وكأني وجهت لصديقي صعقة كهربائية، إذ سرعان ما أفلت كف يده الذي لامس أطراف أناملي عندما مددت يدي لمصافحته، ومضى مسرعا وهو يقول "الكهرباء .. الكهرباء"، لبرهة من الوقت لم أعد أعرف ما الذي جرى، هل فعلا أصبحت أناملي موصلة بالتيار الكهربائي!. بعدها تناولت جوالي وهاتفته، وما إن أجاب حتى قال لي كلمات وهو ما يزال لاهثا "الحمد لله لحقت المصعد"، تبين عندها أنه مضى مسرعا كي يستطيع الوصل إلى شقته الواقع في الطابق الثامن بواسطة المصعد سيما وأن موعد قطع التيار الكهربائي قد اقترب. كم بت أشفق على صديقي الذي بات يخشى العودة للمنزل في ظل انقطاع التيار الكهربائي، وأخذ يرتب تحركاته بالتوافق مع مجيئه، وكأنه بات شبحا يخيم على الكثيرين من سكان قطاع غزة الذي تقطع فيه الكهرباء ثلثي اليوم. فلم يعد قطع التيار الكهربائي ليلا مخيفا للأطفال وحسب بل بات يحسب له الكبار ألف حساب في الليل والنهار، إذ بات يرهب نساء غزة اللواتي أصبحن ينظمن أعمال المنزل من غسيل وكوي الملابس، وخبز الدقيق في الأوقات التي تضمن فيها مجيء الكهرباء، فهناك من النساء من تستيقظ قبل الفجر للقيام بعجن الدقيق من أجل إنضاج الخبر بواسطة الفرن الكهربائي المسمى بـ"طنجرة الكهرب". أما حكاية سكان البنايات العالية فلم تختلف عن سابقاتها فقد باتوا اليوم لا يخرجون إلا في أوقات مجيء التيار الكهربائي، وكذلك الحال مع ضيوفهم الذين إن أرادوا زيارتهم سألوهم عن موعد مجيء الكهرباء أو ساعات تشغيل المصعد من خلال المولد إن توفر الوقود. وإن اعتبرنا السلوكيات السابقة أعراض مصاحبة لهذا لما يمكن أن نسميه مرض "فوبيا الكهرباء"، فإن هناك أعراض أخرى منها، التأكد باستمرار من عدم وجود أعطال في المولد، وتفقد جالونات الوقود المخصصة لتشغيل المولد، وفي حالة شراء المواطن أو المؤسسة البطاريات التي تخزن الكهرباء تجدهم يتأكدون باستمرار من شحنها، ولم تترك قضية الكهرباء أي مجال إلا ودخلت فيه، سواء في مكان حضور المباريات أو تحديد مواعيد القراءة، والزيارات وحتى شحن بطارية الهاتف النقال واللوحية والحواسيب المحمولة. تنضم إلى قائمة الأمراض البشرية في غزة، مرض الخوف من انقطاع غاز الطهي، عندها تجد العائلات ميسورة الحال تقوم بشراء اسطوانات الغاز جديدة كي لا تعاني من فقدانه أو الاضطرار للوقوف لساعات في طوابير أمام محطات تعبئة الغاز. أما العائلات المتوسطة الحال فتجدها تستثمر أوقات مجيء الكهرباء من أجل توفير الغاز، فتجد النساء وفي محاولة لترشيد استهلاك الغاز تقوم بتسخين الماء للطهي ولإعداد الشاي والقهوة بواسطة "شاف التسخين"، ولأجل الغرض ذاته تستيقظ الحاجة "أم حسن" وهي أم لثمانية من الأبناء من أجل عجن الدقيق وإنضاج الخبر بواسطة الفرن الكهربائي الصغير، والسبب كما تقول "الكهربا بتكون قويت قبل الفجر وعلشان نوفر الغاز، فأنا أخبز كل يومين ثمانين رغيف ولو بدي أخبر على الغاز مش هأقدر أوفره، علشان هيك بدي أحافظ على الغازات الموجودة عندي". بينما تلجأ بعض العائلات الريفية والفقيرة إلى الحطب كوسيلة للتغلب على أزمة غاز الطهي وارتفاع أسعاره، فتجدها تستعمل الحطب في أعمال المنزل، وتبقى اسطوانة الغاز تستعمل للطوارئ، وفي أوقات متأخرة من الليل حيث يتعذر إشعال الحطب، وبحسب "موسى الشيخ" فإنه بسبب اعتماد العائلة بشكل أساسي في أعمالها على الحطب تفرغ اسطوانة الغاز مرة كل ما يقرب من خمسة أشهر، ويقول "إحنا ما بننقطع من الغاز علشان بنعمل الأكل والخبر على الحطب"، ويضيف "الحطب وبهدلته أهون علي من أصف في طوابير قدام محطات الغاز". ولم أكن استطيع تصور ما قاله لي أستاذي وأنا في الصف الخامس أن النفط سوف ينضب عندها لا قيمة للسيارات بلا وقود، لكن اليوم أصبح الطفل الفلسطيني قبل شبابه وشيوخه يدرك جيدا معنى "النفظ طاقة غير متجددة" فهذا الهاجس الذي يخيم على الدول التي تخطط لمستقبلها يعيشه اليوم المواطن الفلسطيني واقعا ملموسا. فطلاب الجامعات والموظفين اليوم وفي ظل أزمة انقطاع الوقود يواجهون صعوبة في المواصلات أثناء توجههم لأعمالهم، وتجدهم يبكرون بالخروج للعمل كي لا يتأخر، ويطلبون من مرؤوسيهم ومجالسهم توفير وسائل للنقل. أما أصحاب المركبات العمومية فتجدهم في وقت الانقطاع والشح للوقود لا يتحركون كثيرا بمركباتهم خوفا من فقدان الوقود، كما أن سائقيها سرعان ما يتحركون تجاه أي محطة بمجرد أن يعلم فيها وقود، ويصطفون في طوابير لساعات حتى يبلغهم الدور. ولهذه الأسباب تجد المواطن لا يتحرك إلا للضرورة خوفا من المعاناة في أزمة الموصلات، كما يخشى المواطن من قيام بعض السائقين بتشغيل مركباتهم بواسطة زيت الطعام "السيرج" فعادم تلك السيارات أشبه بـ"بماكينة رش الباعوض". وبالانتقال إلى أزمة معبر رفح، والتي هي الأخرى مصدرا لهذا المرض، "فإغلاق معبر رفح أدى إلى إغلاق العقول" بهذه الكلمات عبر الإعلامي البارز "عبد الله السعافين" عن أحوال سكان غزة بسبب إغلاق المعبر بعد سؤال وجهه لإحدى الصحفيات في غزة هل المعبر اليوم مفتوح؟ فأجابت: زوج صديقتي هناك، وسألتها مرة ثانية: لم أسألك عن زوج صديقتك، هل المعبر مفتوح والناس يسافرون؟ أجابت: احتمال يوصل بعد شوي!!. ولأن معبر رفح الذي يمكن أن يدخل موسوعة "جينس" في عدد المرات التي أغلق بها، يمتنع الكثير عن زيارة أهله وأقاربه، أما الذي يصل فمن لحظة وصوله يتوجه أقاربه للتسجيل في وزارة الداخلية من أجل تحديد موعد السفر ويبقى طيلة مكوثه في القطاع على أعصابه خوفا من أن يغلق وتنتهي إجازته. "نوالكتفوبيا"، "نوفيوفوبيا"، "نوبورفوبيا"، "نوغازفوبيا"، قد تكون أسماء لأمراض تضاف إلى قاموس علم النفس، خاصة بعد أن أضيف له مرض "نوموفوبيا" اختصار لـ"no-mobile-phone phobia" وهو الشعور بالخوف من فقدان الهاتف المحمول، أو التواجد خارج نطاق تغطية الشبكة، ومن ثمة عدم القدرة على الاتِّصال أو استقبال الاتِّصالات. "فوبيا" الكهرباء، والوقود، والمعابر، والغاز، أصبحت أمراض نفسية استفحلت في قطاع، لكنها هل ستخضع للبحث من قبل المؤسسات التي تهتم بالصحة النفسية بغزة كما فعلت مؤسسة "YouGov" البريطانية التي كلفت بالنظر في الهموم التي يعاني منها مستخدمي الهواتف النقالة وسجلت "نوموفوبيا"؟ أم أن هذه الأمراض ستحرم من النفقات اللازمة لبحثها كما تحرم محطة توليد الكهرباء من الوقود؟
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتخصيص تجربتك ، وتحليل أداء موقعنا ، وتقديم المحتوى ذي الصلة (بما في ذلك
الإعلانات). من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط وفقًا لموقعنا
سياسة ملفات الارتباط.