يكثر الحديث في مواطن تحتاج للعمل، للفعل، للحركة الديناميكية التي تولد الطاقة والحياة، "ودوامة المصطلحات" مما ابتليت به هذه الأمة وليس الشعب الفلسطيني وحده، فالسياسة فن الكذب في حين أنها تدرس آليات خلق التوافق بين كافّة التوجّهات الإنسانية الدينية، والاقتصادية، والاجتماعية، وغيرها، والانقلاب العسكري على الشرعيات دهاء وسياسة، والتفاوض حيلة، والتواطؤ مع الاحتلال والتصهين نوع من التفاهم والتطبيع، وخيانة الأوطان تنسيق أمني، وكذلك المصالحة تمييع للقيم والثوابت، وسيطرة الأقوى، وتحكّم المتنفذ، وسيطرة من يركب حصان طروادة.
إن التأصيل والوقوف على حقائق الأشياء وإعادة التعريف الدقيق للمصطلحات هو أول خطوة في طريق اليقظة وإعادة التموضع للمفاهيم والقيم، والصراع القائم بين حماس وفتح هو صراع فيه لجلجة في المفاهيم، وتغييب متعمد لوعي الشارع الفلسطيني بحقيقة الصراع، وعناصر تكونه، وقوّة تنفّذه، فهو ليس "طوشة" عائلية يحضر فيها المختار يشرب فنجان القهوة "ووجهك عليها"، وليس شجاراً بين شخصين يختصمان على قطعة أرض فيصطلحان بالتراضي ويتناصفان الأرض، القضية هنا قضية وطن، واختلاف مناهج وحتى هذه يحدث فيها التصالح والتعايش حين يمتلك الطرفان مرجعية قومية وطنية يحتكمان فيها لرائحة الأرض، ودماء الشهداء، غير أن المشكلة في تأصيلها، مشكلة بين منهج يحتكم إلى الشعب وثوابت القضية، ومنهج يحتكم إلى قيمة الدولار وبطاقة الVIP.
وهنا مكمن المشكلة ولب القضية، ففي السياسة تلتقي المصالح، فيأخذ الطرف بيد طرف وينتشلان بعضهما من السقوط في الهاوية، نقطة الالتقاء هذه تكون في المساحة التي لا تمس جوهر العقيدة السياسية لدى كل طرف، فهي لعب في المتغيرات لا الثوابت، ومناورة في الممكن لا المستحيل، وتجاوز لما يُختلف عليه عقلاً بطبيعة الحال، بيد أن ما يحدث في السياسة بين حماس وفتح هو سياسة السير على الحافة، فكل طرف يصارع الآخر على خيط أدق من الشعر وأحد من السيف، وكل طرف يهدف لإسقاط الآخر لا التعايش معه، وإرغامه لا مساندته، ومرجعية ذلك اختلاف العقيدة السياسية بين الطرفين، ولعب في الثوابت، ومناورة في المستحيل، فطرف يريد القدس وطرف لا يريدها، وطرف يريد العودة الكاملة للاجئين وطرف يبحث عن "حل عادل" وهو مصطلح سياسي منمق لحقيقة التخلي عن حق اللاجئين، وطرف يريد فلسطين كاملة وإن كانت على مراحل من غير اعتراف بحق اليهود بإقامة دولة على أرض فلسطين التاريخية، وطرف يكتفي بدويلة ممزقة بالمستوطنات منزوعة السلاح مع القدس الشرقية عاصمة في مجاورة دولة "اسرائيلية"، يعني باللغة العربية الفصحى" جيران و حيطان تساند حيطان بحارة كبكــوبة خيطان و ملفوفه علينا"، فالصراع هاهنا صراع لا يحل برشفة قهوة ولا عباءة عربية، وجلسة مختار يفتّل شاربه، القضية هاهنا قضية وجود ولا وجود، فلسطين أو "إسرائيل"، قضية شعب مشرد وأوطان مغتصبة.
فالمصالحة الفلسطينية إذن وهم في حقيقتها، وابتياع للوقت، لأن تحقيقها يشبه المصافحة بين الماء والنار، لا نبتاع الوهم بألاعيب السياسة، هنا وطن والحصار ضريبة كرامته، هنا جيش يستعد للتحرير ومحاربة الأرزاق وقطع الرواتب سياسة صهيونية بأيدي فلسطينية لتعطيل الجيش وهدم المنجزات الوطنية التي بنيت بدماء الشهداء، هنا شعب يدفع بأبنائه لحمل السلاح سلاح العلم والمقاومة والفهم والوعي بحقيقة الصراع وهناك عقوبات تفرض على هذا الفهم، فالمشكلة ليست في الصلاحيات ولا الوزارات، لب القضية هنا تحطيم إرادات ومصادرة ثوابت وقيم، وارتماء في أحضان الصهيونية لنأكل الخبز ونعتاش، هذه هي الحقيقة التي نحتال عليها، ونهرب منها، وعلى قولة جدتي:" يلي بدو يستريح شو ما شاف بقول منيح".
