أفاد مصدر خاص من داخل عدد من النقابات المهنية في الضفة الغربية، لا سيما في القطاعين الصحي والطبي، بوجود تصاعد ملحوظ في حجم الضغوط التي تتعرض لها القيادات النقابية، على خلفية تحركاتها المطلبية والإضرابات التي شهدتها الفترة الأخيرة، في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية وتدهور الأوضاع المعيشية لشريحة واسعة من الموظفين.
وبحسب المصدر -مفضّلًا عدم الكشف عن هويته-، فإن الاجتماعات المتكررة التي عُقدت بين ممثلي النقابات وعدد من الوزراء وممثلي الحكومة لم تُسفر عن نتائج عملية، بل اتسمت بأجواء مشحونة ورسائل تحذيرية واضحة.
ووفق روايته، جرى التلويح بإجراءات قد تشمل الملاحقة أو اتخاذ خطوات قانونية في حال استمرار التصعيد.
وأشار إلى أن هذه الرسائل تعكس توجهًا رسميًا لاحتواء الحراك النقابي عبر أدوات الضغط بدلًا من الاستجابة للمطالب.
وأوضح المصدر أن أشكال التضييق لم تقتصر على جانب واحد، بل شملت مروحة واسعة من الأساليب، من بينها التهديد بفتح ملفات مهنية للنقابيين، واستدعاءات أو ضغوط غير مباشرة، إلى جانب التلويح بحل النقابات أو تجميد عملها استنادًا إلى مبررات قانونية تتعلق بسير المرافق العامة.
كما أشار إلى محاولات للتأثير على الرأي العام عبر التقليل من مشروعية الإضرابات وربطها بالإضرار بالمصلحة العامة.
وفي سياق متصل، لفت المصدر إلى ما وصفه بتراجع هامش الحريات النقابية، مؤكدًا أن العمل النقابي بات محاطًا بقيود متزايدة تحدّ من قدرة الأفراد على التعبير أو المشاركة في الفعاليات.
وأضاف أن العديد من النقابيين باتوا يتجنبون الظهور العلني أو الإدلاء بتصريحات إعلامية خشية التعرض للمساءلة أو الضغوط، في مؤشر على اتساع دائرة القلق داخل الأوساط المهنية.
كما تحدث المصدر عن حالات استهداف مباشر وغير مباشر طالت بعض النقابيين، تمثلت في إجراءات إدارية مثل النقل أو التجميد الوظيفي، أو التلويح بعقوبات تأديبية، فضلًا عن ضغوط تُمارس على محيطهم المهني والاجتماعي. واعتبر أن هذه الممارسات تسهم في خلق بيئة ردع تهدف إلى الحد من توسع الحراك وإضعاف البنية التنظيمية للنقابات.
وفيما يتعلق بإدارة الحكومة للملف، أوضح المصدر أن النهج المتبع يقوم على كسب الوقت من خلال عقد اجتماعات متكررة دون قرارات تنفيذية واضحة، وتقديم وعود مؤجلة أو مشروطة، إضافة إلى إعادة طرح مقترحات سبق أن رفضتها النقابات. واعتبر أن هذه السياسة تؤدي فعليًا إلى إفراغ المطالب من مضمونها وتقليص زخمها مع مرور الوقت.
وأشار المصدر كذلك إلى توظيف متزامن للأدوات الأمنية والقانونية في التعامل مع الإضرابات، حيث يتم استخدام القوانين ذات الصلة بتنظيم العمل في المرافق العامة كوسيلة لتقييد التحركات، بالتوازي مع ضغوط أمنية غير معلنة، ما يخلق – بحسب وصفه – بيئة تفاوض غير متكافئة تميل لصالح الطرف الحكومي.
وتأتي هذه التطورات في ظل أزمة اقتصادية خانقة، حيث يعاني الموظفون من تأخر صرف الرواتب أو صرفها بشكل مجتزأ، إلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية. وأكد المصدر أن هذه الظروف كانت الدافع الرئيسي وراء تصاعد التحركات النقابية، معتبرًا أن المطالب المطروحة تعكس احتياجات أساسية وليست مطالب فئوية.
وفي ختام حديثه، حذّر المصدر من أن استمرار هذا النهج في التعامل مع النقابات، سواء عبر التضييق أو التسويف، قد يؤدي إلى مزيد من الاحتقان، مشيرًا إلى أن غياب الحلول الحقيقية والاستمرار في استخدام أدوات الضغط لن يساهما في إنهاء الأزمة، بل قد يفاقمانها ويدفعان نحو مزيد من التوتر في المرحلة المقبلة.
وكانت نقابة الأطباء والمهن الصحية قد أعلنت قبل أيام عن سلسلة إجراءات تصعيدية، في ظل ما وصفته بمرحلة غير مسبوقة من التدهور وتسارع الأزمات، مؤكدة أن الأوضاع الراهنة دفعت بالقطاع الصحي إلى مستويات خطيرة تهدد استمراريته.
وقالت النقابة في بياناتها إنها تقف أمام مرحلة تتسارع فيها الأزمات وتتعمق، وسط ما اعتبرته تقصيرًا في التعامل مع مطالب الأطباء، مشيرة إلى أن حالة الإنهاك بلغت ذروتها واستنزفت طاقات الكوادر الطبية إلى حد غير مسبوق. وأضافت أن ما يجري لم يعد مجرد ظروف صعبة، بل واقع ضاغط يهدد جوهر العمل الطبي ويقوّض أبسط مقومات استمراره.
يُشار إلى أنه منذ عام 2019 تفاقمت الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية في أعقاب اقتطاعات إسرائيلية من أموال المقاصة (أموال الضرائب الفلسطينية)، ما أدى إلى عجزها عن الإيفاء بالتزاماتها المالية، وخاصة رواتب الموظفين.
ومنذ عام 2021، لم تتمكن حكومة السلطة من دفع الرواتب كاملة، بل لجأت إلى صرف أجزاء منها، تراوحت عادة بين 50% و90%. أما في الشهر الجاري، فلم تتمكن سوى من صرف مبلغ مقطوع قدره 2000 شيكل لكل موظف، بغض النظر عن درجته الوظيفية أو راتبه، كجزء من راتب شهر كانون الثاني/يناير 2026.
