20.01°القدس
19.77°رام الله
18.86°الخليل
22.48°غزة
20.01° القدس
رام الله19.77°
الخليل18.86°
غزة22.48°
السبت 18 ابريل 2026
4.01جنيه إسترليني
4.17دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.49يورو
2.96دولار أمريكي
جنيه إسترليني4.01
دينار أردني4.17
جنيه مصري0.06
يورو3.49
دولار أمريكي2.96

اقتصاد غزة أسير "فخّ الإغاثة"... انهيار الإنتاج

Cture55.jpg
Cture55.jpg


لم تعد الأزمات الاقتصادية في قطاع غزة حدثاً طارئاً بل باتت واقعاً بنيوياً يعيد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية على حد سواء. فمع استمرار الحرب بشكل مختلف وتراكم آثار الحصار والانكماش الحاد في القطاعات الإنتاجية، دخل الاقتصاد الغزي مرحلة مختلفة لم يعد فيها السؤال عن فرص النمو أو التعافي السريع، بل عن القدرة على البقاء وتوفير الحد الأدنى من مقومات العيش.
هذا التحول العميق أفرز ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد البقاء" وهو نمط اقتصادي يتكيف مع الأزمات الممتدة ويقوم على إدارة الندرة وتدبير الاحتياجات الأساسية في ظل غياب شبه كامل للأفق التنموي.
ففي هذا السياق، تراجعت مفاهيم الاستثمار والتشغيل والإنتاج مقابل صعود أنشطة اقتصادية مرتبطة بالحاجات اليومية الطارئة، من المساعدات الإنسانية والأسواق غير المنظمة ومحاولات الأفراد النجاة بأي وسيلة ممكنة.

في حين، لم يعد التأثير الاقتصادي مقتصرا على مؤشرات البطالة والفقر وتراجع الناتج المحلي، بل امتد ليضرب البنية الاجتماعية والطبقة الوسطى وأمن الأسر المعيشي ويعيد تعريف علاقة السكان بالعمل والدخل والادخار والاستهلاك، لتبرز أهمية قراءة المشهد الاقتصادي في غزة بوصفه انتقالاً من اقتصاد يسعى إلى الحياة إلى اقتصاد يكتفي بإدارة البقاء، بكل ما يحمله ذلك من تداعيات ثقيلة على المجتمع والسوق ومستقبل التعافي.

وبينما كان الاقتصاد في غزة قبل الحرب يعاني أصلاً من اختلالات مزمنة بفعل الحصار وضعف الاستثمار وارتفاع البطالة، فإن المرحلة الحالية دفعت به إلى مستوى أكثر هشاشة حيث باتت المساعدات الإنسانية وبعض الأنشطة التجارية الصغيرة، تمثل أعمدة البقاء الأساسية.

من ناحيته، يرى المختص في الشأن الاقتصادي سمير أبو مدللة، أن ما يمر به قطاع غزة لم يعد مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل هو تحول هيكلي كامل في طبيعة الاقتصاد المحلي، حيث لم يعد يعمل وفق قواعد الإنتاج والاستثمار والتشغيل بل وفق منطق "إدارة الأزمة" وتأمين الحد الأدنى من الاستمرارية.

ويقول أبو مدللة إن الاقتصاد في غزة بات يتحرك داخل بيئة يغلب عليها عدم اليقين ويعاد فيها توجيه الموارد المحدودة نحو الاستهلاك الطارئ والاحتياجات الأساسية، بدلاً من توظيفها في مشاريع تنموية أو استثمارات طويلة الأجل.

ويشير إلى أن الأرقام الصادرة عن المؤسسات الدولية تعكس هذا التحول بوضوح، إذ تشير تقديرات برنامج الغذاء العالمي إلى أن نحو 77% من السكان يعانون من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، في حين تذهب تقديرات البنك الدولي وتقارير التصنيف المرحلي للأمن الغذائي إلى أن ما يصل إلى 96% من السكان يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم مئات الآلاف في مستويات كارثية.

ويلفت إلى أن أرقام البطالة التي كانت تقارب 45% قبل الحرب، ارتفعت إلى مستويات تقترب من 80%، وهو ما يعكس انهياراً واسعاً في سوق العمل، مشدداً على أن هذا الواقع لا يعني فقط تراجع الدخل أو تآكل القوة الشرائية بل يشير إلى انتقال الاقتصاد من منطق التنمية إلى منطق البقاء، حيث تراجعت مساهمة القطاعات الإنتاجية وعلى رأسها الزراعة والصناعات الخفيفة مقابل تضخم دور المساعدات الإنسانية.

سردية مضللة تُخفي اختناق اقتصاد غزة

ويحذر أبو مدللة من أنّ استمرار المساعدات الإنسانية بصيغتها الحالية، رغم ضرورتها القصوى، قد يُبقي غزة داخل ما يسميه "فخ الإغاثة" إذا لم تُدمج هذه التدخلات ضمن إطار تنموي يعيد تشغيل السوق المحلي ويخلق فرص دخل وإنتاج.

في حين، يؤكد المختص في الشأن الاقتصادي عمر صلوحة، أن ما جرى في غزة خلال الحرب لا يمكن وصفه فقط على أنه تراجع اقتصادي بل هو "تغير هيكلي" أصاب البنية الاقتصادية برمتها، وأعاد تشكيل طبيعة النشاط الاقتصادي وعلاقات الإنتاج والاستهلاك داخل القطاع.
ويقول صلوحة إن الاقتصاد الغزي انتقل من بيئة كانت تقوم على حد أدنى من التنظيم والاقتصاد الرسمي، إلى بيئة يغلب عليها "اقتصاد البقاء" حيث أصبح الهدف الأساسي للأفراد والأسر هو تأمين الاحتياجات اليومية الأساسية بعيداً عن أي أفق اقتصادي مستقر.
ويضيف: "هذا التحول جاء نتيجة تداخل عدة عوامل، أبرزها الحرب والانغلاق الاقتصادي واستمرار الحصار والجمود السياسي، وهي عوامل دفعت السكان إلى التكيف القسري مع بيئة اقتصادية شديدة الصعوبة".

ويشير صلوحة إلى أن خطورة المشهد تتضح أكثر في الأرقام، إذ ارتفعت نسبة البطالة إلى أكثر من 80%، فيما تجاوزت معدلات الفقر 90%، بالتوازي مع اتساع السوق السوداء بقوة.
ويعتبر أن ازدهار السوق السوداء ليس مجرد نتيجة لنقص السلع أو تعطل الأسواق، بل هو أيضا مؤشر على اختلال عميق في بنية السوق وعلى تراجع الرقابة والتنظيم، ما يجعل الاقتصاد أكثر هشاشة وأقل قدرة على التعافي المستدام في المستقبل.

المصدر: فلسطين الآن