16.12°القدس
16.44°رام الله
15.53°الخليل
21.41°غزة
16.12° القدس
رام الله16.44°
الخليل15.53°
غزة21.41°
الجمعة 08 مايو 2026
3.94جنيه إسترليني
4.09دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.41يورو
2.9دولار أمريكي
جنيه إسترليني3.94
دينار أردني4.09
جنيه مصري0.06
يورو3.41
دولار أمريكي2.9
د. بدر زماعرة

د. بدر زماعرة

الاستيطان السياحي في ضوء قواعد القانون الدولي للبيئة

يشهد المشروع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة تحوّلًا نوعيًا وغير مسبوق فلم يعد يقتصر على الأنماط السكنية والزراعية التقليدية، بل امتد ليشمل ما يمكن توصيفه بـ "الاستيطان السياحي"، بوصفه أحد الأدوات الحديثة لتعزيز السيطرة الفعلية على الأرض وإعادة تشكيل فضائها القانوني والرمزي.

ويتجلى هذا النمط من خلال إنشاء مرافق سياحية ومنتجعات في الأراضي المصادرة، والسيطرة على المواقع الأثرية والدينية، واستغلال الموارد الطبيعية، ولا سيما الينابيع، وتحويلها إلى فضاءات سياحية تخدم المستوطنين وتُقصي السكان الأصليين. ومن ثم، فإن الاستيطان السياحي لا يمكن فهمه بمعزل عن بنيته الاستعمارية، بل باعتباره امتدادًا وظيفيًا للمشروع الاستيطاني بأدوات "ناعمة" ذات أبعاد اقتصادية وثقافية وقانونية متداخلة.

وتتمثل خطورة هذه الظاهرة من ارتباطها المباشر بالسيطرة على الموارد الطبيعية، حيث تُظهر البيانات الميدانية أن الضفة الغربية تحتوي على نحو 714 نبعًا، منها قرابة 185 نبعًا دائم الجريان، إلا أن السيطرة الاستيطانية امتدت لتشمل جزءًا كبيرًا منها، سواء من خلال الاستيلاء المباشر أو عبر منع الفلسطينيين بالعنف والقمع من الوصول إليها.

وتشير التقديرات إلى أن الفلسطينيين لا يستخدمون فعليًا سوى نحو 350 نبعًا، في حين يقع الباقي تحت السيطرة الكاملة أو التقييد أو التعطيل. ويعزز ذلك واقع أوسع يتمثل في سيطرة دولة الاحتلال على ما يقارب 88% من مصادر المياه الفلسطينية، في سياق منظومة هيمنة تشمل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية الواقعة ضمن مناطق النفوذ الاستيطاني. ولا تُوظَّف هذه السيطرة لأغراض أمنية أو إدارية فحسب، بل يجري توجيهها بشكل متزايد نحو تطوير مشاريع سياحية استيطانية، عبر تحويل الينابيع والمناطق الطبيعية إلى مواقع ترفيهية مزودة ببنى تحتية (مسارات، استراحات، مرافق)، بما يكرّس الوجود الاستيطاني ويُعيد تعريف المكان ووظيفته.

حيث أكد قرار مجلس الأمن رقم 2334 (2016) عدم شرعية المستوطنات بوصفها انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وهو توصيف يشمل، بحكم الارتباط، كافة الأنشطة والبُنى التي تدعمها وتُسهم في تثبيتها.

ومن الناحية القانونية، تخضع هذه الممارسات لمنظومة قواعد القانون الدولي الإنساني التي تنظّم وضع الإقليم المحتل. وتحظر اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 على دولة الاحتلال نقل جزء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها، وهو حظر لا يقتصر على النقل السكاني المباشر، بل يمتد إلى جميع السياسات والإجراءات التي تؤدي إلى ترسيخ هذا النقل أو تشجيعه، بما في ذلك الأنشطة الاقتصادية والسياحية المرتبطة بالمستوطنات. كما تؤكد قواعد الاحتلال الحربي، الواردة في لوائح لاهاي لعام 1907، على مبدأ الانتفاع المقيد، الذي يُلزم دولة الاحتلال بإدارة موارد الإقليم المحتل بوصفها مديرًا مؤقتًا لا مالكًا، ويحظر عليها استغلال تلك الموارد بما يحقق مصالحها الخاصة أو يُحدث تغييرات دائمة في طبيعة الإقليم.

وفي هذا الإطار، يعتبر الاستيطان السياحي انتهاكًا لمبدأ الانتفاع المقيد  (Usufruct)، الذي يلزم دولة الاحتلال بإدارة موارد الإقليم المحتل دون استنزافها أو توظيفها لتحقيق مصالحها الخاصة.

