17.79°القدس
17.55°رام الله
16.64°الخليل
19.95°غزة
17.79° القدس
رام الله17.55°
الخليل16.64°
غزة19.95°
السبت 09 مايو 2026
3.95جنيه إسترليني
4.09دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.42يورو
2.9دولار أمريكي
جنيه إسترليني3.95
دينار أردني4.09
جنيه مصري0.06
يورو3.42
دولار أمريكي2.9

تقارير "فلسطين الآن"..

ملاعب غزة المنكوبة.. حرب ممنهجة لطمس الهوية والبنية الرياضية في غزة

غزة-فلسطين الآن

تعتبر الأندية الرياضية في قطاع غزة بمثابة المتنفس الحيوي والأكثر أهمية لآلاف الشباب والأطفال، حيث تمثل هذه المنشآت الحاضنة الأساسية للمواهب ومراكز التنمية الثقافية والاجتماعية والرياضية، والذاكرة الحية التي توثق صمود وسيرة الرواد واللاعبين. ومنذ السابع من أكتوبر 2023، واجه القطاع الرياضي حرب تدمير شاملة لم تقتصر على تدمير الجدران والمقرات فحسب، بل استهدفت القضاء على البنية التحتية للمستقبل الكروي والرياضي بشتى مجالاته، عبر استهداف الملاعب التاريخية والصالات المغلقة وأكاديميات الناشئين.

لقد أدت عمليات الاحتلال الإجرامية الممنهجة إلى إلحاق دمار كلي أو جزئي بأكثر من 80% من المنشآت الرياضية، شملت أندية تاريخية تأسست منذ خمسينيات القرن الماضي، لتتحول هذه الملاعب الخضراء والصالات التي كانت تضج بالهتافات والبطولات المحلية إلى ركام وأتربة وسياجات شائكة. كما جرى تحويل بعض المنشآت الرياضية الكبرى، مثل استاد اليرموك، إلى ساحات اعتقال وتنكيل وتحقيق مع المواطنين، أو مواقف للآليات العسكرية والدبابات، في انتهاك صارخ لكافة القوانين والمواثيق الرياضية الدولية والأولمبية التي تحيد المنشآت المدنية والرياضية عن الصراعات والحروب.

ولم تتوقف الكارثة عند حد خسارة المباني والممتلكات والأرشيفات الرياضية فحسب، بل طالت بشكل مباشر الرأس المال البشري للرياضة الفلسطينية، حيث ارتقى المئات من الشهداء الرياضيين من لاعبين، ومدربين، وإداريين، وحكام، ورموز من الحركة الكشفية، من بينهم عدد كبير من الأطفال المسجلين في الأكاديميات الكروية. هذه المجزرة البشرية تسببت في قطع برامج اكتشاف المواهب وتجفيف منابع الدخل لآلاف العائلات التي كانت تعتمد على قطاع الرياضة كمصدر رزق أساسي، فضلاً عن تعريض جيل كامل من الرياضيين الناجين لصدمات نفسية واجتماعية عميقة نتيجة فقدان الزملاء واختفاء ملاعبهم المفضلة.

ورغم هذا المشهد السوداوي والدمار شبه الشامل، تبرز محاولات دؤوبة للتعافي تنبثق من أزقة المخيمات ومراكز النزوح، حيث يصر الرياضيون والاتحادات على ترميم ما يمكن ترميمه، والبحث عن آليات بديلة لممارسة الرياضة وتوثيق أسماء الشهداء وإبقاء جذوة النشاط الرياضي متقدة.

ويسعى هذا التقرير، من خلال رصد شهادات حية ومباشرة من قلب الميدان، إلى تسليط الضوء على حجم الفاجعة التي حلت بأندية قطاع غزة، وإبراز الآثار المترتبة على شلل الرياضة، واستكشاف آمال وتطلعات الأسرة الرياضية لإعادة البناء والوقوف مجدداً على الأقدام.

ركام على أنقاض التاريخ والبطولات..

واعتبر الكابتن محمد نور، عضو إدارة نادي خدمات البريج، أن سماع نبأ تدمير المقر الشامل لنادي خدمات البريج بمثابة صدمة وجودية زلزلت قلوب كافة أبناء مخيم البريج والأسرة الرياضية الفلسطينية، مبيناً أن هذا النادي العريق الذي تأسس عام 1951 كأحد ركائز الذاكرة الرياضية واللاجئين، تحول بالكامل إلى كومة من الركام والأنقاض ولم يتبقَ من مبانيه الإدارية وقاعاته أي شيء يُذكر. لقد استهدف القصف الصاروخي والمدفعي الصالة المغلقة الشهيرة التي كانت تعد معقل كرة السلة التاريخي في فلسطين، بالإضافة إلى تدمير الأجهزة الرياضية والمكاتب الإدارية وأرشيف الكؤوس والدروع التي حصدها النادي على مدار أكثر من سبعة عقود من الزمان.

