفين بانتقاداتهم الحادة لإسرائيل.
من جانبها، قللت القناة 14 العبرية -وهي وسيلة إعلامية تُعرف بدعمها القوي لنتنياهو- من تغطيتها لانتخابات التجديد النصفي يوم الأربعاء. ومع ذلك، نشرت القناة خبراً سلط الضوء على منشور للبيت الأبيض عقب ظهور النتائج، تضمن صورة للرئيس مع تعليق: "ترامب لا يزال رئيسكم".
لطالما حظيت دولة الاحتلال بدعم الحزبين في الولايات المتحدة، وهو ما كانت تعتبره رصيداً استراتيجياً، لكن مع تغير الرأي العام الأمريكي، تآكل الدعم السياسي لتل أبيب لدى كلا الحزبين، لا سيما في ظل الحرب على غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وقد أدت حصيلة الضحايا المدنيين المرتفعة في غزة -حيث استشهد عشرات الآلاف من الفلسطينيين- إلى جانب الأزمة الإنسانية وغياب استراتيجية إسرائيلية للخروج من الصراع، إلى تصاعد التوترات مع إدارة بايدن.
وفي ظل هذا التدهور في العلاقات، كان نتنياهو يتباهى بعلاقاته الوثيقة مع ترامب، والتي توجت بحملة مشتركة ضد إيران هذا العام. لكن مع استمرار ذلك الصراع وانخراط إسرائيل في حرب ضد حزب الله في لبنان، ظهرت توترات مع إدارة ترامب نتيجة تباين المصالح بين إسرائيل والولايات المتحدة.
في نيسان/ أبريل، صرّح ترامب بأن إسرائيل "ممنوعة" من مواصلة القصف في لبنان، قائلاً: "كفى... هذا يكفي!!!". وبعد أن توصل الزعيم الأمريكي إلى اتفاق مبدئي لوقف إطلاق النار مع إيران في حزيران/ يونيو -وهو اتفاق رأى العديد من الإسرائيليين أنه لا يلبي احتياجاتهم الأمنية- تدهورت العلاقات بين ترامب ونتنياهو وأنصاره، لتتحول إلى تبادل للإهانات.
وقد تراجع الدعم الشعبي الأمريكي لإسرائيل إلى أدنى مستوياته هذا العام، وهو وضع تفاقم بسبب ممارسات حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة في الضفة الغربية المحتلة، بما في ذلك التوسع الكبير في المستوطنات اليهودية، وتجاهل الحكومة لتصاعد عنف المستوطنين المتطرفين ضد الفلسطينيين.
وقد أتاحت الانتخابات الإسرائيلية فرصة لإعادة ضبط الأمور؛ ويرى محللون أنه بمجرد تشكيل الحكومة الجديدة، ينبغي أن تكون إحدى مهامها الأكثر إلحاحاً هي محاولة إصلاح العلاقات مع الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة.
يقول جداليا أفترمان، من معهد "أبا إيبان" للدبلوماسية والعلاقات الدولية في جامعة "رايخمان" بمدينة هرتسليا (شمال تل أبيب): "بالنسبة لإسرائيل، ثمة فارق جوهري بين علاقتها بالولايات المتحدة وعلاقتها بإدارة ترامب".
ويضيف: "ستظل الولايات المتحدة الشريك الاستراتيجي الأهم لإسرائيل". لكنه يشير إلى أن النتائج القوية التي حققها الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي "يجب أن تكون بمثابة جرس إنذار يدعو إسرائيل إلى الاستثمار بجدية أكبر في بناء علاقات مع مختلف الأطياف السياسية الأمريكية".
من جانبه، يرى الدبلوماسي السابق إيساشاروف أن مستقبل العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية يعتمد الآن، إلى حد كبير، على تصرفات إسرائيل.
ويوضح أن كون الدولة حليفاً استراتيجياً موثوقاً يعني "الاستعداد لأخذ المصالح الأمريكية في المنطقة بعين الاعتبار، وبذل إسرائيل قصارى جهدها لدفع عملية السلام قدماً على مختلف الأصعدة"، ويضيف قائلاً: "الأمر بديهي للغاية".