وعلى صعيد القانون البيئي الدولي، تثير ممارسات الاستيطان السياحي إشكاليات قانونية عميقة تتصل بحماية الموارد الطبيعية في الأراضي المحتلة. إذ يُعد استغلال الينابيع والمناطق الطبيعية وتحويلها إلى مرافق سياحية تخدم المستوطنين انتهاكًا لمجموعة من المبادئ المستقرة في القانون البيئي الدولي، وعلى رأسها مبدأ عدم الإضرار (No Harm Rule)، الذي يُلزم الدول بعدم استخدام مواردها أو الأقاليم الخاضعة لسيطرتها على نحو يسبب ضررًا بيئيًا للسكان الآخرين أو يحرمهم من مواردهم الحيوية. كما يتعارض هذا النمط من الاستغلال مع مبدأ الاستخدام المستدام للموارد الطبيعية، الذي يفرض إدارة هذه الموارد بما يضمن استمراريتها لصالح السكان المحليين، لا استنزافها لخدمة مشروع استيطاني.

وفي السياق ذاته، فإن حرمان الفلسطينيين من الوصول إلى مصادر المياه، أو تقليص قدرتهم على الانتفاع بها، يُشكّل مساسًا مباشرًا بالحق في الماء بوصفه حقًا من حقوق الإنسان المعترف بها دوليًا، كما ورد في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتفسيراته الصادرة عن لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ويُضاف إلى ذلك أن تغيير الطابع البيئي للمناطق الطبيعية، من خلال إقامة بنى تحتية سياحية وتعديل معالمها، يُعد إخلالًا بالتوازن البيئي للإقليم المحتل، ويقوّض التزامات دولة الاحتلال بالحفاظ على البيئة بوصفها جزءًا من واجبات الإدارة المؤقتة للإقليم وفق قواعد الاحتلال الحربي.

وعليه، فإن الاستيطان السياحي لا يقتصر أثره على انتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني، بل يمتد ليشكّل خرقًا مركبًا لمبادئ القانون البيئي الدولي، بما في ذلك الاستغلال غير المشروع للموارد، والإضرار بالتوازن البيئي، وانتهاك الحقوق البيئية للسكان الواقعين تحت الاحتلال، الأمر الذي يعزز من توصيفه كأحد أشكال الاستعمار البيئي المعاصر.

فبدلًا من الحفاظ على الموارد لصالح السكان الواقعين تحت الاحتلال، يجري تحويلها إلى أدوات اقتصادية وسياحية تخدم المستوطنين، وهو ما يرقى إلى استغلال غير مشروع ونهب للموارد الطبيعية. كما تسهم هذه الممارسات في إحداث تغييرات دائمة في الطابع الديمغرافي والثقافي للأرض، من خلال إعادة تسمية المواقع، وفرض روايات تاريخية تخدم المشروع الاستيطاني، وتهويد الفضاء الأثري، بما يشكّل إخلالًا بالتزامات حماية الهوية الثقافية للسكان، كما هو مقرر في القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.

وعلاوة على ذلك، يؤدي الاستيطان السياحي دورًا محوريًا في تكريس ما يمكن وصفه بـ "الضم الزاحف"، من خلال خلق واقع اقتصادي وإداري يصعب فصله عن دولة الاحتلال، بما يقوّض مبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة.

كما يرتبط هذا النمط من الاستيطان بآثار مباشرة وغير مباشرة على السكان الفلسطينيين، تتمثل في مصادرة الأراضي، وتقييد الوصول إلى الموارد، وتقويض سبل العيش التقليدية، الأمر الذي قد يندرج ضمن أشكال التهجير القسري غير المباشر عندما يتم بصورة ممنهجة أو يؤدي إلى تغيير ديمغرافي فعلي.

ومن زاوية المسؤولية الدولية، يمكن توصيف هذه الممارسات ضمن إطار جرائم الحرب وفقًا لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ولا سيما ما يتعلق بنقل السكان المدنيين لدولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة، والاستيلاء غير المشروع على الممتلكات، واستغلال الموارد.

كما تثير مشاركة الشركات الخاصة الاحتلالية في تطوير وتشغيل هذه المشاريع السياحية مسألة المسؤولية القانونية للشركات في ضوء مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، بما يفتح المجال أمام مساءلة متعددة المستويات.

إن الاستيطان السياحي، في ضوء ما تقدم، لا يُعد نشاطًا اقتصاديًا محايدًا، بل يمثل أداة استراتيجية لإعادة تشكيل الإقليم المحتل قانونيًا وفعليًا، عبر توظيف الموارد الطبيعية والتراثية في خدمة مشروع استيطاني غير مشروع. وهو بذلك يشكل انتهاكًا مركبًا يجمع بين خرق قواعد القانون الدولي الإنساني، وتقويض مبادئ القانون الدولي العام، وانتهاك حقوق الإنسان الأساسية للسكان الفلسطينيين.

وعليه، فإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة قانونية متكاملة، تقوم على تعزيز التوثيق العلمي الدقيق، وتفعيل آليات المساءلة الدولية، والضغط نحو مقاطعة الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمستوطنات، بما في ذلك السياحية منها، إضافة إلى تطوير خطاب قانوني قادر على تأطير هذا النمط من الاستيطان بوصفه أحد تجليات الاستعمار المعاصر، وليس مجرد نشاط اقتصادي منفصل عن سياقه السياسي والقانوني . "الأمر الذي يستدعي اعتباره جزءًا من نمط ممنهج من الانتهاكات التي قد ترقى إلى المسؤولية الدولية والجنائية."

المصدر / المصدر: فلسطين الآن