15.01°القدس
14.77°رام الله
13.86°الخليل
18.15°غزة
15.01° القدس
رام الله14.77°
الخليل13.86°
غزة18.15°
الجمعة 20 مارس 2026
4.2جنيه إسترليني
4.41دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.62يورو
3.13دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.2
دينار أردني4.41
جنيه مصري0.06
يورو3.62
دولار أمريكي3.13

العيد في غزة.. معمول مغمس بالدم

في غزة لا يبدأ العيد من صباحه. يبدأ قبل ذلك بأيام، حين تمتلئ البيوت برائحة الكعك والمعمول، وتتحول المطابخ إلى مساحة صغيرة للفرح. العائلات تعجن الطحين والسكر والسميد والسمن كما لو أنها تحاول أن تصنع شيئًا من الطمأنينة وسط عالم مضطرب.

هكذا اعتاد الغزيون أن يستقبلوا العيد دائمًا. المعمول أولًا، ثم الملابس الجديدة للأطفال، ثم زيارات الصباح، ثم ضجيج الأزقة حين يخرج الصغار ليلعبوا بملابسهم التي لم يمسها الغبار بعد.

يدخل العيد إلى غزة اليوم بطريقة مختلفة. لا أحد يرفض الفرح، ولا أحد يملك رفاهية تجاهله أيضًا. لكن الفرح هنا صار أكثر هدوءًا، وأكثر حذرًا، كأنه يمشي على أطراف أصابعه داخل مدينة متعبة

لكن في سنوات الحرب تغيّر كل شيء. لم يعد العيد في غزة مجرد موعد للفرح. صار موعدًا ثقيلًا في الذاكرة أيضًا، موعدًا يتذكر فيه الناس كيف تحولت صباحات العيد في مرات كثيرة إلى ساعات موت.

في أكثر من عيد خلال الحرب لم توقظ التكبيرات المدينة وحدها. الصواريخ كانت تسبقها أحيانًا. وكانت سيارات الإسعاف تصل إلى الأماكن التي كان يفترض أن تمتلئ بضحكات الأطفال. كم طفل في غزة قُتل وهو يرتدي ملابس العيد. وكم بيت بدأ صباح العيد برائحة الكعك الساخن وانتهى بدخان القصف.

خلال عملي في التغطية الميدانية مرّت أمامي عشرات المشاهد التي يصعب على القلب أن يحتملها. بعضها يمر سريعًا ثم يبهت مع الوقت، لكن بعض الصور تبقى كما هي، حادة في الذاكرة كأنها حدثت قبل دقائق.

في خانيونس، في منطقة المعسكر، رأيت فتاة لا تتجاوز العاشرة. كانت ترتدي زينة العيد. أساور لامعة وخيوطًا ملوّنة في شعرها، كأنها خرجت لتوها من بيت يستعد لاستقبال أول ضيوف صباح العيد. قبل دقائق كانت تلعب في الحي مع أطفال الجيران.

كانت شهيدة. لم أسأل عن اسمها. في هذه المشاهد يبقى الوجع أثقل من السؤال. ما رأته عيناي كان بهذا الترتيب تحديدًا، الزينة أولًا، ثم الدم. وكان يكفي أن ترى تلك الأساور اللامعة على يد مخضبة بالدم لتفهم كم يمكن للحرب أن تكون قاسية حين تختار لحظة الفرح تحديدًا.

لهذا يدخل العيد إلى غزة اليوم بطريقة مختلفة. لا أحد يرفض الفرح، ولا أحد يملك رفاهية تجاهله أيضًا. لكن الفرح هنا صار أكثر هدوءًا، وأكثر حذرًا، كأنه يمشي على أطراف أصابعه داخل مدينة متعبة.

في البيوت التي فقدت أطفالها لن يكون العيد كما كان. ستبقى الملابس الصغيرة في الخزائن، وستبقى الألعاب في أماكنها، وستجلس الأمهات والآباء أمام ذاكرة لا يمكن إقناعها بأن العيد ما زال عيداً. ومع ذلك تحاول غزة أن تفعل ما اعتادت عليه دائماً. أن تفتح نافذة صغيرة للحياة، حتى لو كان الهواء القادم منها مثقلاً بالحزن.

فالمدينة التي عرفت مجازر في صباحات العيد تعرف أيضًا أن الحياة لا تتوقف بسهولة. وفي مدينة كانت تعدّ المعمول والكعك علامة على الفرح صار العيد أحيانًا بطعم آخر. طعم يعرفه جيدًا آباء وأمهات كثيرون هنا، طعم العيد حين يكون معمولًا مغمسًا بالدم.

المصدر: ألتر فلسطين