13.34°القدس
13.1°رام الله
12.19°الخليل
18.79°غزة
13.34° القدس
رام الله13.1°
الخليل12.19°
غزة18.79°
الأربعاء 06 مايو 2026
3.98جنيه إسترليني
4.15دينار أردني
0.05جنيه مصري
3.44يورو
2.94دولار أمريكي
جنيه إسترليني3.98
دينار أردني4.15
جنيه مصري0.05
يورو3.44
دولار أمريكي2.94
وسام الفقعاوي

وسام الفقعاوي

بين منصّات الإعدام ومنصّات الكلام: الكلمة في قلب المشروع الوطني التحرري

عندما نتأمل المشترك بين منصّات الإعدام ومنصّات الكلام، نكتشف أنّ كليهما فضاءٌ للسلطة: الأولى تُميت الجسد، والثانية قد تُميت الحقيقة. في التاريخ كان السيف يُسكت الأصوات، أما اليوم فثمة وسائل أكثر نعومة، لكنها لا تقلّ فتكًا: التزييف، والتضليل، والخداع، وتطويع الخطاب لخدمة القوة.

في الواقع العربي، تتجاور منصّات القمع المادي مع منصّات إعلامية تُعيد إنتاجه بصيغ مختلفة، فتُشرعن الظلم أو تُربك الوعي. وهنا لا يمكن النظر إلى منصّات الإعدام ومنصّات الكلام بوصفهما مجالين منفصلين، بل كطرفين في علاقة صراع ووحدة في آنٍ واحد؛ فالقمع المادي (الإعدام) لا يكتمل دون قمع رمزي يشرعنه (الكلام)، كما أن الخطاب لا يبقى أداة محايدة، بل يتحول إلى قوة فاعلة تُعيد إنتاج الواقع أو تقاومه.

وتتجلى هذه الجدلية في كون السلطة تنتج خطابًا يبرر عنفها، بينما تنشأ داخل المجتمع خطابات مضادة تكشف هذا العنف وتناهضه. وهنا يبرز دور القوى التحررية، التي لا يكفيها امتلاك موقف وطني أو أخلاقي، بل تحتاج إلى تكامل الرؤية والمشروع والوظيفة.

وفي الحالة الفلسطينية، يتجلى هذا التداخل بوضوح؛ فبينما تُرتكب الجرائم على الأرض، تدور معركة موازية على المعنى والرواية، حيث يُحاصَر الصوت الفلسطيني أو يُشوَّه. وهنا يصبح الكلام ذاته ساحة مواجهة: إما شاهدًا على الحقيقة أو شريكًا في طمسها. فتأخذ الجدلية طابعًا أشد حدّة؛ إذ يسعى الفعل الاستعماري الإبادي إلى محو الجسد والرواية معًا، بينما تتشكل مقاومة مزدوجة —مادية ورمزية— تعيد إنتاج الذات الوطنية في مواجهة المحو.

إن الرؤية المطلوبة هي وعيٌ نقدي يقرأ الواقع بوصفه بنية صراع شامل لا وقائع متفرقة، ويكشف تواطؤ الخطاب المهيمن مع أدوات القمع. أما المشروع، فيجب أن يُترجم هذه الرؤية إلى برنامج تحرري ملموس، يربط بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية، ويقدّم بدائل تتجاوز الشعارات إلى آليات فعل حقيقية. ومن دون هذا المشروع تبقى الكلمة في مستوى الاحتجاج لا التغيير.

أما الوظيفة، فهي الدور العملي الذي تؤديه هذه القوى في ميدان الصراع: إنتاج خطاب مقاوم يفضح ويعبّئ، وتنظيم الجماهير على أساس الوعي لا الانفعال، وربط الكلمة بالفعل بحيث تصبح أداة تغيير لا مجرد تعبير.

وفي الواقع العربي، ومنه الفلسطيني، حيث تتكاثر منصات التضليل، يصبح بناء إعلام تحرري مستقل جزءًا أساسيًا من هذه الوظيفة. وفي الحالة الفلسطينية تتضاعف المهمة، إذ يتوجب خوض معركتين متلازمتين: مواجهة القمع المادي الداخلي والخارجي، وصيانة الرواية من التشويه والتزييف والمحو والإلغاء.

المطلوب اليوم هو استعادة وظيفة الكلمة كفعل مقاومة: خطاب صادق، نقدي، جريء، واضح، ومنحاز للحقيقة والعدالة، يربط بين الوعي والموقف، بين البندقية التي تذود عن الحق وتسعى لاستعادته، والكلمة الحرة التي تعد خط الدفاع الاول والأخير، وهذا هو دور القوى التحررية التي تمتلك رؤية وطنية، ومشروعًا واضح المعالم، ووظيفة نضالية منخرطة في الواقع؛ قوى تدرك أن الكلمة ليست بديلًا عن الفعل، بل شرطًا له، وأن تحرير الوعي هو المقدمة الضرورية لتحرير الأرض والإنسان.

المصدر / المصدر: فلسطين الآن