من حينٍ لآخر تصدّر حركة "فتح" مواقف سلبية تجاه حركة "حماس" تعدّت في بعض صورها مسألة الخصومة السياسية، ووصلت إلى مواقف أشبه بـ"العدائية"، وذلك في محاولة منها إلى تشويه صورتها كفصيل فلسطيني مقاوم يحظى بشعبية كبيرة بين أوساط الجماهير الفلسطينية.
فبالتزامن مع الجهود الكبيرة التي تبذلها مصر من أجل إنهاء الانقسام الفلسطيني وفي ظل الحديث عن ورقة مصرية جديدة، واصل عددٌ من قيادات "فتح" هجومهم اللاذع على حركة حماس، كان أبرزهم مسؤول ملف المصالحة في فتح عزام الأحمد، الذي اتهم حماس بعدم جديتها في إنهاء الانقسام وتوعد بعقوبات جديدة ضد قطاع غزة.
وفي ظل هذه التصريحات التي اعتبرتها حماس "انقلاب واضح على جهود مصر لتحقيق المصالحة، وتحمل تهديدًا صريحًا لأهلنا في القطاع" مارست الولايات المتحدة ضغوطًا على عدد من دول العالم لاعتماد قرار يدين حركة حماس في الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية الأسبوع الجاري، الأمر الذي طرح تساؤلًا حول موقف فتح من هذه الخطوة.
حركة فتح أعربت عن رفضها لمحاولة إدانة حماس في الأمم المتحدة، حيث قال المتحدث باسمها أسامة القواسمي "نرفض قطعا المحاولات الأمريكية الاسرائيلية لوسم حماس بالإرهاب في الأمم المتحدة".
وعلى ضوء هذه التطورات استمعت "فلسطين الآن" لعدد من الكتاب والمحللين الذين أكدوا أن الخطوة الأمريكية المرتقبة تستهدف القضية الفلسطينية بعينها، ولها ما بعدها.
موقف منطقي
أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية عبد الستار قاسم اعتبر أن موقف فتح تجاه محاولة إدانة حماس بالأمم المتحدة موقف منطقي جيد ويتماشى مع المنطق الوطني.
ورأى قاسم في حديث خاص مع "فلسطين الآن" أنه لا يوجد تناقض بين موقف السلطة من إدانة حماس بالأمم المتحدة وبين موقفها من المصالحة، مشيرًا إلى أن السلطة تريد مصالحة "وفق مقاييسها".
لكنه استدرك بالقول "صحيح أن السلطة على خلاف مع حماس وتنكت حماس وتتآمر على حماس وتتآمر على المقاومة.. ولكن ليس في الأمم المتحدة أو في أي مؤتمر دولي آخر".
وأوضح أن الأمم المتحدة تُعدّ منبرًا عالميًا "يجب أن لا تكون مسرحًا للخلافات الداخلية".
الخطوة لها ما بعدها
بدوره، رأى الكاتب والباحث السياسي أيمن الرفاتي، أن حركة فتح عبّرت عن رفضها للخطوة الأمريكية لأنها تدرك أن إدانة حركة حماس في الأمم المتحدة لن يقتصر على الحركة؛ بل سيتعدى للكل الفلسطيني وسيجرم التاريخ النضالي للشعب الفلسطيني بشكل كامل.
وأكد الرفاتي في حديثه لـ"فلسطين الآن" أن السلطة تعي أن هذه الخطوة ما هي إلا بداية لإنهاء القضية الفلسطينية بُرمّتها، متوقعًا أن يتبع هذا القرار قرارات أخرى من قبل "إسرائيل" والولايات المتحدة.
التوقع ذاته عبّر عنه عبد الستار قاسم قائلًا: "في الأمم المتحدة أرجلنا قد تكون جميعًا بالفلقة.. يعني اليوم حماس، غدًا الجهاد، بعده الجبهة الشعبية (..) وبالتالي تنتهي الأمم المتحدة إلى محاكمة الفلسطينيين بدلًا أن تعمل على تحقيق العدل لهم".
وشدد قاسمّ على أن موقف الكل الفلسطيني يجب أن يكون حازمًا وصارمًا في الأمم المتحدة، مضيفًا "يجب أن ننشط لدى كل الدول من أجل الحيلولة دون تمرير المشروع الأمريكي".
من جهته، وافق الباحث في شؤون الأمن القومي الفلسطيني خالد النجار الرأيين السابقين، معتبرًا أن المسعى الأمريكي لإدانة حماس يستهدف المشروع الوطني كاملًا.
وأوضح النجار لـ"فلسطين الآن" أن حركة فتح جزء من القضية الفلسطينية "على الرغم من موقفها من مشروع المقاومة وتنسيقها الأمني مع الاحتلال والذي وصل لحالة غير مقبولة وطنيًا وأخلاقيًا، إلا أن القرار يستهدف المشروع الفلسطيني كاملًا".
تمرّدٌ جزئي
وفيما إذا كان موقف السلطة الفلسطينية مرتبط بعلاقتها غير الجيدة مع الولايات المتحدة، أجاب قاسم بأن الأولى كانت ولا تزال تأخذ بالاعتبار الرغبات الأمريكية والإسرائيلية، لافتًا إلى أنها باتت بنسبة أقل مما كانت عليه الأمور بالسابق.
واعتبر قاسم وفق قراءته للمشهد، أن السلطة أصبحت تمارس تمردًا جزئيًا على الأمريكيين بعد اعتراف واشنطن بالقدس المحتلة عاصمة لـ"إسرائيل" منبهًا "ليس تمردًا كاملًا وقويًا.
وأضاف "بعد اعتراف أمريكا بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي عملية مداعبة السياسات الأمريكية لدى السلطة خفّت إلى حد ما".
في السياق نحوه، أكد الباحث الرفاتي أن الخطوة الأمريكية بمثابة تجاوز لدور السلطة ومنظمة التحرير في تمثيل الشعب الفلسطيني.
وتابع "كذلك هي تجاوز للصراع القائم بين الفلسطينين ودولة الاحتلال وحصره في قطاع غزة، وهو ما يعتبر تطبيق عملي لصفقة القرن".
أما الباحث النجار فقد رأى أن الدور الدبلوماسي الذي تلعبه السلطة في الأمم المتحدة ضعيفًا أمام السياسة الخارجية الأمريكية.
وختم بالقول "نحن بحاجة لمواقف وطنية بعيدًا عن التفرد بالمكاسب السياسية التي لا تحقق للفلسطينيين سوى الترهل والتراجع والسقوط أمام قوى الشر العالمية".
