يمارس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أسلوب نفسي يعرف بالأنا الأعلى وهو يعد من الشخصيات الديكتاتورية داخل الحزب الجمهوري الأمريكي، وقد انتقد كثيراً في خطاباته السياسية التي يحاول ارتداء لباس الديمقراطية التي تدعيها أمريكا، يريد أن يكون صاحب بصمة نرجسية بطعم البلطجة الصهيوأمريكية، فكيف تلتقي البلطجة بالنرجس؟! يسعى ترمب حالياً لإعلان نظام عالمي جديد شعاره السلام وعنوانه البيت الأبيض، لكنه نظام قائم على الرأسمالية لتنفيذ مشروع صفقة القرن التي سعى ترمب لتحقيقها خلال فوزه بالانتخابات الرئاسية السابقة خلال الفترة الزمنية (2017 ـ 2020). ولكن لم تُسنح له الفرصة، وجاءت له على طبق من ذهب خلال حرب الإبادة في قطاع غزة والصراع العالمي في مناطق النزاع حول العالم وتحديداً منطقة الشرق الأوسط، حيث مارس دعايته الانتخابية للفترة (2025 ـ 2028) في تحقيق السلام ونشر الهدوء وإنهاء الصراعات الدولية، والتي تعهد في إطارها بوقف الحرب على غزة واستعادة المختطفين الصهاينة، وحظي ترمب بدعم من اللوبي الصهيوني في الحملة الانتخابية الأخيرة عقب فوزه بالدورة الرئاسية لقيادة الإدارة الأمريكية الحالية وصولاً لإنجاز نظامه المرتقب.
فرض النظام الجديد يُعد إلغاء دور منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي من خلال الهيمنة على القرارات والمقدرات الدولية في العالم وإنتاج خليط دولي جديد يُدعى "مجلس السلام" الذي يترأسه ترمب بنفسه ويعد هو صاحب القرار النهائى فيه، والذي بدأ تشكيله حديثاً لتمهيد تنفيذ أولى مهامه من قطاع غزة انتقالاً لمراحل أخرى بمناطق النزاع العالمي، يضم هذا النظام العالمي الجديد أصحاب المال والقرار في العالم من رجال السياسة وأقطاب العقارات والبزنس ومجموعة من الدول الكبرى والشركات والهيئات العالمية الضخمة، حيث يشارك فيه كلاً من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترمب والذي يترأسه بنفسه, وصهره جاريد كوشنر, ووزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو, ونائب مستشار الأمن القومي الأمريكي روبرت غابرييل, والجنرال الأمريكي جاسبر جيفرز, والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف, ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير, ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا, والملياردير اليهودي الأمريكي مارك روان, ورجل الأعمال اليهودي القبرصي يكير غباي, ومبعوث الأمم المتحدة في الشرق الأوسط نيكولاي ميلادينوف, وممثلة الأمم المتحدة سيغريد كاغ, وكلاً من الإمارات العربية والمملكة السعودية وتركيا وقطر ومصر, ومن شروط الالتحاق بهذا النظام الجديد أن يُدفع المال لصناعة القرار فيه، فمن يدفع مالاً أكثر يضمن بقاءه مدة أطول في صُنع القرار.
هذا النظام الرأسمالي أنشئ بتوافق أمريكي إسرائيلي وبدعم عربي وأوروبي على ظهر القضية الفلسطينية وأزمة حرب غـزة، إذ أنه غير مرتبط بقاءه بها, حتى يمتد لحل الصراعات الدولية والإقليمية الناتجة في العالم، وشاهدنا مؤخراً انسحاب متتالي للمملكة المتحدة ثم الولايات المتحدة من منظمة الأمم المتحدة، والتي حُجب عنها الموازنة المالية السنوية لتُصاب بالعجز والإفلاس ثم السقوط والانهيار، لنهوض النظام الهرمي الجديد بحجة إرساء دعائم السلام والهدوء وإنهاء النزاعات الدولية والصراع العالمي، وقد نجحت مساعي ترامب في تهميش وإلغاء منظمة الأمم المتحدة لصالح مجلس السلام الذي أعلن عن إنشاءه، والذي صرح "أنه لا يلزمه قرارات دولية وأن ما يحكم تصرفاته وقراراته هو أخلاقه الخاصة وليس القانون الدولي"، لذا ندرك جميعاً أن ميزان القوة مائل بشدة لصالح العدو الإسرائيلي وحلفائه حول العالم، وعلينا أن نتذكر أن العدو يملك القوة لكنه لا يملك الحق، ذلك الحق الذي لا تحميه قوة يضيع حتماً في مواجهة قوة لا حق معها مهما بلغت عظمتها وجبروتها.
صحيفة فايننشال تايمز ذكرت أن الإدارة الأميركية ناقشت فكرة توسيع عمل مجلس السلام ليستهدف أوكرانيا وفنزويلا، وهو ما أثار قلق دبلوماسيين غربيين وعرب، غير أن مسؤولًا أميركيًا نفى ذلك، مؤكدًا أن المجلس سيقتصر على غزة مؤقتاً، وأشارت الصحيفة إلى أن أعضاء إضافيين سيُعلن عن انضمامهم لمجلس السلام في الفترة المقبلة.
الخلاصة في اعتقادي أن تأسيس نظام عالمي جديد كبديل عن منظمة الأمم المتحدة وهيئاتها وقراراتها هو علو الانهيار العظيم للقوى العظمى المتوجة بالولايات الأمريكية وهذا العلو في قيادة العالم بعنوان "المال صاحب القرار" وهو ما يطلق عليه الرأسمالية العالمية, وقد لا يلحق هذا النظام توقيت نشوة الفرحة إذ تزول القوة العظمى بإنهيار اقتصادي غير مسبوق في ظل الزمن التكنولوجي والذكاء الاصطناعي الذي نعيشه عبر التطور والتقدم العلمي وبروز قوى عظمى مناهضة للولايات المتحدة الأمريكية.
