ولدت ريتاج ريحان بعد انتظارٍ يشبه المعجزة، خمس سنواتٍ من الانتظار والقلق والأمل، خمس سنواتٍ من الترقب الثقيل قبل أن تفتح عينيها على هذا العالم كهديةٍ ثمينةٍ لوالديها، كنبضة حياةٍ جاءت بعد عتمة هذا الانتظار الطويل، لم تكن طفلة عادية في نظر عائلتها، بل كانت الحلم الذي انتُزع من المستحيل، والفرح الذي تأخر كثيرًا حتى صار أثمن من أن يُوصف.
كبرت ريتاج لتصبح تسع سنوات ، لكنها كانت تسع سنوات مليئة بالحياة، بالضحكة، بالبراءة التي لا تعرف شيئًا عن الكراهية ولا تفهم معنى الحرب، كانت تذهب إلى خيمتها الدراسية كما يذهب الأطفال إلى أحلامهم، تحمل كتابها الصغير، وقلبها الممتلئ بأمنيات بسيطة: أن تكبر، أن تتعلم، أن تعيش.
لكن في غزة، حتى الأحلام الصغيرة تُستهدف.
في لحظةٍ واحدة، قرر جندي حاقد أن يحوّل حياةً كاملة إلى مشهد موت، لم يكن هناك اشتباك، ولا خطر، ولا حتى ذريعة، كانت طفلة داخل خيمة دراسية، في مكان يفترض أنه أكثر أمانًا من الشارع، أكثر براءة من أي ساحة حرب، رصاصة واحدة، باردة، قاسية، اخترقت فم ريتاج… وكأن القاتل أراد أن يُسكت ضحكتها إلى الأبد، أن يمحو صوتها، أن يقتل الحياة في أكثر صورها نقاءً.
سقطت ريتاج شهيدة، لكن الذي سقط معها لم يكن جسدًا صغيرًا فقط، بل الكذبة الكبيرة عن جيش مجرم يتحدث عن الأخلاق … وهم الأخلاق التي يُتغنى بها أمام العالم، فقد سقطت كل الأقنعة التي تحاول تجميل وجه الإجرام والقتل ، أي جيش هذا الذي يرى في طفلة هدفًا؟ أي إنسانية هذه التي تبرر قنص طفلة في فمها؟
في تلك الخيمة، لم تُقتل ريتاج وحدها، بل قُتلت الطفولة مرة أخرى في غزة، قُتل الأمل الذي زرعه والداها بعد سنوات من الانتظار، قُتلت الضحكة التي كانت تملأ المكان، قُتلت حكاية كان يمكن أن تكون جميلة، لولا أن الرصاص كان أسرع من الزمن.
غزة اليوم ليست مجرد جغرافيا محاصرة بالقتل و الجوع ، بل هي وجع مفتوح، نزيف مستمر، قصة لا تنتهي من الفقد، أطفالها لا يكبرون كما يجب، لأن الموت يسبقهم، لأن الرصاص يلاحق خطواتهم، لأن العالم اختار أن يرى ولا يفعل شيئًا.
ريتاج ليست رقمًا يُضاف إلى قائمة طويلة، وليست خبرًا يُنسى مع نشرات المساء، ريتاج هي الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها، هي الصورة التي يجب أن تظل حاضرة في الذاكرة، لأن في عينيها – التي أُغلقت ظلمًا – حكاية شعب كامل يُقتل بصمت.
سلامٌ على ريتاج… على ضحكتها التي لم تكتمل، على أحلامها التي لم تُمنح فرصة، على روحها التي صعدت باكرًا جدًا.
وسلامٌ على غزة… التي ما زالت تنزف، وما زال أطفالها يدفعون ثمن صمت هذا العالم.
