بينما كانت رائحة البارود لا تزال تعبق في زوايا الأحياء المحطمة، وصور الشهداء تزين ما تبقى من جدران الأندية المدمرة، انطلقت في قطاع غزة صرخة تحدٍ جديدة، لم تكن هذه المرة عبر مكبرات الصوت، بل من خلال صافرة حَكم أعلنت انطلاق "بطولة قطاع غزة لخماسيات كرة القدم".
لم تكن ركلة البداية مجرد إشارة لمنافسة رياضية، بل كانت إعلاناً عن انبعاث جيل رياضي خرج من تحت الأنقاض؛ حيث اصطف لاعبون لم تلتئم جراح قلوبهم بعد، يرتدون قمصانهم الرياضية فوق أجسادٍ نحتتها أوجاع الفقد، وعيونٍ لا تزال تبحث في المدرجات الخاوية عن وجوه زملاءٍ كانوا بالأمس يشاركونهم التمريرات، واليوم يسكنون الثرى.
في هذه البطولة، لا يقاس الفوز بالأهداف المسجلة في المرمى فحسب، بل بالقدرة على الركض في ملاعب طالها الدمار، وتجاوز غصة الحزن على مدربين وإداريين ورفاق درب غيبتهم الحرب. إنها البطولة التي يواجه فيها اللاعب "الذكريات" قبل أن يواجه "الخصم"، لتثبت رياضة غزة للعالم أجمع أن الروح الفلسطينية، ككرتها، تمرض ولكنها أبداً لا تموت.
عين الحقيقة على واقع الدمار
ويصف الإعلامي القدير وأمين سر اتحاد الإعلام الرياضي، مصطفى صيام، المشهد الرياضي الحالي بأنه "الأكثر مأساوية في تاريخ الحركة الرياضية الفلسطينية"، مشيراً إلى أن انطلاق هذه البطولة هو معجزة بحد ذاتها. فالبنية التحتية الرياضية في القطاع سُحقت بالكامل، حيث تحولت الملاعب الكبرى إلى مقابر جماعية أو مراكز نزوح، وبات البحث عن مساحة مستوية للعب يشبه البحث عن إبرة في كومة قش من الركام.
وأضاف صيام في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، وبالتنسيق مع الأندية المتبقية، قرر إقامة هذه الخماسيات ليس بحثاً عن "بطل"، بل لإعادة الحياة لمنظومة رياضية فقدت أكثر من 700 من كوادرها بين لاعب ومدرب وإداري. مبيناً أن الهدف هو كسر حالة العزلة النفسية التي فرضتها الحرب على جيل شاب كان يحلم بالاحتراف والتمثيل الدولي.
وحول التحديات اللوجستية، يوضح صيام أن البطولة تقام بإمكانيات "تحت الصفر". لا توجد غرف لتبديل الملابس، والمعدات الرياضية شحيحة للغاية بسبب الحصار وإغلاق المعابر، كما أن اللاعبين يقطعون مسافات طويلة مشياً على الأقدام للوصول إلى أماكن المباريات بسبب أزمة الوقود وتدمير الطرق، ومع ذلك تزدحم جنبات الملاعب المدمرة بالجماهير المتعطشة للحياة.
ويختم صيام حديثه بالقول إن الرسالة الإعلامية لهذه البطولة وصلت للعالم قبل أن تنتهي المباراة الأولى. فهي رسالة مفادها أن الرياضة في غزة هي "فعل مقاومة"، وأن كل هدف يُسجل في هذه المرمى المهتز هو بمثابة إعلان بقاء، وتأكيد على أن الهوية الرياضية الفلسطينية عصية على المحو مهما بلغت شدة التدمير.
إعلان ميلاد جديد
بدوره قال أحمد الكرنز لاعب نادي خدمات البريج: "لا يمكنني وصف الشعور حين وطأت قدماي أرض الملعب مرة أخرى في فبراير 2026. لقد مررنا بظروف قاسية جداً فقدنا فيها الزملاء والملاعب والمنازل، لكن العودة للمشاركة في بطولة الخماسيات هذه هي بمثابة إعلان ميلاد جديد لنا كلاعبين. لم نكن نلعب من أجل الفوز فحسب، بل لنثبت لأنفسنا أولاً وللعالم ثانياً أننا ما زلنا أحياء ونمتلك الإرادة للركض خلف الكرة مجدداً."
