25.01°القدس
24.77°رام الله
23.86°الخليل
24.87°غزة
25.01° القدس
رام الله24.77°
الخليل23.86°
غزة24.87°
الثلاثاء 26 مايو 2026
3.89جنيه إسترليني
4.06دينار أردني
0.06جنيه مصري
3.35يورو
2.88دولار أمريكي
جنيه إسترليني3.89
دينار أردني4.06
جنيه مصري0.06
يورو3.35
دولار أمريكي2.88

 مسجد النبي صموئيل يواجه أخطر مراحل التهويد بعد قرار إسرائيلي بالاستيلاء على أراضيه ومحيطه

ErKiZzwW4AE531a.jpg
ErKiZzwW4AE531a.jpg

في شمال غرب القدس المحتلة، وعلى تلةٍ تُشرف على المدينة وقراها، تقف قرية النبي صموئيل بوصفها واحدة من أكثر النماذج وضوحًا على سياسة الاحتلال الإسرائيلي القائمة على توظيف الآثار والدين والقانون الاستعماري لإعادة تشكيل الجغرافيا والهوية الفلسطينية، فما يجري في القرية منذ احتلال القدس عام 1967 لا يمكن قراءته باعتباره إجراءات تنظيمية أو مشاريع “تطوير مواقع أثرية”، بل هو مسار تهويدي متكامل يستهدف الأرض والرواية والسكان والمقدسات الإسلامية في آنٍ واحد.

ومؤخرًا، صعّدت سلطات الاحتلال هذا المسار بإصدار قرار جديد يقضي بالاستيلاء على نحو 109.79 دونمات من الأراضي الواقعة في محيط بلدتي النبي صموئيل وبيت إكسا، بذريعة “المصلحة العامة” و”تطوير موقع أثري”، في خطوة خطيرة تمتد – وفق نص القرار – إلى الأراضي المقام عليها مسجد النبي صموئيل التاريخي، بما يثير مخاوف حقيقية من استكمال السيطرة الإسرائيلية على المسجد ومحيطه بالكامل.

ويُعد مسجد النبي صموئيل من أبرز المعالم الإسلامية التاريخية في محيط القدس، ويقع فوق موقع أثري تعود طبقاته الحضارية إلى فترات متعددة، بينما يحمل المبنى القائم طابعًا معماريًا إسلاميًا واضحًا، تعود أبرز ملامحه إلى الحقبة الأيوبية والمملوكية، ويضم المسجد مقامًا يُنسب للنبي صموئيل عليه السلام، وظلّ عبر قرون موقعًا دينيًا إسلاميًا مفتوحًا للمصلين والزوار.

غير أن الاحتلال الإسرائيلي عمل منذ عام 1967 على إعادة توظيف الموقع دينيًا وسياسيًا، مستندًا إلى رواية توراتية تدّعي وجود “قبر النبي صموئيل” في المكان، وبالتوازي مع ذلك، شرع الاحتلال بفرض وقائع ميدانية تدريجية داخل المسجد ومحيطه، بدأت بتقييد وصول الفلسطينيين إليه، ثم تحويل أجزاء منه إلى كنيس يهودي، وصولًا إلى تقليص المساحات المخصصة لصلاة المسلمين وحصرها في قاعة صغيرة فقط، بينما باتت غالبية مرافق الموقع خاضعة للسيطرة الإسرائيلية المباشرة.

وفي عام 1971، هدمت قوات الاحتلال معظم منازل قرية النبي صموئيل، وهجّرت سكانها بذريعة حماية “آثار نادرة”، رغم أن المواطنين الفلسطينيين عاشوا في القرية لمئات السنين بشكل متواصل، ولم يبقَ اليوم سوى نحو 300 فلسطيني يعيشون في ظروف قاسية ومعزولة، بعدما جرى اقتلاع القسم الأكبر من السكان الأصليين.

ولاحقًا، أعلنت سلطات الاحتلال عام 1995 المنطقة المحيطة بالقرية “حديقة قومية”، وصادرت آلاف الدونمات تحت هذا التصنيف، لتتحول القرية فعليًا إلى “قرية أسيرة داخل حديقة”.

ولم تُظهر الحفريات الأثرية التي تنفذها سلطات الاحتلال في الموقع منذ عام 1992 أدلة تثبت الرواية اليهودية التي يجري الترويج لها، بل أظهرت معالم وآثارًا إسلامية واضحة، على رأسها المسجد التاريخي نفسه، ومع ذلك، تواصل السلطات الإسرائيلية استخدام “علم الآثار” كأداة سياسية لتكريس رواية أحادية حول المكان، وإقصاء الرواية الفلسطينية والإسلامية منه.

