13.34°القدس
13.1°رام الله
12.19°الخليل
16.83°غزة
13.34° القدس
رام الله13.1°
الخليل12.19°
غزة16.83°
الأربعاء 04 مارس 2026
4.15جنيه إسترليني
4.38دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.61يورو
3.11دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.15
دينار أردني4.38
جنيه مصري0.06
يورو3.61
دولار أمريكي3.11
محمد شطناوي

محمد شطناوي

غزة بعد إغلاق التراخيص: فراغ إنساني يتّسع وأرواح بلا منقذين

في غزة، لا تأتي التحولات الكبرى دائما على شكل تصعيد عسكري أو إعلان سياسي صاخب؛ أحيانا تبدأ بورقةٍ لا تُجدَّد وتوقيعٍ لا يُمنح. قرار عدم تجديد السلطات الإسرائيلية تراخيص عمل 37 منظمة دولية لا يبدو في ظاهره أكثر من إجراء إداري، لكنه في واقعٍ محاصر ومثقل بالاحتياجات الإنسانية يتحول إلى حدثٍ ذي أثر مباشر على حياة الناس اليومية، وعلى قدرتهم على الوصول إلى الحد الأدنى من مقومات البقاء. هنا، لا تعني البيروقراطية تنظيم العمل، بل إعادة رسم حدود المساحة الإنسانية نفسها.

وجود المنظمات الدولية في غزة لم يكن يوما تفصيلا ثانويا، بل شكّل أحد الأعمدة القليلة التي يستند إليها نظام صحي منهك، وقطاع مياه وصرف صحي يعمل فوق طاقته، وأسر تعيش على حافة انعدام الأمن الغذائي. وعندما تُجبر هذه المنظمات على المغادرة نتيجة عدم تجديد تراخيصها، فإن الأمر لا يتعلق بإغلاق مكاتب أو إنهاء برامج على الورق، بل بتقليص فعلي لعدد الأسرّة في المستشفيات، بموجب القانون الدولي الإنساني، تقع على عاتق القوة القائمة بالاحتلال مسؤولية ضمان وصول المساعدات الإنسانية وتسهيل عمل الجهات التي تقدمها. لكن الفجوة بين هذا الالتزام النظري والواقع الميداني في غزة تتسع باستمرار وتراجع العيادات المتنقلة، وتوقف برامج علاج الأمراض المزمنة، وانخفاض القدرة على الاستجابة للطوارئ. كل ذلك يحدث في لحظةٍ تتزايد فيها الاحتياجات بوتيرة غير مسبوقة، ما يجعل أي فراغ يُترك خلف المنظمات المنسحبة فراغا في حياة الناس أنفسهم.

القرارات الإدارية في السياقات المستقرة قد تكون مسألة تقنية، لكنها في غزة تحمل وزنا مختلفا. فالتصريح هنا ليس مجرد وثيقة قانونية، بل بوابة لإدخال الأدوية والمعدات الطبية، وإطار يسمح بحركة الطواقم، وشرط أساسي للوصول إلى المجتمعات الأكثر هشاشة. وعندما يُغلق هذا الباب، فإن الأثر لا يبقى محصورا في المجال القانوني، بل يمتد فورا إلى الميدان، حيث يتحول إلى نقصٍ في الدواء، وتأخيرٍ في العمليات الجراحية، وقوائم انتظارٍ أطول لمرضى لا يملكون رفاهية الوقت.

بموجب القانون الدولي الإنساني، تقع على عاتق القوة القائمة بالاحتلال مسؤولية ضمان وصول المساعدات الإنسانية وتسهيل عمل الجهات التي تقدمها. لكن الفجوة بين هذا الالتزام النظري والواقع الميداني في غزة تتسع باستمرار، حيث أصبحت الإجراءات الإدارية نفسها أداة للتحكم في حجم ونوعية الاستجابة الإنسانية، من خلال نظام التراخيص الذي يحدد من يُسمح له بالعمل ومن يُجبر على المغادرة. المشكلة هنا لا تتعلق فقط بعدد المنظمات التي ستغادر، بل بطبيعة الرسالة التي يحملها القرار: أن العمل الإنساني لم يعد مساحة مستقلة تعمل وفق الاحتياجات، بل بات خاضعا لمنطق السيطرة السياسية والأمنية.

في المحصلة، لا يُقاس أثر انسحاب 37 منظمة بعددها، بل بعدد الأشخاص الذين سيفقدون خدمة كانت بالنسبة لهم الفارق بين القدرة على الاستمرار والانهيار الكامل؛ طفلٌ لن يجد رعاية متخصصة، مريضٌ سيتوقف علاجه، وعائلةٌ ستفقد مصدرا للمياه النظيفة أو سلة غذائية كانت تمثل خط دفاعها الأخير ضد الجوع. في مكانٍ يعاني أصلا من هشاشة شديدة، يصبح أي تقليص في العمل الإنساني مضاعف الأثر، لأن البدائل ببساطة غير موجودة.

ماذا يحدث عندما تتحول المساحة الإنسانية، التي يفترض أن تكون محمية ومحايدة، إلى مساحة قابلة للإغلاق والتقليص وفق اعتبارات سياسية؟

كما أن خروج هذا العدد من الفاعلين الدوليين لا يعني فقط فجوة في الخدمات، بل يعيد تشكيل المشهد الإنساني بأكمله. ستزداد الضغوط على المنظمات التي ستبقى، وستضطر إلى العمل بموارد أقل في مواجهة احتياجات أكبر، ما يحول الاستجابة من تدخلات شاملة إلى محاولات متفرقة للإبقاء على ما يمكن إبقاؤه على قيد الحياة. وفي الوقت نفسه، يتقلص حضور الشهود الدوليين القادرين على توثيق الواقع ونقله إلى العالم، وهو دور لا يقل أهمية عن تقديم المساعدة نفسها.

القضية هنا تتجاوز البعد الإجرائي إلى سؤالٍ أخلاقي أعمق: ماذا يعني أن يصبح الوصول إلى الرعاية والغذاء والمياه مرتبطا بقرار إداري يصدر عن جهة تملك التحكم في حركة المنظمات ووجودها القانوني؟ وماذا يحدث عندما تتحول المساحة الإنسانية، التي يفترض أن تكون محمية ومحايدة، إلى مساحة قابلة للإغلاق والتقليص وفق اعتبارات سياسية؟ في غزة، يدفع المدنيون مرة أخرى ثمن معادلة لا يملكون التأثير فيها، حيث تتقاطع القرارات الكبرى مع تفاصيل حياتهم اليومية بأقسى الطرق الممكنة.

في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بانسحاب منظمات، بل بانسحاب جزء من القدرة على الاستجابة، وجزء من الحضور الدولي، وجزء من الأمل نفسه. فالمساحة الإنسانية، عندما تتآكل، لا تختفي تدريجيا فقط، بل تترك خلفها واقعا أكثر قسوة، حيث يصبح البقاء على قيد الحياة مهمة يومية أكثر صعوبة، ويصبح الوصول إلى أبسط الحقوق مسألة غير مضمونة. وفي مكانٍ يقاس فيه الزمن بعدد الفرص الضائعة لإنقاذ حياة، فإن كل منظمة تغادر ليست رقما يُضاف إلى الإحصاءات، بل قصة إنسانية جديدة تبدأ من لحظة إغلاق الترخيص.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن