كشفت حرب الإبادة على قطاع غزة حجم التحديات التي تواجه المنظومة القيمية والوطنية في المجتمع الفلسطيني، ليس فقط بفعل العدوان والحصار والتجويع الذي يمارسه العدو، بل أيضًا نتيجة بروز فئات من “المبادرين” ونجوم السوشيال ميديا الذين استثمروا في معاناة الناس، وحوّلوا الألم الجماعي إلى وسيلة للنفوذ والشهرة والارتزاق وثقافة الاستعراض. فهذه الظاهرة لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد سلوك فردي معزول، بل بوصفها تعبيرًا عن خلل اجتماعي وقيمي يتسلل إلى المجتمع في ظروف الانهيار والحروب الطويلة، في وقت تتعرض فيه الغالبية العظمى للشقاء والألم والجوع والنزوح المستمر.
لقد ساهم بعض هؤلاء في تكريس نمطٍ خطير من العلاقات الاجتماعية يقوم على الزبائنية والاستغلال، حيث تُستخدم المساعدات لبناء الولاءات الشخصية وتعظيم النفوذ الفردي، بدلًا من خدمة الناس بكرامة وعدالة وصون حقوقهم وأعراضهم. كما جرى تسليع معاناة الناس وتحويلها إلى مادة يومية لجذب المتابعين والتبرعات، في مشهد يُفقد الألم الإنساني معناه الوطني والأخلاقي.
إن الهوية الوطنية الفلسطينية قامت تاريخيًا على قيم التضامن والتكافل والإيثار والتضحية والانتماء الجمعي، حيث كان الإنسان الفلسطيني يرى نفسه جزءًا من قضية عامة تتقدم على المصالح الفردية الضيقة؛ غير أن بعض هذه النماذج الجديدة عملت على تقويض هذه القيم عبر نشر ثقافة الاستعراض والفردانية والبحث عن المكاسب الشخصية، حتى في أكثر اللحظات مأساوية.
والأخطر من ذلك أن بعض هذه الظواهر لم تكتفِ بالاستفادة المادية، بل انخرطت في خطاب يهاجم المقاومة ويحمّل الضحية مسؤولية ما يجري، متماهيةً – بوعي أو من دونه – مع السردية المعادية التي تسعى إلى تفكيك الوعي الوطني وضرب فكرة الصمود الجماعي. وهنا يتحول “المحتوى” إلى أداة سياسية تُستخدم لإعادة تشكيل وعي الناس على قاعدة الفردانية واليأس والانقسام والخضوع والقبول بالواقع القائم، بدلًا من تعزيز التضامن الشعبي والوعي الوطني التحرري، بما ينسجم مع محاولات ضرب الوعي الوطني وإضعاف حالة الصمود الشعبي. وهنا تتجلى خطورة الظاهرة اجتماعيًا؛ إذ إنها لا تُفسد المجال الأخلاقي فحسب، بل تعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية على أسس المنفعة والانتهازية وفقدان الثقة.
ولا تنفصل هذه الظاهرة، إلى جانب المستهدفين من هذا المقال، عن مسؤولية القوى السياسية والمؤسسات المجتمعية التي غاب دورها ووظيفتها، بل إن بعضها تماهى مع ظاهرة “المبادرين” والسوشيال ميديا، بالتوازي مع تآكل البنى الاقتصادية وغياب العدالة الاجتماعية والرقابة المجتمعية. فمن المعروف أنه في أوقات الكوارث والحروب الكبرى – فما بالنا في حرب إبادة شاملة؟ – تظهر دائمًا طبقات طفيلية تستثمر في الألم، وتحول المأساة إلى سوق مفتوح للربح والشهرة والابتزاز.
إن المطلوب اليوم إعادة الاعتبار للقيم الوطنية والأخلاقية، من خلال مواجهة هذا الإفساد المجتمعي بالوعي النقدي الجماعي، وإحياء دور القوى الوطنية والمجتمعية والثقافية والتربوية – دورًا ووظيفةً – في حماية الوعي الشعبي، ومحاسبة كل من استغل معاناة الناس لتحقيق مصالح شخصية. كما يتطلب الأمر بناء خطاب إعلامي وطني مسؤول يميز بين العمل الإنساني الحقيقي وبين الارتزاق المقنّع، ويحفظ كرامة الناس ووعيهم، حتى لا تتحول الحرب إلى بيئة مفتوحة لصناعة الطفيليات الاجتماعية وتفكيك البنية الوطنية للمجتمع الفلسطيني.
