رغم الظروف القاسية التي يعيشها الأسرى الفلسطينيون داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، تتواصل سياسة التضييق التي تستهدف تفاصيل حياتهم اليومية، وصولاً إلى مصادرة أبسط الأدوات التي كانت تمنحهم قدراً من التخفيف عن النفس. ففي الأشهر الأخيرة، شملت المصادرات الشطرنج وطاولة الزهر وأوراق اللعب، ومنعت إدارة السجون إدخال الأوراق والأقلام، في محاولة لإبقاء الأسرى داخل دائرة من الفراغ القاسي والعزلة الممتدة.
لكن شهادات أسرى محررين تكشف أن هذا الفراغ لم يتحول إلى استسلام. فمع كل تضييق، كان الأسرى يبتكرون وسيلة جديدة تعيد إليهم شيئاً من الإحساس بالحياة.
يقول محررون إن الأسرى بدأوا بصناعة أحجار الشطرنج من قطع الخبز التي تصلهم مع الوجبات؛ يعجنونها بأصابعهم، يضغطونها لتأخذ شكلها، ثم يتركونها لتجف قبل تهذيبها. أما الرقعة فتصنع من قصاصات قماش مأخوذة من الملابس القديمة، وتُخط مربعاتها بمعجون الأسنان بعد مصادرة الأقلام.
الأمر ذاته انسحب على أوراق اللعب. فالكرتون الذي تأتي فيه أكياس الخبز تحوّل إلى مادة خام تُقص بعناية، وتُرسم عليها الرموز بدقة، لتعود "الشدة" إلى الغرف رغم كل محاولات المنع. وفي مشهد مشابه، نجح الأسرى في صناعة طاولة الزهر باستخدام طبقات من الكرتون المدعّم بالخبز ومعجون الأسنان حتى تصبح صلبة بما يكفي للاستخدام.
حتى السبح التي كانت تُصنع سابقاً من عجم الزيتون طالتها المصادرات. ومع ذلك، وجد الأسرى بديلاً جديداً: حبات من الخبز أو الكرتون تُثقب وتُربط بخيط بسيط، ويُستخدم معجون الأسنان لتثبيتها.
ولا يقتصر الأمر على الترفيه. فالحياة داخل السجن، كما يروي محررون، تقوم على التمسك بالإيمان كوسيلة للصمود. في ساعات الليل الطويلة تتردد تلاوات القرآن داخل الغرف، وتقام الصلوات جماعة، ويتشارك الأسرى الدعاء والذكر، في محاولة لحماية توازنهم النفسي وسط ظروف الاعتقال القاسية.
وتشير شهادات أخرى إلى أن بعض الغرف تحولت مع الوقت إلى ما يشبه "ورشة صغيرة" لصناعة أوراق اللعب لبقية الغرف في القسم، حيث يتعاون الأسرى في جمع المواد المتاحة وتوزيعها. ويروي أحدهم أن ضابطاً دخل الغرفة ذات مرة، وقلب الأدوات البدائية بعصبية قبل أن يصرخ: "عندكم مصنع في الغرفة… أنتم لا تتوقفون".
ورغم المصادرات المتكررة، يؤكد الأسرى أن كل محاولة لخنق مساحات الحياة داخل السجون كانت تقابل بابتكار جديد. فالإصرار على خلق متنفس صغير، ولو من فتات الخبز، كان بالنسبة إليهم شكلاً من أشكال المقاومة اليومية، وحمايةً لكرامتهم في وجه واقع يحاول الاحتلال أن يجعله أكثر قسوة.