وأكد نور خلال حديثه لمراسل "فلسطين الآن"، أن الأثر على دمار النادي مباشر وكارثي، حيث تسبب هذا الدمار في شلل تام ومطلق لكافة الأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية التي كان يضطلع بها النادي في المنطقة الوسطى. تشتتت فرق النادي بالكامل، بدءاً من الفريق الأول لكرة القدم وصولاً إلى فرق الفئات العمرية والناشئين، وانعدمت القدرة على تنظيم أي تدريبات أو تجمعات، إضافة لغياب البنية التحتية والملاعب الآمنة حَرَم مئات اللاعبين والشباب من ممارسة شغفهم، وأدى إلى تراجع مخيف في اللياقة البدنية والجاهزية الفنية، ما يجعل الحديث عن عودة البطولات والمسابقات الرسمية أمراً معقداً في ظل غياب أدنى مقومات البيئة الرياضية.

وأضاف: "من الناحية الإدارية، فقدنا المركز اللوجستي الذي تدار منه شؤون النادي، وضاع الأرشيف الورقي والإلكتروني بالكامل، ناهيك عن تدمير منازل عدد من الكوادر الإدارية والإعلامية التابعة للنادي. مالياً، يواجه النادي عجزاً مطلقاً بعد أن فقد كل مصادر الدخل والرعايات والتمويل، وتراكمت الالتزامات دون وجود أي أفق للحل في المدى المنظور. واجتماعياً، كان النادي يمثل الحاضنة البديلة لشباب المخيم لحمايتهم وتفريغ طاقاتهم بشكل إيجابي، وبغيابه خسر المجتمع المحلي جدار الحماية الثقافي والتربوي الأول له".

وختم حديثه: "رغم هذا الدمار الواسع والشامل، إلا أن عزيمتنا لم ولن تنكسر، ونحن نؤمن بأن الأندية تُبنى بالرجال والانتماء وليس بالجدران فقط. نخطط حالياً للعمل بمقرات مؤقتة أو خيام ميدانية لإعادة جمع شمل اللاعبين والناشئين، والبدء الفوري بحصر الأضرار وإعداد ملفات هندسية لإعادة الإعمار. نطلق نداء استغاثة عاجل للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، والاتحادات الآسيوية والعربية، وكل المؤسسات الدولية، للتدخل العاجل لإنقاذ خدمات البريج وأندية غزة وإعادة تشييد البنية التحتية الرياضية لتستعيد أجيالنا حقها الطبيعي في اللعب والحياة".

إبادة ممنهجة للبنية الرياضية والإعلامية..

بدوره أكد الأمين العام للاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي مصطفى صيام، أن الواقع الرياضي في قطاع غزة يعيش مأساة غير مسبوقة في تاريخ الرياضة الحديث، حيث تشير البيانات والتوثيقات الرسمية إلى تدمير ما يربو على 273 منشأة رياضية في القطاع بشكل كلي وجزئي. الدمار لم يرحم الملاعب الكبرى كملعب فلسطين واليرموك، ولا مقرات الأندية العريقة وصالات الألعاب الفردية والجماعية. أما على الصعيد البشري، فقد فجعنا بارتقاء أكثر من 708 شهداء من الحركة الرياضية والكشفية، بينهم 369 من لاعبي كرة القدم، ومن ضمنهم 95 طفلاً كانوا يمثلون نواة المستقبل للرياضة الفلسطينية.

وأضاف في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن الاستهداف الإسرائيلي للمنشآت الرياضية في غزة هو استهداف ممنهج ومدروس ومخطط له بدقة، وليس مجرد أضرار جانبية للعمليات العسكرية. الاحتلال يتعمد ضرب كل ما يمثل مظاهر الحياة، والتعافي، والتميز، والوحدة الوطنية في المجتمع الفلسطيني، والرياضة هي إحدى أقوى أدوات التعبير عن الهوية الوطنية وإيصال صوت فلسطين للعالم. تدمير الأندية الكبرى وتحويل الملاعب إلى ثكنات أو ساحات تعذيب واحتجاز يهدف إلى كسر الروح المعنوية للشباب الفلسطيني وإعدام المساحات التي يتنفسون من خلالها".

وتابع حديثه: "أيضاً الإعلام الرياضي الفلسطيني تلقى ضربات قاسية، وفقدنا العديد من الزملاء الصحفيين والمصورين الرياضيين الذين استهدفتهم آلة الحرب أثناء تأديتهم لواجبهم المهني. واجهنا تحديات هائلة تمثلت في الانقطاع المستمر لشبكات الاتصال والإنترنت، وصعوبة الحركة والتنقل بين المحافظات لتوثيق الدمار والانتهاكات في الميدان. ورغم ذلك، أطلقنا نداءات ومناشدات مستمرة لوسائل الإعلام العربية والدولية لضرورة تسليط الضوء على محنة الرياضة الفلسطينية ومقاطعة الاحتلال رياضياً في المحافل الدولية بسبب جرائمه ضد الرياضيين والمنشآت المدنية".

وختم حديثه: " المستقبل في قطاع غزة يحتاج إلى جهود جبارة وإرادة دولية حقيقية، لأن حجم الدمار يتجاوز الإمكانيات المحلية المتاحة للاتحادات والأندية. الخطوة الأولى والملحة هي توفير تمويل دولي عاجل لإنشاء ملاعب وصالات معشبة مؤقتة وسريعة التجهيز لإنقاذ الجيل الحالي من اللاعبين من شبح الاعتزال والضياع الفني والبدني. ثانياً، يجب على اللجنة الأولمبية الدولية والاتحاد الدولي لكرة القدم ممارسة ضغوط حقيقية لمحاسبة الاحتلال على تدمير المنشآت وتسهيل سفر الجرحى الرياضيين للعلاج وإعادة بناء البنية التحتية وفق مواصفات حديثة تضمن دمج غزة مجدداً في المنظومة الرياضية الدولية".

أحلام معلقة في طي النزوح والركام..

بدوره كشف لاعب نادي شباب خانيونس خالد الحلاق معاناة الرياضيين وفقدان الملاعب ومصادر الرزق، حيث اعتبر اللاعب أن واقع اللاعبين في قطاع غزة تحول من الطموح والمنافسة على الألقاب والبطولات إلى رحلة يومية قاسية من أجل البقاء والنزوح والبحث عن أدنى مقومات الحياة. لقد فقدنا أنديتنا وملاعبنا التي قضينا فيها أجمل سنوات عمرنا، وتشتت زملاؤنا في الفريق بين مراكز النزوح والخيام. الصدمة النفسية بفقدان ملعب نادي شباب خانيونس، الذي كان شاهداً على بطولاتنا، لا يمكن وصفها؛ فقد تحول الصرح الرياضي الكبير إلى ركام، وتوقفت حياتنا المهنية والرياضية بشكل كامل لتصبح أحلامنا بالاحتراف وتمثيل المنتخب معلقة.

وأضاف في حديثه لمراسل "فلسطين الآن"، أن دمار المنشآت الرياضية أحدث تراجعاً مخيفاً وخطيراً في المستويات البدنية والفنية لجميع اللاعبين دون استثناء، فاللاعب المحترف يحتاج إلى تدريب يومي وممنهج على ملاعب مجهزة. حالياً، يفتقر القطاع لوجود أي ملعب صالح للتدريب، ومعظم الساحات إما مدمرة أو تحولت لخيام لإيواء النازحين. نحاول أحياناً القيام ببعض التمارين الفردية الخفيفة بين الخيام أو على شاطئ البحر للحفاظ على الحد الأدنى من اللياقة، لكن انعدام التغذية السليمة، والضغط النفسي المتواصل، وغياب المعدات الرياضية يجعل الاستمرار في غاية الصعوبة".

وأشار الحلاق إلى أن الرياضة لم تكن مجرد شغف بل كانت أيضاً مصدر دخل، مبيناً أن هذه هي المعاناة الأشد وطأة على عاتق اللاعبين وعائلاتهم، فالكثير منا كان يعتمد على العقود والمخصصات والرواتب الشهرية التي تقدمها الأندية كمصدر رزق وحيد ومستقر، مبيناً أنه بتدمير الأندية وتجميد النشاط الرياضي، انقطعت هذه الموارد المالية تماماً وجدنا أنفسنا بلا أي دخل مادي في ظل غلاء معيشي طاحن وظروف نزوح قاسية. فاضطر العديد من اللاعبين والكوادر الرياضية للبحث عن أعمال شاقة أخرى، أو الاعتماد على المساعدات الإنسانية الشحيحة لتأمين قوت يوم عائلاتهم، مما يقتل الشغف الرياضي بداخلهم تدريجياً.

وختم الحلاق حديثه برسالة موجعة قائلاً فيها: " رسالتي هي صرخة من وسط الركام والخيام؛ أنقذوا اللاعبين والشباب في غزة قبل أن ينتهي جيل رياضي كامل وتندثر موهبته. نطالب الاتحاد الفلسطيني والجهات الدولية بالعمل الفوري على توفير برامج دعم مالي وإغاثي طارئ للاعبين المتضررين لتمكينهم من الصمود وتأمين احتياجات عائلاتهم الأساسية. نتطلع إلى الإسراع في توفير حلول رياضية بديلة، ولو عبر معسكرات تدريبية خارجية أو إنشاء ملاعب مؤقتة، لأننا نمتلك الإرادة للعودة واللعب ورفع علم فلسطين عالياً، ولن نسمح للدمار بأن ينهي شغفنا ورسالتنا الرياضية".

 

المصدر: فلسطين الآن