وتكشف التجربة الممتدة في النبي صموئيل أن الاحتلال يستخدم مفاهيم مثل “الترميم” و”التطوير” و”الحفاظ على التراث” كأدوات استعمارية ناعمة لفرض السيادة الإسرائيلية على القدس ومحيطها، فالمشاريع التي تُقدَّم للسياح والزوار باعتبارها مشاريع “حفظ مواقع أثرية”، تُستخدم فعليًا لإعادة تشكيل هوية المكان بصريًا وثقافيًا وسياسيًا.

وتُقدَّم الرواية اليهودية في اللوحات الإرشادية والمنشورات السياحية داخل الموقع، بينما يجري تغييب الرواية الإسلامية بالكامل، رغم أن المسجد والمقام والقرية نفسها تشكل جزءًا أصيلًا من التاريخ العربي والإسلامي للقدس.

وفي الوقت ذاته، يُمنع أهالي القرية من البناء أو الترميم أو استصلاح أراضيهم أو حتى زراعة الأشجار دون الحصول على تصاريح من “الإدارة المدنية” الإسرائيلية، وهي تصاريح نادرًا ما تُمنح، كما يخضع السكان لنظام عزل وحصار عبر الحواجز والجدار، ما حوّل حياتهم اليومية إلى معاناة دائمة.

ولم يقتصر الأمر على مصادرة الأراضي والتضييق على السكان، بل امتد إلى استهداف المسجد نفسه بصورة مباشرة، فقد وثّقت محافظة القدس استخدام قوات الاحتلال سطح المسجد لأغراض عسكرية ومراقبة، إلى جانب تنظيم فعاليات تهويدية في محيطه، بينما جرى الاستيلاء التدريجي على أجزاء من المبنى وتحويلها لخدمة الطقوس اليهودية.

وقامت سلطات الآثار الإسرائيلية بإزالة وسرقة عناصر أثرية من داخل المسجد بحجة “الترميم”، في سياق يُنظر إليه باعتباره محاولة ممنهجة لإعادة تشكيل الطابع التاريخي للمكان بما يخدم الرواية الإسرائيلية.

وفي سبتمبر 2025 بدأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي إصدار بطاقات خاصة وتصاريح دخول لأهالي النبي صموئيل وحي الخلايلة وأصدرت التصاريح تباعا لأهالي قرية بيت إكسا، وذلك بعد تصنيفها "مناطق تماس".
 
ويأتي قرار الاستيلاء الأخير على نحو 109.79 دونمات من أراضي بلدتي النبي صموئيل وبيت اكسا ليشكّل حلقة جديدة في هذا المسار، إذ لم يعد الحديث يدور فقط حول السيطرة على الأراضي المحيطة، بل عن فرض سيادة إسرائيلية مباشرة على كامل الفضاء الديني والأثري للقرية، بما يشمل المسجد التاريخي نفسه.

وما يجري في النبي صموئيل لا يمكن فصله عن السياسات الإسرائيلية الأوسع في القدس المحتلة، القائمة على تقليص الوجود الفلسطيني وتوسيع السيطرة الاستعمارية وربط المستعمرات المحيطة بالمدينة ضمن حزام جغرافي واحد، فالقرية تقع في موقع إستراتيجي بين مستعمرتي “جفعات زئيف” و”جفعون”، وتسعى إسرائيل إلى دمجهما ضمن المجال الحضري الاستعماري للقدس.

وفي هذا السياق، تتحول المواقع الأثرية والدينية الفلسطينية إلى أدوات سياسية تُستخدم لإعادة هندسة المكان ديمغرافيًا ورمزيًا، بينما يُدفع الفلسطينيون تدريجيًا نحو التهجير القسري الصامت بفعل الحصار ومنع البناء وتقييد سبل الحياة.

إن ما تتعرض له قرية ومسجد النبي صموئيل يُمثّل نموذجًا صارخًا لسياسات التهويد الزاحف التي تستهدف المقدسات الإسلامية والموروث الثقافي الفلسطيني في القدس المحتلة، في انتهاك واضح للقانون الدولي واتفاقيات حماية التراث الثقافي في أوقات الاحتلال والنزاع المسلح.

وفي ظل استمرار هذه السياسات، تبرز الحاجة الملحّة لتحرك دولي فعّال من قبل المؤسسات الأممية والدولية، وعلى رأسها منظمة اليونسكو، لحماية مسجد النبي صموئيل ومحيطه باعتباره جزءًا أصيلًا من التراث الثقافي والديني الفلسطيني، ووقف استخدام الآثار كأداة استعمارية لفرض الوقائع وتغيير الهوية التاريخية للقدس المحتلة.

المصدر: فلسطين الآن