كشفت تطورات التوتر بين إيران والولايات المتحدة و"إسرائيل" عن مفارقة واضحة في طبيعة الشراكة الاستراتيجية الشاملة الروسية الإيرانية، إذ تبدو معاهدة إطار سياسي واقتصادي واسع، لكنها تفتقر إلى أهم عنصر تتوقعه طهران من تحالف استراتيجي، وهو الضمانات العسكرية المباشرة.
المعاهدة تمتد 20 عامًا تتضمن 47 مادة، تم تصميمها لتوسيع التعاون بين البلدين في مجالات متعددة تشمل الاقتصاد والطاقة والأمن والاستخبارات والتعاون العسكري التقني، وتغطي نحو 30 قطاعًا، وتهدف إلى تخفيف تأثير العقوبات الغربية وتعزيز التنسيق السياسي بين موسكو وطهران في النظام الدولي المتغير.
ووفقا للمراقبين، لا تتضمن الاتفاقية أي بند للدفاع المشترك في حال تعرض أحد الطرفين لهجوم عسكري، خاصة أن المعاهدة لا تشبه التحالفات العسكرية التقليدية مثل المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي، بل تكتفي بنص يطالب الطرف الآخر بعدم تقديم أي مساعدة للمعتدي في حال تعرض الشريك لهجوم.
ويبرز في المقابل عنصر عدم التوازن في طبيعة التعاون العسكري بين البلدين، فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، زودت إيران روسيا بآلاف الطائرات المسيّرة من طراز "شاهد"، وساهمت في إنشاء خطوط إنتاج لها داخل الأراضي الروسية.
وعلى وقع هذه التطورات، تبدو المعاهدة الروسية الإيرانية أقرب إلى شراكة مرنة تخدم المصالح السياسية والاقتصادية للطرفين، لكنها لا ترقى إلى مستوى تحالف دفاعي ملزم.
وأكد رامي القليوبي، الأستاذ بكلية الاستشراق في المدرسة العليا للاقتصاد بموسكو، أن الحديث عن وجود فجوة في الموقف الروسي تجاه إيران لا يعكس الواقع بدقة، موضحًا أن اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين موسكو وطهران لا تتضمن من الأساس بندًا يتعلق بالدفاع المشترك.
وأضاف القليوبي في تصريحات له أن الاتفاقية صيغت لتعزيز مجالات التعاون العسكري والأمني، مثل تبادل المعلومات وإجراء التدريبات المشتركة وتطوير آليات التنسيق، لكنها لا تلزم روسيا بالدخول في حرب دفاعًا عن إيران.
وأشار إلى أن بعض التسريبات التي تداولتها صحف أمريكية تحدثت عن احتمال تقديم روسيا أشكالا محدودة من المساعدة لإيران في ما يتعلق بتقييم التحديات أو كيفية التعامل معها، وأن هذه المعلومات لا تزال في إطار التكهنات.
وأوضح الأستاذ بكلية الاستشراق في المدرسة العليا للاقتصاد بموسكو أن البعض يتعامل مع هذه التسريبات وفق مقولة "لا دخان بلا نار"، ما يفتح الباب أمام احتمال وجود دعم روسي غير معلن، لكنه لا يصل إلى مستوى التحالف العسكري الكامل.
وكشف أن موسكو سعت خلال الفترة الماضية إلى تجنيب إيران الضغوط المتصاعدة، مشيرًا إلى دعمها للجهود العُمانية الرامية إلى الوساطة واحتواء التصعيد.
ولفت القليوبي إلى أن التحركات الدبلوماسية الروسية محكومة بسقف واضح، إذ تحرص موسكو على عدم الإضرار بعلاقاتها مع الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة ترامب.
وأكد أن البراغماتية تبقى العامل الحاكم للموقف الروسي، ما يجعل العلاقة مع طهران أقرب إلى شراكة استراتيجية منها إلى تحالف دفاعي كامل.
من جانبه، أكد مصطفى الخفاجي، المحلل السياسي والخبير الاستراتيجي، أن العلاقات بين روسيا وإيران تُعد من أكثر العلاقات الاستراتيجية رسوخًا في المنطقة، مشيرًا إلى أنها تقوم على شبكة واسعة من المصالح المشتركة التي تمتد لعقود وتشمل مجالات متعددة مثل التعاون النووي والاقتصادي والعسكري.
وقال الخفاجي، في تصريحات له، إن موسكو تنظر إلى إيران باعتبارها قاعدة متقدمة لحماية مصالحها في غرب آسيا والشرق الأوسط، وهو ما يمنح طهران أهمية جيوسياسية كبيرة في الحسابات الروسية.
وأوضح أن هذه العلاقة لا تقتصر على المصالح الاقتصادية أو التنسيق السياسي، بل تشمل أيضًا دعما متبادلا في أوقات الأزمات، لافتًا إلى أن إيران قدمت دعما ملموسا لروسيا خلال الحرب الروسية الأوكرانية عبر الطائرات المسيرة، وهو ما يعكس مستوى متقدما من التنسيق العسكري بين الطرفين.
وأضاف أن تقارير استخباراتية أمريكية تحدثت مؤخرًا عن احتمال تقديم روسيا دعمًا استخباراتيًا لإيران يتمثل في تزويدها بمعلومات أو إحداثيات تتعلق بمواقع القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة.
وأشار الخفاجي إلى أن هذا النوع من الدعم يندرج ضمن التعاون الاستخباراتي غير المعلن، موضحًا أن موسكو تفضّل العمل من خلف الكواليس دون الانخراط المباشر في المواجهة العسكرية.
وأوضح المحلل السياسي أن روسيا رغم عدم دخولها المعركة بشكل مباشر، قد تواصل تقديم دعم غير مباشر لإيران عبر قنوات مختلفة، معتبرًا أن هذا النهج يعكس طبيعة العلاقة الطويلة والمعقدة بين البلدين، والتي بُنيت عبر سنوات من التعاون السياسي والعسكري والاستراتيجي.
