21.68°القدس
21.44°رام الله
20.53°الخليل
25.03°غزة
21.68° القدس
رام الله21.44°
الخليل20.53°
غزة25.03°
السبت 30 اغسطس 2025
4.52جنيه إسترليني
4.72دينار أردني
0.07جنيه مصري
3.91يورو
3.34دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.52
دينار أردني4.72
جنيه مصري0.07
يورو3.91
دولار أمريكي3.34

خبر: غزة.. فش فش وما بنقلقش

الجد يشير لحفيده المدلل ذي العامين ونيف بإشارة بيديه يفهم من خلالها طفلي العزيز أن جده يرغب منه أن يحضر له حبات من الفاكهة من بيتنا في الأعلى، فإذا به وببراءة الأطفال ولغته الخاصة العربية التركية العبرية وبحركات عفوية طفولية جميلة، يقول له "فش والله فش"، ما جعل الحاضرين ينخرطون في موجة من الضحك والتعليقات سرعان ما ساد بعدها صمت لم يدم هو الآخر طويلاً. "وين الراتب فش فش" خرجت من فم "محمد" لتقطع سكون الجلسة المؤقت، وهو موظف بإحدى وزارات قطاع غزة ولم يتلق راتباً منذ ما لا يقل عن 50 يوماً. الأزمة المالية التي تعاني منها الحكومة الفلسطينية والتي ألقت بظلالها القاسية على حياة الموظفين الغزيين، جعلت مفارقة عجيبة تلازم عقولهم وكثيراً ما يرددونها هم وعائلاتهم وحتى أبناؤهم الصغار. "الذين يعملون ويخرجون إلى أعمالهم كل صباح ويؤدون واجبهم تجاه وطنهم وأبناء مجتمعهم "متخوزقين" بينما الجالسون في بيوتهم (موظفو رام الله) فيتقاضون رواتبهم بانتظام لا بل تجد بعضهم يعمل في مهنة أخرى يقضي من خلالها وقت فراغه ويدر من خلالها على نفسه ما يوازي راتبه أو أكثر" بحسرة وحرقة يتحدث محمد. مرة أخرى يعود طفلي العزيز والحفيد المدلل ليقطع الحديث الحزين الذي طغا على المجلس بحركة جديدة أثارت ضحكات الحاضرين الذين بدؤوا يطالبونه بالهدوء للاستماع لنشرة الأخبار المحلية والتي استهلها المذيع بالإعلان عن نجاح قافلة جديدة ولأول مرة بالدخول إلى قطاع غزة عقب إزاحة الرئيس محمد مرسي عن الحكم في جمهورية مصر العربية. "الله يرحم أيامك يا مرسي" " رحت وراحت معك أيام غزة" " رجعت ريما لعادتها القديمة بدها كل قافلة بوسة لحية ورجل لتدخل" "الله ينتقم منهم الظلمة" " الله يسامحو مرسي ظلوا يدلع فيهم لما رموه في السجن وهيهم بدهم يرمونا عجهنم" هذه العبارات التي خرجت من أفواه الحاضرين الذين يعيشون أزمات غزة وآلام حصارها المبرح بكل التفاصيل. فالعريس " محمود" وهو خاطب لفتاة منذ خمسة شهور كان عاقداً العزم على البدء في تشطيب شقته أوائل شهر أكتوبر الماضي، لكن أحلامه الوردية التي رسمها لهيئة شقته وعش الزوجية باتت تتحطم على عتبات مدينة رفح جنوب قطاع غزة التي أغلقت أنفاقها بقوة العسكر وطغيان الانقلاب دون ايجاد بديل يمنح قبلة الحياة لغزة التي أنهكها حصار طويل فرضه الأعداء وساهم في جعله أكثر قساوة القريب وابن العم، يقول الفلسطينيون. فمواد البناء باتت سلعة نادرة بعد توقف تدفقها من الأنفاق الحدودية مع مصر دون مجرد التفكير بإيجاد بديل يضمن الحياة الكريمة لشعب غزة الذي ذاق ويلات الحروب من أجل الحفاظ على مقدسات الأمة الإسلامية وكرامتها التي مرغها الاحتلال الإسرائيلي في التراب كما يصف العريس حالها بحسرة. "عدوا للعشرة 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9، 10 قطعت لأ ما قطعتش " ضحك الجميع فلم تسلم الجرة مع " عماد " هذه المرة وخانته الكهرباء وجعلته محط الضحكات والتعليقات، لكن خيبته لم تكن طويلة فالعد للعشرة للمرة الثانية كان كفيلاً بتحقيق أمنيته في التنبؤ بموعد انقطاعها. "يلا 12 ساعة وبترجع إن شاء الله لا تزعلوا 6 ساعات مناح بيقضوكوا" من وسط الظلام وبلهجة ساخرة عبر أحد الجالسين دون أن يرى أحد منا وجهه ليعبر عن حالة اليأس التي نحياها من تحسن واقع الكهرباء في غزة. الجدول المقيت الذي يطلق عليه أهل قطاع غزة جدول (6 بـ 12) يعني باختصار لمن لا يعرف أن وصل الكهرباء يمتد لست ساعااات متواصلة بينما تنقطع الكهرباء آسفة لمدة 12 ساعة فقط، وهكذا على مدار 24 ساعة وعلى مدار ثلاثين يوماً في الشهر الميلادي الموقر. فمحطة توليد الكهرباء الوحيدة في قطاع غزة في إجازة مدفوعة الراتب أهدتها إياها خلافات حول ضريبة جديدة أرادت حكومة رام الله فرضها على الوقود المخصص لتشغيلها فيما تصر الحكومة الفلسطينية في غزة أنها ضريبة غير شرعية وترفض دفعها بالمطلق. وحالة ولادة الحلول فيما يبدو أنها متعسرة، فالجهود التي "لا تتوقف" حسب المسئولين، فيما يقول الخبراء الحقيقيون (المواطنون) إن الجنين سيولد ميتاً، هم على الأقل هكذا يفكرون. " حتى الزبالة بيقلك خلص البلديات مش هتقدر تلمها، والمجاري بتنكب على البحر مباشرة ، والمستشفيات بدها سولار والمرضى راح يموتوا، لأنو الأجهزة هتوقف، يا عيني والله الدنيا حريقة" مقتطفات من حديث وزير التشاؤم في جلستنا الدافئة. بكلمات المتشائم دق جرس الإغلاق لجلسة السمر العائلية، انتهى الحديث عن غزة وهمومها لكن الكهرباء لا زالت مقطوعة، والرواتب متأخرة، والمياه متناقصة، والسولار والبنزين عملة مفقودة. "غزة" هذه البقعة الصغيرة من الكرة الأرضية الكبيرة تتحمل آلاماً تعجز كل حواس الإنسانية البشرية عن تحملها لكن أهلها لا زالوا يرددون " غزاوية وما بنقلقش" " لا تقلق أنت في غزة".