وأضاف الكرنز في حديثه لـ"فلسطين الآن": " "البطولة اليوم تقام فوق ركام الملاعب التي تضررت بشكل كبير، ونواجه نقصاً حاداً في المعدات والأحذية الرياضية، لكن شغف الجمهور الذي جاء ليشجعنا من فوق الأنقاض كان هو الوقود الحقيقي. لقد كانت فترة التوقف طويلة ومؤلمة، وفقدت الرياضة في غزة الكثير من كوادرها، إلا أن التجمع في هذه البطولة أعاد الروح لغرف الملابس وللعلاقات الأخوية بين اللاعبين التي انقطعت بسبب النزوح."
وتابع: " "أكبر تحدٍ واجهناه هو الحالة البدنية والنفسية للاعبين؛ فمعظمنا فقد وزنه أو تعرض لإصابات أو لم يلمس الكرة لعامين كاملين. انتشال الرياضة من تحت الركام تطلب منا مجهوداً مضاعفاً في التدريب الفردي والجماعي بإمكانيات صفرية، حيث نلعب أحياناً في ساحات رملية أو ملاعب مدرسية بديلة لأن ملاعبنا الرسمية لا تزال غير مؤهلة."
وختم حديثه: " "طموحنا في هذه البطولة هو وضع حجر الأساس لموسم رياضي كامل ومستدام في قطاع غزة والضفة الغربية بشكل موحد. نتطلع لأن تكون هذه الخماسيات بداية لترميم الأندية وعودة المسابقات الرسمية الكبرى، ونأمل أن نرى تمثيلاً لغزة في المنتخب الوطني قريباً، لنثبت أن الموهبة الفلسطينية تخرج دائماً من رحم المعاناة لتصل إلى منصات التتويج".
رحلة تفريغ نفسي وجسدي
بدوره أكد عبد الكريم ريان لاعب نادي اتحاد دير البلح الرياضي، أن "المشاركة في بطولة الخماسيات الحالية (2026) هي أكثر من مجرد نشاط رياضي، إنها رحلة تفريغ نفسي وجسدي بعد سنوات من الضغط والدمار. حين نتجمع في الملعب، ننسى للحظات مرارة النزوح والوجع، ونركز في كيفية رسم البسمة على وجوه الجماهير التي عانت الويلات. هذه البطولة هي أول ضوء في نفق مظلم عشناه طويلاً".
واعتبر ريان في حديثه لـ"فلسطين الآن"، "اللاعبين جنوداً في معركة إعادة الإعمار الرياضي؛ مبيناً أن انتشال الرياضة من تحت الركام يبدأ بوجودنا في الملعب قبل وجود الإمكانيات. ودورنا هو إلهام الجيل الناشئ الذي فقد الأمل، ومن خلال التزامنا بالتدريبات والمباريات رغم كل المعيقات، نرسل رسالة بأن البنية التحتية قد تُدمر، ولكن الروح الرياضية الفلسطينية عصية على الانكسار".
وأضاف: "أكبر تحدٍ واجهناه هو الحالة البدنية والنفسية للاعبين؛ فمعظمنا فقد وزنه أو تعرض لإصابات أو لم يلمس الكرة لعامين كاملين. انتشال الرياضة من تحت الركام تطلب منا مجهوداً مضاعفاً في التدريب الفردي والجماعي بإمكانيات صفرية، حيث نلعب أحياناً في ساحات رملية أو ملاعب مدرسية بديلة لأن ملاعبنا الرسمية لا تزال غير مؤهلة".
وتابع: "نحن نلعب اليوم وفي قلوبنا غصة على زملائنا الذين استشهدوا خلال الحرب ولم يتمكنوا من التواجد معنا في هذه البطولة. نعتبر استمرارنا في اللعب هو وفاء لذكراهم واستكمالاً لمسيرتهم التي قطعتها الحرب؛ فكل هدف نسجله وكل تصدٍ أقوم به هو رسالة وفاء لكل رياضي فلسطيني ضحى بنفسه، ونحن نحمل رايتهم لإبقاء اسم النادي عالياً".
وختم ريان حديثه بتوجيه رسالة، وقال فيها: "رسالتي من خلال هذه البطولة هي ضرورة الالتفات للرياضة في غزة ودعم البنية التحتية المدمّرة فوراً. نحن نثبت للعالم بوجودنا في الملعب اليوم أننا نستحق ملاعب آمنة ومستقبلاً رياضياً كريماً، وسنواصل العمل مع إدارات أنديتنا والاتحاد الفلسطيني لانتشال المنظومة الرياضية من أزمتها حتى تعود غزة منارة للرياضة كما كانت دائماً.
